منكر "الدّفن في المسجد" والمنكرات الأخرى

date 2017/07/13 views 3189 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

لا تزال قضية دفن أحد الأئمّة في فناء المسجد الذي كان يؤمّ فيه المصلّين ببلدية عين مران ولاية الشلف، بناءً على وصيته؛ تصنع الحدث على مواقع التواصل الاجتماعيّ، بين من يستنكر هذا العمل ويدعو المسؤولين إلى إبطاله، وبين من يهوّن من شأنه وينظر إلى القضية على أنّها هامشية ولا تستحقّ كلّ هذا اللّغط، ويدعو إلى الاهتمام بقضايا الأمّة الكبرى، خاصّة في هذه الأيام التي تشهد فيها السّاحة الإسلاميّة أحداثا مهمّة ربّما تشكّل منعرجا خطيرا في تاريخها.

الحقّ يقال، إنّه لا تعارض أبدا بين الاهتمام بهذه القضية الخاصّة وبين الاهتمام بقضايا الأمّة العامّة، وإنكار الدّفن داخل المسجد أو في فنائه لا يشغل أيّ مسلم عن إنكار حصار شعبَيْ غزّة وقطر وإبادة شعب بورما واستباحة العراق وسوريا، وعن إنكار تجريم المقاومة الفلسطينية واتّهام علماء الأمّة بالإرهاب وإصدار أحكام الإعدام في حقّ بعضهم... ما من مسلم غيور على دينه وعقيدته وأمّته يتعالى عن التعصّب الطّائفيّ ويأبى أن يصبغ مواقفه بمقتضيات المنصب والمكانة، إلا وفي وسعه أن يشجب "الدّفن في المسجد" بقلبه ولسانه، وينكر قبْله ومعه وبعده المنكرات الأخرى، لكنّ الولاء للطائفة حال بين بعض السلفيين المتصدّين لـمنكر "الدّفن في المسجد" وبين إنكار منكرات أخرى عظيمة لا يسع المسلمَ السّكوت عنها. وفي المقابل، فإنّ الولاء للمناصب والاستهانة بأمر العقيدة حالاَ بين بعض الجزائريين الذين استنكروا حصار غزة وقطر وتجريم حماس وبين إنكار واقعة "عين مران".

السّلفيون المداخلة ملومون على لزومهم "صمت القبور" إزاء ما تتعرّض له الأمّة من مؤامرات، ومُدانون لاصطفاف بعضهم مع المتآمرين من حيث قصدوا أو لم يقصدوا، وواجب على الأمّة أن تنكر سعيهم، لكنّ الإنصاف يقتضي أن يُشكر سعيهم في إنكار الدّفن في المسجد، وتضمّ الأصوات إلى ندائهم الموجّه إلى الجهات المسؤولة الدّاعي إلى تغيير هذا المنكر، مع التّأكيد على أنّ تغييره من اختصاص المسؤولين في وزارة الشؤون الدينيّة ومديريتها الولائية في الشلف، وليس لآحاد النّاس أو جماعاتهم أن يتصدّوا لإزالة هذا المنكر فيُحدثوا فتنة ومنكرات أخرى. ولعلّ الأمر الذي أصدره وزير الشؤون الدينية والأوقاف بالتّحقيق في الموضوع، هو بداية النهاية لهذه الفتنة بإذن الله، خاصّة أنّ دفن الأموات في المساجد ممنوع في القانون الجزائريّ، وهو قبل هذا ممنوع شرعا.

لقد نهت نصوص القرآن والسنّة عن تعظيم القبور بالبناء عليها أو تشييد المساجد حواليها، ونهت عن إخراج المساجد عمّا بنيت لأجله من ذكر الله وتعظيمه، وتضافرت كلمات أعلام المالكية على النّهي عن هذا وذاك؛ فمن القرآن يقول الله جلّ وعلا: ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) (الجنّ، 18)؛ أي إنّ المساجد هي بيوت الله التي لا يعظّم فيها أحد غيره، سواءٌ كان هذا الغير حيا أم ميتا، وكما أنّه لا يجوز أن يعظّم الأموات فيُدفنوا في المساجد وتُعظّم قبورهم، لا يجوز أيضا أن يعظّم فيها الأحياء وتخصّص لهم أماكن تميَّز عن غيرها يجلسون ويصلّون فيها، أو يُخصّوا بالدّعاء في كلّ خطبة ويثنى عليهم بما ليس فيهم.

ومن السنّة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أنّ النبيّ– صلّى الله عليه وسلّم- قال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت عائشة: "لولا ذلك لأُبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجدًا".

وأمّا أقوال علماء المالكية رحمهم الله، فهي أغزر وأوفر من أن يستوعبها هذا القال، نذكر منها قول الإمام القرطبي– رحمه الله- في تفسيره، بعد أن ذكر الحديث الخامس في النهي عن اتخاذ القبور مساجد: "قال علماؤنا: ويحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد" (تفسير القرطبي، 10/ 38)، وقول الونشريسي– رحمه الله- كما في "المعيار المعرّب، 1/ 414": "وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بني في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات، وألا يبقى من جدرانها إلا ما يميز به الرّجل قبر قريبه لئلا يأتي من يريد الدفن بذلك الموضع"، وقول القاضي عياض– رحمه الله- كما في "إكمال العلم، 2/ 251": "وتغليظ النبي -صلى الله عليه وسلم- في النّهي عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حد المبرَّة إلى المنكر، وقطعا للذريعة، وقد نبه- عليه السلام- في قوله: "لا تتخذوا قبري وثنا يعبد"، ولأنّ هذا كان أصل عبادة الأصنام"، وقول العدوي في حاشيته على شرح كفاية الطالب الرباني، 1/ 422: "قوله: (ويكره البناء على القبور)، أي: كقبّة أو بيت أو سقف، لأنّ أصل عبادة الأوثان اتّخاذ قبور الصّالحين مساجد".

  • print