"الشروق" تنشر ملخّصا من مذكراته .. بلعيد عبد السلام يتهم:

الشاذلي مُخادع.. الزبيري ساذج وطالب الإبراهيمي زور التاريخ! (الجزء الثاني والأخير)

date 2017/09/13 views 24793 comments 60
  • الشيخ الإبراهيمي وقف ضد الثورة طوال وجوده في القاهرة!
  • فرحات عباّس طلب مقابلة "لاكوست" قبل الالتحاق بالثورة!
  • الإبراهيمي أتلف أرشيف "الشهاب" الشاهد على دعم "ابن باديس" للجزائر الفرنسية!
  • إقرار 16 أفريل يومًا للعلم خطأ.. ويجب تعويضه بعيد الطلبة في 19 ماي
  • عبد الحميد إبراهيمي ضخّم ديون بومدين لتبرير اقتصاد "البريستيج"
author-picture

icon-writer عرض: زهية منصّر

صحافية مختصة في الشؤون الثقافية

يروي رئيس الحكومة الأسبق، بلعيد عبد السلام، في مذكراته الصادرة مؤخرا عن منشورات "الخطاب"، بعنوان "وقائع وتأملات حول مواضيع، حول ماض ليس ببعيد"، ذكرياته وشهاداته حول الثورة والأحداث التي عايشها منذ انخراطه في حزب الشعب الجزائري في 1944، وإدانته من طرف المحكمة العسكرية لقسنطينة في ماي 1945، وكان آنذاك في السابعة عشرة سنة فقط من عمره. الكتاب يسلط الضوء على الحراك السياسي والنضالي قبيل اندلاع الثورة التحريرية، من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، حزب الشعب وجمعية العلماء المسلمين وكذا النضال داخل دهاليز حزب الشعب الجزائري وأحداث 8 ماي 1945، وإنشاء المنظمة السرية.

كما يتطرق إلى أهمّ المحطات المفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة، مثل السياسة الصناعية التي انتهجها الرئيس هواري بومدين، وكذا العلاقة مع الدول الاشتراكية، وانقلاب الطاهر الزبيري على بومدين، كما توقف رئيس الحكومة في سنة 1992 عند أحداث أكتوبر 1988، وعلاقته مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف، وكذا تعيينه على رأس الجهاز التنفيذي في أصعب مرحلة عرفتها الجزائر في العشرية السوداء، وبهذا تعدّ مذكرات بلعيد عبد السلام وثيقة تاريخية لأهم المراحل المفصلية في تاريخ الجزائر المستقلة.

يواصل المتحدث شهادته، ويقول بشأن "لعروسي خليفة الذي اشتهر بالتضارب في تسييره وزيرا للصناعة والطاقة إلى جانب بن بلة، انتهى به الأمر إلى التخلي عنه، وقبل أن يوقع مروره من الوزارة، كان يأمل في لحظة حديث مع بومدين عن الخيانة التي اقترفها تجاه بوصوف أثناء أزمة 1962، لكن بومدين الذي انتهي به الأمر إلى إدراك إفلاسه لم يترك له الفرصة حتى يأخذه في لعبته".

 

هؤلاء أجهضوا انقلاب العقيد الزبيري على رفيقه بومدين

بلعيد عبد السلام، يدافع في ذات الكتاب عن ضباط فرنسا، فيقول: "العديد من الضباط القادمين من الجيش الفرنسي فتحوا النار على هذا الجيش نفسه في العديد من المرات أثناء حرب التحرير"، ويؤكد بشأن الزبيري أنه كان "وطنيّا لكنه محاط بأشباه المثقفين المنحطين الذين استغلوا طيبته لتحقيق أطماعهم المادية والمعنوية، ووجد الزبيري نفسه يخاطر بوحدة الجيش والوحدة الوطنية وكذا مساره الشخصي عقيدا في جيش التحرير الوطني، لتلبية أطماع مجموعة تفتقد الكفاءة والوطنية، حاولت لعب ورقة الجهوية... حركة الزبيري كان سيكون لها مصداقية لو أن الفريق الذي اقترحه كبديل كان جيّدا". ويورد بلعيد عبد السلام شهادته بشأن سير أحداث محاولة الانقلاب فيقول: "في ليلة 13 ديسمبر، أخبرت عن طريق اتصال هاتفي في حدود منصف الليل، أن دبابات تحت أوامر الزبيري قائد أركان الجيش الوطني الشعبي تتجه إلى العاصمة.. وذهبت إلى بومدين الذي استقبلني في الحال وسألني ماذا يجري، أخبرته بأنني لا أستطيع أن أحضر له كتيبة لكني سأموت حيث يموت هو، كنا في مقر الرئاسة الذي كان إلى ذلك الحين ما زال أيضا مقر وزارة الدفاع".

ويؤكد صاحب الشهادة أن العقيد أحمد بن شريف والدرك الوطني لعبوا دورا مهما في إحباط محاولة الانقلاب، وضباط سلاح الطيران الذي كان مواليًا لبومدين لعب أيضا دورا مهما في حسم الحركة قبل طلوع النهار، كما حسم العقيد شابو الأمر في ميل ميزان القوى إلى صالح بومدين، كما كان عبد السلام بلعيد شاهدا على مكالمة تلقاها بومدين من السعيد عبيد يطلب منه الإذن بالحديث مع المنشقين، لكن بومدين كان مترددا، بعد فترة وصل إلى المقر خبر موته التراجيدي، كان ضابطا شابّا حماسيّا وطنيّا مناضلاً والمستقبل أمامه.

يصف بلعيد عبد السلام محاولة انقلاب الطاهر الزبيري بغير المنطقية، بالنظر إلى علاقة قائد الأركان السابق بالرئيس بومدين، ودوره في حسم الصراع لصالحه إبان أزمة صائفة 1962، حيث رفض الزبيري السير في صف بوضياف، كما أسهم تدخله كقائد للولاية الأولى في حسم الصراع لصالح قيادة الأركان، وتوقيع انهيار الحكومة المؤقتة.

وفي سياق متصل، يؤكد رئيس الحكومة الأسبق أنه سأل أحد أعضاء مجلس الثورة عن الأسباب الحقيقية وراء محاولة انقلاب الزبيري، فقال له إنها تتعلق بحسابات قديمة جدا ولم يفصّل له، لكن يقول إنه عرف لاحقًا أن القضية تعود إلى اجتماع عقداء الشرق في الحدود عام 1959، يومها لم يخطئ الزبيري في تلك المؤامرة والبعض يقول إنه تسبب في فشلها، كما يذكر بلعيد أنّ تداعيات الانقلاب الفاشل تحييد مجلس الثورة، وجّل أعضائه الذين كانوا من قدماء قادة الولايات إبان حرب التحرير، وقدماء ضباط جيش التحرير الوطني، وبقي بومدين وجها لوجه مع مقربيه.

 

الشاذلي أطلق الأكاذيب ويتحمل وحده المسؤولية في قفز المديونية 

فتح بلعيد عبد السلام النار على فترة الشاذلي بن جديد وفريقه، حيث يقول إن توقيف مشاريع التصنيع التي تركها بومدين بحجة ارتفاع الدّين الخارجي قابله توجيه خاطئ للاستهلاك واستيراد المساكن الجاهزة والأشياء التي لا تعود بالنفع والفائدة على الاقتصاد الوطني الذي وصفه بـ"اقتصاد البريستيج".

وقال إنّ الشاذلي ومحيطه حمّلوا بومدين مسؤولية ارتفاع الدّين الخارجي لكن وثائق المؤسسات المالية تبيّن العكس وعبد الحميد براهيمي الذي وضع يده على اقتصاد البلاد بداية من 1979 حتى انفجار أكتوبر ضخّم قيمة الدين الخارجي الذي تركه بومدين. 

الرئيس الشاذلي، الذي كان على علم بهذه الأرقام، يتحمل وحده المسؤولية في قفز المديونية الخارجية إلى حدود 25 مليار دولار. يقول بلعيد عبد السلام مدافعا عن بومدين، إنه كان يعوّل على مشاريع التصنيع التي أطلقها لتغطية قيمة هذا الدّين في بضع سنوات، وسياسة التصنيع التي أطلقها بومدين هي التي حققت للجزائر إنجازاتها الأهم. هل كان الشاذلي جاهلاً بكل هذا حتى يطلق تلك الأكاذيب في حق سلفه، في حوار للشرق الأوسط منشور في 2 أكتوبر 1989 قال الشاذلي إنّ الجزائر بيعت إلى الشركات الأجنبية عن طريق الدّين الذي تركه بومدين، لكن بلعيد عبد السلام يؤكد أن العكس هو الصحيح، إذ إنّ الجزائر بيعت إلى هذه الشركات في الثمانينيات وأرقام المؤسسات المالية تؤكد هذا.

 من جهة أخرى، حمل المتحدث كلا من أحمد طالب الإبراهيمي وعبد الحميد إبراهيمي المسؤولية إلى جانب الرئيس الشاذلي في توجيه الاقتصاد الوطني إلى نفقات "البريستيج" على حد وصفه.

 

طالب الإبراهيمي أسهم في تفقير الجزائريين وتعطيل التنمية

مسؤولية أحمد طالب الإبراهيمي مضاعفة حتى لا نقول جزائيّة، لأنه في بداية عشرية الثمانينيات أسهم في حرمان الجزائر من عائدات بالعملة الصعبة، كان من شأنها أن تمنع الجزائر من السقوط في فخ صندوق النقد الدولي. 

مع العلم أن بومدين- يقول المتحدث- ترك في خزينة الدولة ملياري دولار احتياطي الذهب، ورفض استعمالها لتغطية الاستهلاك وتركه لمواجهة الأيام الصعبة، وترك جزءا من ضمان سيادة الجزائر ومصداقيتها أمام المؤسسات المالية الدولية. فحسب صاحب المذكرات، فإنّ الإبراهيمي أسهم بسياسته في تآكل الطبقة المتوسطة ووضع المؤسسات الجزائرية في فم المؤسسات المالية الدولية، ورهن جزءا كبيرا من جهود التنمية. 

سياسة فريق الشاذلي بن جديد قادت الجزائر إلى خسارة 33 مليار دولار، هي ثمن صفقات عقود الغاز مع ألمانيا الفدرالية والولايات المتحدة، بدعوى ضمان حق الأجيال القادمة من الغاز، لكن تلك الأجيال لم ترث غير الفقر والبطالة والإحباط، ومع ذلك سمح الشاذلي بن جديد لنفسه بتقديم شخصه كضحية لوضع ورثه عن بومدين، دون أن يتجرأ أحد على وضعه عند حده ويسأله عن أفعاله "الإجرامية"، ويضعه في مكانه، خاصة الصحافة المستقلة التي لا تفوت الفرصة في كل مرة للهجوم ومحاكمة فترة بومدين وسياسة التصنيع، لكن على العكس سياسة الشاذلي هي التي قادت الجزائر إلى الكوارث.

 

فرحات عباّس طلب مقابلة "لاكوست" قبل الالتحاق بالثورة!

خصّص بلعيد عبد السلام جزءا من مذكراته للحديث عن مختلف التيارات السياسية التي طبعت الساحة النضالية الجزائرية قبل اندلاع الثورة التحريرية. ويذكر المتحدث أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم يكن لها أي دور سياسي، بل كان موقفها متقاربا مع موقف فرحات عباس من الثورة، ويستند المتحدث إلى عدة أحداث ووقائع تاريخية، ففرحات عباس قبل مغادرته إلى القاهرة ليضع نفسه في خدمة وفد جبهة التحرير في 1956، طلب مقابلة لاكوست الذي قال له: "تريد أن تغادر، غادر، ولا تنس أن فرنسا تعتمد عليكم". هذه العبارة- يقول المتحدث- تؤكد أن فرنسا كانت تريد أن تصنع "أنديجان جزائريين". وقبل أن يغادر إلى القاهرة استفاد فرحات عباس من دعم بعض العناصر الانتهازية المحسوبة على المركزيين، لكن خاصة من دعْم جمعية العلماء المسلمين ومن بعض عناصرها الأكثر تأثيرا، مثل الشيخ الإبراهيمي والشيخ خير الدين. 

 

الشيخ الإبراهيمي وقف ضد الثورة طوال وجوده في القاهرة!

وحسب المذكرات، فإنّ الشيخ الإبراهيمي كان يغذي الحساسية ضد كل من يحب حزب الشعب، واستقبل أول نوفمبر 1954 مثل "الكارثة"، وكان للشيخ الإبراهيمي، الذي كانت تربطه علاقات صداقة مع أعيان الشرق الأوسط، قد غادر القاهرة إلى باكستان بعد أزمة صحيّة ولم يعد إلى القاهرة إلاّ في أواخر سنة 1959. 

الشيخ الإبراهيمي، طوال وجوده في القاهرة، وقف ضد الثورة، وأحمد طالب اعتبر خصوم والده ليسوا فقط خصومه لكنهم خصوم الجزائر، ومع أنّ والده الشيخ البشير الإبراهيمي لم يكتب أيّ مقال طوال الثورة يساند فيه نضال الشعب، بل سخّر قلمه في 1964 ليكتب ضد بن بلة والتوجه الاجتماعي للدولة، ويقول إنه يدافع عن الإسلام عشيّة انعقاد مؤتمر جبهة التحرير.

كما عاد بلعيد عبد السلام بالحديث إلى أيام دراسته مع أحمد طالب الإبراهيمي في كلية العلوم الطبيّة بالجزائر، قبل السفر إلى باريس كطالب طبّ، حيث يؤكد أن أحمد طالب لم يكن يخالط الأوساط الطلابية الجزائرية، ويفضل بدلها الاختلاط بالإخوان المسلمين، وكان يقدم نفسه "كمسلم قبل أن يكون جزائريّا"، وحتى عندما كان على رأس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، يقول بلعيد عبد السلام، إن أحمد طالب كان يفضل "البريستيج" في التصريحات للصحافة، أو ربط علاقات مع الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية والعربية المهاجرة، بدل أن يهتم بالمشاكل الحقيقية للطلبة في باريس والنضال الثوري الجزائري، تلك العلاقات التي استغلها الإبراهيمي لاحقا في تقديم نفسه في زمن بومدين، كشخصية إسلامية حداثية متفتحة على العالم والدبلوماسية. ويضيف صاحب الكتاب أن نجل الشيخ الإبراهيمي استغل منصبه في خلق دور سياسي لجمعية العلماء وغرس أتباعها في مختلف المناصب، خاصة في التعليم، وهو ما منحهم الحق في ممارسة التأثير على الأجيال الجديدة، خاصة في ما يخص تسويق الحقائق التاريخية، حيث قال بلعيد عبد السلام إن ترسيم 16 أفريل كيوم للعلم فرضه أحمد طالب الإبراهيمي، وكان الأجدر ترسيم 19 ماي كرمز للنضال الطلابي، وكيوم للعلم، لربط الأجيال بجذورها التاريخية.

 في السياق ذاته، يواصل بلعيد عبد السلام شهادته، ويقول إن جمعية العلماء التي وجدت لمحاربة الزوايا تحولت إلى زاوية جديدة، تمارس سلطتها على توجهات المجتمع. واتهم المتحدث أحمد طالب الإبراهيمي، عندما كان على رأس وزارة الثقافة والاتصال، بوقوفه وراء اختفاء أعداد جريدة البصائر التي تضم مقالات تعود إلى سنة 1956، وتوضح موقف الجمعية من الإدارة الاستعمارية، كما قال إنه يقف وراء اختفاء أعداد مجلة الشهاب التي تضم مقالاً كتبه ابن باديس عن "الجزائر الفرنسية"، والشيخ عبد الحميد بن باديس رافع في مجلة الشهاب لموقف قريب من موقف فرحات عباس وجميع خريجي الجامعة الفرنسية في وفائه لقيم الحضارة الفرنسية.

 

عناصر من الأمن كانت توجه المتظاهرين في أحداث أكتوبر 1988

توقف أيضا رئيس الحكومة الأسبق في مذكراته عند أحداث أكتوبر 1988، التي أكد استنادا إلى حوار أدلى به الرئيس الشاذلي بن جديد إلى يومية الشرق الأوسط في 2 أكتوبر 1988، أن الأحداث كانت مدبرة من قبل جماعة في النظام قبل أن تخرج تلك الأحداث عن السيطرة، وقال عبد السلام إن الرئيس الشاذلي لم يقل لنا من هي تلك الجهات التي تحدث عنها، وأضاف المتحدث أنه من خلال حديثه مع مسؤولين سابقين في الأمن، أكدوا أنهم شاهدوا من بين صفوف المتظاهرين عناصر محسوبة على الأمن كانت توجه المتظاهرين.

  • print