سفير تونس الأسبق في إيران محمد الحصايري لـ"الشروق":

"روحاني سيخلف نفسه وانتخابُه يعني استمرار إيران في سياسة الحوار والتفاوض"

date 2017/05/17 views 2501 comments 11
  • الانتخابات الرئاسية الإيرانية عادة ما تجرى بصفةٍ حرّة ونزيهة
  • تداولُ الحكمِ بين الإصلاحيين والمحافظين هو صمام أمان لإيران
author-picture

icon-writer حاوره: عبد السلام سكية

صحافي ورئيس قسم القسم الدولي بجريدة الشروق اليومي

يتوقع سفير تونس السابق في إيران، محمد الحصايري، فوز الرئيس حسن روحاني، في انتخابات هذا الجمعة، حيث ستنحصر المنافسة بينه وبين إبراهيم رئيسي، وعن رسم السياسة الإيرانية خاصة في شقها الخارجي، يقول الحصايري الذي مسك منصب المدير السابق لدائرة العالم العربي والإسلامي في الخارجية التونسية، في هذا الحوار مع "الشروق اليومي"، أن إعادة انتخاب روحاني يعني استمرار طهران في سياسة التفاوض، ويقدم الفوارق التي تميز الرئاسيات في إيران عنها في العالم العربي.

كيف تقرأ الانتخابات الإيرانية في ظل التجاذبات الكثيرة الحاصلة بين المرشحين؟

أعتقد أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجري غدا الجمعة 19 ماي الجاري هي ككل انتخابات رئاسية في كل بلاد من حجم إيران الجغرافي والديمغرافي والسياسي الاقتصادي تنطوي على رهانات متعددة مرتبطة وثيق الارتباط بمجمل الأوضاع الإيرانية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ومن الطبيعي تبعا لذلك أن تتنوع المراهنات على المترشحين لهذه الانتخابات طبقا لدرجات توافق توجهاتهم وخياراتهم مع تطلعات جماهير الناخبين بمختلف أطيافهم التي تتأرجح عادة بين نوازع الانغلاق والانفتاح والمحافظة والإصلاح والتشدد والاعتدال...

ولأن هذه الانتخابات ستحدد المنحى الذي ستسير فيه إيران خلال السنوات الأربع القادمة، في ظل منطقة مضطربة وعالم متقلب، فإنها تكتسب أهمية بالغة وهو ما يفسر احتدام التجاذبات بشأنها سواء بين أنصار الثورة ومعارضيها من ناحية أو بين أجنحتها المتشددة وأجنحتها الإصلاحية من ناحية أخرى.

 

باعتقادك، على أي أساس ينتخب المواطن الإيراني: الشخص، البرنامج، أم التيار الذي ينحدر منه المرشح؟ أم أنه خاضع لتأثيرات أخرى كالمرجعية الدينية ومواقف كبار السياسيين ووسائل الإعلام؟

برأيي، جميع هذه العناصر التي عدًّدْتَها تؤثر في عملية اختيار الناخب لمرشح دون آخر... وربما أضَفْتُ إليها عنصرا آخر هو الدور المتنامي الذي أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تلعبه في تكييف الرأي العام وتوجيهه.

وفي هذا الاطار تجدر الاشارة إلى أن المعارضين من دعاة المقاطعة يستخدمون بكثافة مواقع التواصل الاجتماعي، وفي المقابل فإن السلطات تصبح أكثر تسامحا وانفتاحا خلال "موسم" الانتخابات حيث تسمح بشكل متزايد باستخدام هذه المواقع من أجل ضمان إقبال الناخبين على التصويت.

ومع أن المجتمع الإيراني ينقسم إلى شرائح عديدة ذات توجهات وتطلعات متباينة، فإننا إذا حاولنا تبويب هذه العناصر وترتيبها من حيث مدى قدرتها على التأثير فقد تكون المرجعية الدينية في مقدمتها، وهذا ما يشكل إحدى خصوصيات النظام السياسي في إيران.

 

من هو المرشح الأكثر حظا للفوز؟

بعد أن انسحب عمدة طهران محمد باقر قاليباف، أحد مرشحي جبهة الأصوليين (جمنا) من السباق الانتخابي لفائدة المرشح إبراهيم رئيسي، وبعد أن انسحب نائب الرئيس الإيراني الحالي إسحاق جهانغيري، أحد مرشحي جبهة الإصلاحيين، لفائدة الشيخ حسن روحاني، أعتقد أن الصراع سينحصر بين كل من الشيخ حسن روحاني وبين إبراهيم رئيسي...

ومن المرجّح، في تصوري، أن يخلف روحاني نفسه على كرسي الرئاسة، لعدة أسباب لعل أهمها أنه المرشح الرسمي لجبهة الإصلاحيين، وأنه استطاع خلال ولايته الأولى أن يحقق عدة منجزات داخليا وخارجيا، كما إنه شرع في تنفيذ بعض الإصلاحات التي يحتاج الى فترة رئاسية ثانية لكي يستكملها.. وهذا ما أكد عليه مثلا السيد حسن الخميني حفيد الإمام الخميني الذي أعلن عن دعمه للرئيس حسن روحاني واعتبر أنّ حكومته حققّت إنجازات ووصلت إلى منتصف الطريق، مستخلصا أنه "من المناسب منحها الفرصة للوصول إلى النتيجة التي تطمح إليها".

ومما يؤيد هذا الترجيح استبعاد الرئيس الإيراني السابق الدكتور محمود احمدي نجاد الذي ينتمي إلى التيار الأصولي الثوري من الترشح للانتخابات، حيث أن المرشد الأعلى للثورة الايرانية أكد أن الظرف الراهن لا يتواءم مع الأفكار التي يحملها.

غير أن ذلك كله لا يمنع من احتمال فوز منافسه السيد إبراهيم رئيسي سادن مرقد الإمام الرضا، ونائب رئيس السلطة القضائية سابقاً، الذي هو المرشح الرسمي لجبهة الأصوليين (الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية، جمنا).

وعلى العموم، فإن إيران، على ما يبدو، أمْيلُ إلى مواصلة الظهور بمظهر الاعتدال في مواجهة "الأنياب التي يجري التكشير عنها دوليا وإقليميا" ربّما لإقامة الحجة على خصومها.

 

ما موقع المرشح للرئاسيات الأكثر قربا من المرشد، وأي تأثير لهذا الأخير في رسم المشهد الانتخابي؟

لا جدال في أن للمرشد الأعلى دورا هاما في تحديد السياسات العامة الإيرانية بالتشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، ثم في الإشراف على حسن تنفيذها، ومن هذا المنطلق فهو قادر على توجيه الرأي العام، غير أن النظام السياسي الإيراني، كما يؤكد الخبراء، من أعقد الأنظمة في العالم وذلك بسبب تعدد وتشعب الآليات والمؤسسات التي تساهم في بلورة السياسات واتخاذ القرارات.

وتأسيسا على ما تقدم، فإن العادة جرت ألا يصرح المرشد العام بميله إلى هذا المترشح أو ذاك، لكن ما يعرف عنه أنه أمْيلُ الى التيار المحافظ منه الى التيار الاصلاحي غير أنه من منطلق "البراغماتية السياسية" قد يغلّب من يراه أصلح لقيادة المرحلة على من يحب أن يقودها.

 

أي تأثير لهذه الانتخابات على الداخل الإيراني، والخارج، خاصة دول الخليج والملفات الإقليمية كسوريا، والعلاقة مع الغرب؟

فيما يتعلق بالداخل الإيراني، يأمل الايرانيون أن تنعكس نتيجة الانتخابات ايجابيا على الوضع الاقتصادي في البلاد، وعلى وضع الحريات السياسية وحقوق الإنسان التي تحظى باهتمام الطبقة الوسطى التقدمية، كما يأملون أن يتصدى الرئيس القادم لمعالجة الفساد ويرسي قواعد الحوكمة وإحكام تسيير الشؤون الاقتصادية...

أما فيما يتعلق بالخارج، فينبغي أن نلاحظ أولا أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية تنتظم يومين قبل القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي ستنعقد بالرياض يوم الأحد 21 ماي 2017 والتي ينتظر أن تركز على كيفية التعاطي مع إيران مستقبلا.

واعتبارا لذلك، فإن نتيجتها تكتسب أهمية بالغة، لأنها ستؤشر إلى الملامح التي سيكون عليه سلوك إيران مستقبلا؛ سواء في تعاملها مع جوارها الجغرافي، أو في تعاملها مع القوى العظمى.

ومعنى ذلك أنه إذا تمّ انتخاب الرئيس روحاني مجددا، فان ذلك يعني أن إيران ستستمر في سياسة الحوار والتفاوض مع الدول الكبرى التي أبرمت معها الاتفاق النووي التاريخي في جويلية 2015، وأما إذا تمّ انتخاب رئيس من التيار المحافظ، فإن ذلك قد يؤشر الى ان ايران سترد على سياسات الولايات المتحدة ودول الجوار بنفس أسلوبها المتشدّد.

 

فيما تختلف الرئاسيات الإيرانية عن الرئاسيات في الدول العربية من حيث الندية والنزاهة؟

يمكن اختزال أوجه الاختلاف بين الانتخابات الرئاسية العربية وبين مثيلتها الإيرانية في النقاط الثلاث التالية:

النقطة الأولى: هي أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية عادة ما تتم بصورة حرة ونزيهة، وإن في حدود معينة، فبعد أن يتم السماح للمترشحين بخوض الانتخابات رسميا، تتساوى فرصهم في الظهور عبر وسائل الإعلام الرسمية خلال حملاتهم الانتخابية، ثم تتم عملية الاقتراع إلى حد كبير بطريقة حرة ونزيهة، وربما كان الاستثناء الوحيد المسجل في هذا السياق هو انتخابات عام 2009، حينما وُجِّه الاتهام للنظام بتزوير الانتخابات لصالح الرئيس المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد.

النقطة الثانية: هي أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية كانت باستمرار تعدُّدية؛ أي أن التنافس على المنصب الرئاسي يكون دائما بين أكثر من مترشح، ولا معنى في إيران للمترشح الواحد في الرئاسيات.

وأما النقطة الثالثة: فهي أن أيا من الرؤساء الايرانيين لم يحاول ان يغير الدستور من أجل الترشح لولاية رئاسية إضافية أو للبقاء على كرسي الرئاسة مدى الحياة.

ولذلك كله، تداول على الرئاسة الإيرانية منذ الثورة الى اليوم العديد من الرؤساء وكان بعضهم محافظا وبعضهم الآخر إصلاحيا، وربما يكون ذلك هو صمام الأمان الذي مكن النظام الإيراني من الاستمرار رغم المحيط الإقليمي والدولي المناوئ، أو بعبارة أخرى رغم "الداء والأعداء" كما يقول شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي.

  • print