الأربعاء 12 أوت 2020 م, الموافق لـ 22 ذو الحجة 1441 هـ آخر تحديث 19:40
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

بقلممحمد بوخطة

المدرسة الافتراضية …بين التفكير الورقي والتداول الإعلامي

  • ---
  • 0
ح,م

عندما يصبح حديث المدرسة الافتراضية كمظهر من مظاهر ارتقاء النظام التربوي حديثَ الرئيس وحديثَ الوزير الأول في كل مناسبة، ستقتنع بأن النظام التربوي في محور اهتمامات أعلى سلطات البلد، سيكون مسلكاً يستحق الشكر مهما كانت نتائجه، غير أني أتشاءم من المشاريع التي يكون منطلقها إعلامياً والتركيز عليها إعلامي أيضاً، أخشى أن يكون منتهاها كذلك، وبصفتي جزء من هذا النظام التربوي أجد من الضروري أن نقف جميعاً عند النقاط التالية:

1 ـ إن اختزال أهمية المدرسة الافتراضية واستعمال الوسائط الرقمية في حل مشكلة “ثقل المحفظة” اختزال مخل وتسطيح لمعطى مهم في حياة العالم وهو اللغة الرقمية التي أصبحت لغة تكاد تكون مستقلة بذاتها توفر كثيراً من الجهد وكثيراً من الوقت وتقرب كثيراً من المعرفة.

2 ـ يجب أن نفصل بين الاثنين:

أَمَّا موضوع المحفظة فحله سهل، يمكن وزارة التربية الوطنية أن تكتفي بتجسيد التصور الذي يتضمن تجزئَةَ الكتب المدرسية إلى كُتيِّبات فصلية وجمع المتشابه منها،مع ضبط مدونة أدوات بخصوص الدفاتر التي يستعملها التلاميذ لتصبح هي الأخرى فصلية وقدر الحاجة فقط ـ والمدونة موجودة ـ ثم إعطاء الطواقم التربوية (أساتذة ومفتشين خاصة) حرية في الاشتغال على كيفيات استغلال الزمن المدرسي…

بمثل هذه الإجراءات فقط، متأكد أن وزن المحفظة سينخفض بالثلثين دون أي إخلال تربوي… وسنعفي أنفسنا من تجاذبات الموضوع.

من الضروري أن تظهر تصورات وزارة التربية الوطنية في هذه القضية وفي غيرها كخيارات مدروسة ومتقدمة معبرة عن دور الريادة والقيادة الذي تمثله وصايتها على القطاع، دون إهمال آراء المتدخلين والشركاء في مختلف العمليات، أقول هذا الكلام لأني أُقدرُ أن في تعاطي أولياء التلاميذ كثير من العاطفية غير الواقعية ولو كان الأمر لهم لتمنوا أن يكون لكل تلميذ من يخدمه ويحمل محفظته، مشاعر تستحق التقدير، لكن المسئولية تقع أولاً على قيادية الدولة الممثلة هنا في وزارة التربية الوطنية وإطاراتها…

كما أن التداول الإعلامي الإثاري (من الإثارة) أبعد هذه القضية وقضايا كثيرة غيرها عن حقيقتها في الواقع وحجمها الطبيعي.

3 ـ ربما جيلي والأجيال الورقية التي قبله منبهرون كثيراً بحديث اللوحات الرقمية (Tablettes) وما شابهها من الوسائط، ذلك لأننا لم نترب على الثقافة الرقمية التي أصبحتوسائل تسلية عند جيل اليوم، كثير منا إذا أعجزته مشكلة في تعامله مع هاتفه أو حاسوبه يستنجد بأصغر أبنائه ـ كما أفعل أحياناً ـ فينجده، لذلك علينا أن نتحرر من جهلنا بهذا العالم ليتحرر تعاملنا فيه نحو الواقعية والموضوعية.

إن التفكير الورقي لا يمكن أن يستفيد من الرقمية إلا إذا حوَّر ذاتَه إلى تفكير رقمي ينسجم مع تطور العلم واتساع المعرفة..

لقد مر العلم بستة أطوار انطلاقاً مما قبل اكتشاف الورق إلى اكتشاف الورق إلى الطباعة ثم إلى الرقمية والرقمنة، والتي هي الأخرى وصلت الآن إلى جيلها الخامس، ليصبح بذلك قد قطع أحد عشر طوراً من التوسع والانبعاث.

سأناقش تجربتين اثنتين من تجارب إدارتنا في الرقمنة لأصل إلى أن التفكير ما زال ورقيا:

ـ تجربة رقمنة الحالة المدنية والتي غيرت طريقة تخزين محتويات الحالة المدنية وتحولت من استعمال القلم إلى استعمال الطابعة، ولكنها في الحقيقة لم تنتج أي تسهيلات مفيدة يلمسها المواطن في يومياته، لن يحصل ذلك حتى يتحول التفكير الورقي للقائمين عليها إلى تفكير رقمي لا يستغل المعلومة لكي يمارس بها سلطة والتميز أو التعالي على المواطن.

ـ وتجربة صرافات النقود الألية التابعة لمصالح البريد، إنها في أغلب الأحيان عاطلة أو لا تحتوي سيولة وطوابير المواطنين غير متناهية أمام مكاتبها.. المحتويات التربوية الرقمية كالنقود والصرافات كاللوحات التي يغرينا الحديث عنها وللقارئ واسع النظر والتقدير…

لم يحقق أي من المشروعين إضافة فارقة لأن خلايا الرعاية والمتابعة (cellules de veille) لهما ما زالت ورقيَّة التفكير والأداء ولكن في مظهر رقمي ربما..

وإذا كان المعلومة هي مركز التنافس والتطور وسر القوة والضعف، فإن الورقيِّين يستغلون جحد المعلومة من أجل ممارسة السلطة باستغلالها، هذا النمط من التفكير والسلوك لا يمكن أن يتحول إلى الرقمية التي أساسها دمقرطة المعلومة وحسن استغلالها، ومن ثم اعتبار معايير جديدة في تقييم الأداء تلغي دور المنصب والسلطة لصالح الكفاءة والذكاء.

4 ـ إن المحتوى الرقمي الذي يمكن أن تُحمِّله الوسائط الرقمية هو موضوع العمل الجاد والدقيق الذي يجب أن يحظى بتركيزنا فالمطلوب هنا بحث مدى القدرة والزمن اللازم لوزارة التربية الوطنية لكي تحول مناهجها إلى محتويات رقمية تنسجم والأهداف البيداغوجية المنشودة، لكي يحولها المختصون إلى أنظمة معلوماتية، يأتي بعد ذلك دور المشتغلين بالإعلام الآلي ليجعلوها قابلة للتحميل على الوسائط انطلاقاً الصيغة البسيطة PDF وصولاً إلى مختلف الصيغ التفاعلية البسيطة والمركبة… معذرة قد يخونني المصطلح التقني، لست مختصاً، إنما أنا مجرد مستهلك، لكني أزعم أني مستوعب للفكرة جيداً في جانبها التربوي وجانبها التطبيقي الذي يعني المستفيد منها مباشرة.

5 ـ عندما يتوفر المحتوى الرقمي الهادف يمكن لوزارة التربية الوطنية أن تسوقه عن طريق المتاجر الالكترونية بصيغها المختلفة وينداوز، أندرويد أو آبل … ولمستعمليها الحرية التامة في اختيار الوسائط الآلية التي تناسبهم. ولكن الرقمية أعم من هذا وأشمل.

6 ـ وعندما تقرر الدولة تعميم التعامل بهذه الطريقة فالحديث هنا سيكون عن الأقسام الرقمية المجهزة،يمكن الاستعانة فيه بالمؤسسات الوطنية المختصة في هذا المجال وأعتقد أن مدارس أشبال الأمة لها تجارب متقدمة على التربية الوطنية في هذا الميدان يمكن الاستفادة منها، دائماً ما يكون القطاع العسكري أكثر دقة وانضباطاً في أدائه ذلك ما ألفناه.

7 ـ المزعج دائماً أن مشاريع مهمة كهاذه يبادر بها السياسيون بتصورات قد لا تكون مكتملة أو ناضجة ليحشروا التقنيين والجهات المختصة في زوايا عمل تحمل طابع الدعاية (البروباغاندا) والتوظيف السياسي أكثر منها مشاريع مثمرة ومفيدة في مجالها.

أتمنى لو تركنا التركيز الإعلامي وتعود مسؤولونا توظيف طموحاتهم في تطويرنا وترقيتنا بطريقة أفضل، فليناقشوها أولاً مع الجهات المختصة بها ويمنحوها الحرية اللازمة والوقت الكافي من أجل صياغتها مشاريعَقابلة للتنفيذ، أما العمل تحت ضغط الإعلام والآجال غير المدروسة سيحيلنا إلى ورشات فاشلة تفقد المسيَّر ثقته في نفسه وقدرته على التغيير.

حين يكون الفكر قاصراً لن يعوض الحاسوب قصوره على الاطلاق، كل ما في الأمر أننا سنعبر عن فشلنا بلغة الصفر والواحد بدل لغة الحروف التي ألفناها…

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close