الأربعاء 19 فيفري 2020 م, الموافق لـ 24 جمادى الآخرة 1441 هـ آخر تحديث 22:20
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

الجزائر وتركيا.. المصالح الدائمة

عبد الحميد عثماني نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق
ح.م
  • ---
  • 3

أن تكون أول زيارة أجنبية إلى الجزائر في عهدها الجديد من طرف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حتى لو كان ذلك من تداعيات الظروف الإقليمية، فهو فأل خير ومؤشر على السير في الطريق الصحيح لبلادنا، ولكلا القوتين الإقليميتين اللتين تملكان مؤهلات التعاون الإستراتيجي، مع فارق موضوعي في الوضع القائم على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومثل ذلك التباين في مؤشرات التقدم ليس عائقا أمام تعزيز العمل المشترك، بل سيكون مبررا إضافيا للدفع به نحو الأفضل.

ذلك أنّ العلاقات الدولية الحديثة تقوم على المصالح المشتركة والدائمة، ولا تُبنى على العداوات المجانيّة ولا صداقات المجاملة، ومن الخطأ السقوط في محاور الاصطفاف الأيديولوجي الذي تُجيّش له أطراف لها حساباتها الخاصّة، وقد تكون مجرّد أدوات وظيفيّة تخوض معارك تدمير بالنيابة، ضدّ كلّ القوى الصاعدة في المنطقة، خدمة لوكلائها العالميّين.

ومن الخطأ كذلك، في تناول علاقتنا ببلاد الأناضول، استدعاء عداوات قديمة تناقض المعطى التاريخي في علاقة دول منطقتنا بتركيا العثمانية قبل خمسة قرون، فإنْ كان المشرق قد شكّل مهدًا للثورة العربية ضد الأتراك لأسباب معروفة، فقد كانت علاقتهم بدول المغرب العربي إراديّة وتحالفيّة لحماية السيادة من الأطماع الغربيّة.

وعليه، فإنّ ماضي العلاقات التركيّة الجزائرية بعمقها التاريخي، يشكل رافدا قوّيا في تمتين أواصر الحاضر المشترك والتطلع نحو إحياء أمجاد المنطقة سويّا.

كانت تلك توطئة ضرورية ضدّ الأصوات النشاز التي تحاول التغليط والدخول عن وعي أو جهل في لعبة المحاور والأمم.

أمّا إذا عدنا إلى واقع علاقات تركيا بالجزائر اليوم، فإنّ كل المؤشرات تحفّز على ترقيتها إلى أقصى الحدود الممكنة، سواء بالنظر إلى مقدرات كل بلد ولحاجة كل طرف نحو الآخر.

ذلك أنّ تركيا أضحت “واحدة من أكبر الاقتصاديات العالميّة خارج دائرة الإتحاد الأوروبي”، بشهادة الرئيس عبد المجيد تبّون خلال استقباله نظيره رجب طيب أردوغان، مثلما هي الجزائر خزان للثروات الطبيعية والموارد البشريّة، بل هي كذلك سوق استثماري كبير.

وإذا كانت تركيا هي القوة الإسلامية الأولى في العالم في كافة الميادين، وعضو حلف “الناتو”، فإنّ الجزائر بوّابة القارة الإفريقية وقلب المغرب العربي، ناهيك عن أنّ الأولى تحوّلت إلى قوة مؤثرة إقليميّا ودوليّا، وكذلك تطمح الثانية إلى التخلّص من رواسب العهد السابق بعنوان “الجزائر الجديدة”.

لقد ضيّعت بلادنا الكثير من الزمن الثمين في عمر الأوطان، بعلاقاتها التقليدية مع مراكز القوى الغربية والاستعمارية، غير أنّها لم تجن سوى الخداع والكذب منها، فهي لن تسمح لها بامتلاك عناصر القوة والتقدم لدواع حضاريّة وإستراتيجية معلومة، وما أنموذج الشراكة مع الإتحاد الأوروبي عنّا ببعيد، فقد حاز كل المزايا الجمركية على مدار 15 عامًا، من دون أن تستفيد الصناعة الوطنية من التكنولوجيّا المزعومة.

إنّ المقاربة الأسلم اليوم في منظور خبراء النهضة التنموية هي التوجُّه صوب النمور الآسيوية والصين وتركيا، وسواها من القوى الاقتصادية التي تظل علاقاتُها التاريخية بالبلاد العربية والإسلامية غير مشحونة بالتوتّر التاريخي والعداء الحضاري، لأنّ فرص التعاون الندّي والمساهمة في صناعة التطوُّر على قاعدة “رابح – رابح” وفيرة جدا معها.

ولعلّ في كلام الرئيس تبّون الوارد أعلاه، والذي صرَّح به خلال استقباله نظيرَه أردوغان، إشارة إلى هذه القناعات، آملين أن يعكس ذلك توجها جادّا وبديلا نحو المستقبل، لأنّ مستوى التبادل التجاري الحالي المقدر بحدود 5 ملايير دولار، وكذلك حجم الاستثمارات بين البلدين، يبقى بعيدا تمامًا عن الفرص المتاحة، وبحاجة إلى إرادة أقوى وبرامج فعّالة لترجمة العمق التاريخي والإستراتيجي المشترك.

يبدو أنّ الجزائر بتدشين عهدها الجديد، وهي تتخلّص من آثار اللوبي الفرنسي إن لم تنتكس على أعقابها، ستشكل بموقعها الجيو – سياسي ومقدراتها وآفاقها الاقتصادية بيئة حاضنة للتعاون مع الأتراك، بما يصبّ في خدمة التنمية الوطنية.

تبقى الإشارة إلى أنّ المرافعة لصالح تعميق التحالف الجزائري التركي لا يعني إطلاقا الدفاع عن حالة التماهي والذوبان في المواقف الإقليمية والسياسة الخارجيّة، فهي تعكس مبادئ ومصالح كل طرف، ويبقى المطلوب فيها هو البحث عن أكبر قدر من التقارب ومساحات التقاطع، بما لا يضرّ بمصلحة الشريك الآخر.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • لِنَتَّزِن...

    ليست هناك إمكانية لنحقق في آن واحد كلا من الأهداف التالية: الاستقرار السياسي، استعادة الشرعية، تطوير الاقتصاد، التكفل بالمطالب الاجتماعية الملحّة للناس، الاحتياط من الآن…

    • 470
    • 1
  • الحاضر والمغيَّب في برنامج الحكومة

    حكومة السيد جراد اجتازت أمس الأول اختبار الثقة أمام غرفة النواب، حتى وإن كان مستبعَدا حصول معارضة تذكر من أحزاب الأغلبية سابقا، وبقي لها انتزاعُ…

    • 867
    • 1
600

3 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • rachidov

    تركيا أفضل بكثير فرنسا التي كما يقال ( تاكل الغلة وتسب الملة) تركيا صادقة في نواياها كما كانت دائما مع الجزائر عندها مصانع حقيقية في الحديد والنسيج والصناعة كمصنع بينقو ومصنع النسيج لغليزان حقائق واقعية وملموسة وتاريخيا كذلك إستطاع الجزائريون بمساعدة الاتراك صناعة اسطول بحري قوي عالميا سيطروا به على المتوسط ل3 قرون قبل أن تدخل عوامل اخرى وخصوصا القفزة الصناعية في اوروبا في السلاح والبارود وتمكنوا من تحطيم الاسطول المشترك الجزائري العثماني. يعني تاريخيا وحاضرا تركيا كانت صادقة. أما فرنسا فهي مخادعة تارخيا لقد ساعدها الجزائريون في حروبها مه الانجليزها فكانت مكافئتها هي إحتلالنا وحاضر الكل يعرف

  • جزائري

    العلاقات مع جميع دول العالم مهمة بغض النظر عن التاريخ والجغرافيا . ما هو مهم هو ان تتعلم الجزاءر الاستفادة من هذه العلاقات . حتى في علاقاتنا مع فرنسا والاتحاد الاوروبي يجب ان لا نلوم فرنسا واوروبا بل نلوم انفسنا اننا لم نكن في مستوى ما يجب فعله. تركيا ليست جمعية خيرية خاصة مع اردوغان واذا لم نتعلم كيف نجني الثمار فقد تكون العلاقة مع تركيا اكثر كارثية مما كانت عليه مع فرنسا واوروبا. واعتقد انه يجب تاطير كل علاقاتنا باستراتيجية واضحة مع كل البلدان .

  • جزائري حر

    أعزم برك. سبق حجرك أاي درك يخدمو عليك لخرين. كونك هاني تخدم عليك لا فرنسا ولا تركيا ولا أمريكا ولا ولا ………… لأن هده البلدان لهم مبادئ وأفكار في التربية . هم لا يشجعون على الكسل.

close
close