الوشاية بالدعاة والمصلحين من أوجه التقرب إلى الله
هناك شبه اتفاق من الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية على أنَّ التاريخ الفعلي لظهور التيار المدخلي يعود إلى أعقاب حرب الخليج الثانية، حيث اشتهرت بموقفها المرحّب بتدخل القوات الأجنبية في الخليج العربي.
بداية الظهور الحقيقي
وكانت بداية التبشير بأفكار هذه الطائفة في أروقة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في أوساط الطلبة الوافدين من خارج السعودية .
ويذهب البعض إلى القول بأنَّ الحكومة السعودية آنذاك كانت لها يد فاعلة في ظهور هذا الاتجاه، ودعمه ماديًا ومعنويًا، وذلك من أجل تحقيق غرض مواجهة مشايخ الصحوة، من أمثال: سفر الحوالي، وعائض القرني، وسلمان العودة، وناصر العمر، وذلك بالتشويش على مواقفهم وتحجيم أدوراهم التي بدأت تتنامى منذ ثمانينيات القرن المنصرم .
ولعلّ مما يؤُكد هذا الزعم ويُزكيه هو ما عرفه هذا الاتجاه من سرعة التشكل والانتشار في فترة زمنية قياسية مقارنة بالتيارات الإسلامية الأخرى .
وإني لأعجب من تنفير أتباع هذا التيار من السياسة وتحسّسهم منها، مع أنَّ سبب ظهورهم كان سياسيًا بامتياز، وهو محاولة إسكات الأصوات المعارضة للتدخل الأجنبي. بل وصل بهم الأمر إلى الوشاية بالدعاة الإصلاحيين، فقد كتب محمد أمان الجامي في تلك الفترة مجموعة من البرقيات إلى وزارة الداخلية يحرضهم فيها على الشيخ سفر الحوالي، ويطلب فيها منهم إيقافه ومساءلته على كلامه. والمداخلة لا ينكرون مبدأ العمل مع الأجهزة الأمنية، أو مبدأ الوشاية بالدعاة بل ويتقربون إلى الله ببغضهم وبإلحاق الأذية بهم، بل منهم من يستحل الكذب لأجل ذلك وقد سُئل أحدهم عن حكم العمل مع المباحث، فقال: “وماذا يضيرك لو عملت في المباحث وقمت بحماية الدولة من المفسدين والخارجين “.
ونحن نسألهم كيف تُفسّرون لنا ما يتكرَّر ايراده في مجالسكم من أنَّ علامة أهل البدع هي الوشاية بأهل السنة لدى السلاطين؟ فَمَنْ هُم الوشاة؟ ومن هم الموشى بهم؟
وأما عن دخول التّيار المدخلي إلى الجزائر فقد كان ذلك في نهاية التسعينيات تزامناً مع الحوار الفكري الذي أطلقته السلطة لإقناع أتباع جبهة الإنقاذ بالتخلي عن السلاح.
ومما يُلاحظ هنا: أنَّ التيار المدخلي في الجزائر لم يأت في إطار مشروع تجديدي أو نتيجة لتطور فكري، بل جاء على خلفية ردة فعل، وتسجيل موقف سياسي، حيث أعلنوا ولاءهم للنظام من خلال تصديهم لجبهة الإنقاذ. خاصة إذا علمنا تلك الفترة شهدت ركودًا على مستوى المساجد بسبب اضطهاد أتباع الفيس وملاحقتهم من جهة، وتوجه كثير من الإخوان المسلمين إلى الممارسة السياسية من جهة أخرى.
وفي ضوء هذه المعطيات يترشح السّؤال حول العلاقة الغامضة التي ربطت النّظام الجزائري في التسعينيات بالسلفية المدخلية، فهل تم توظيف السلفية المدخلية لإضعاف شعبية الفيس؟
أم أنَّ السلفية المدخلية هي التي أحسنت استغلال هذا الظرف لتأمين موطئ قدم في الساحة الدعوية؟ سؤال يحتاج إلى بيان وتجلية!
سبب الانحراف
لا شك أنَّ هناك أسباباً كثيرة أسهمت في إضعاف السلفية المدخلية في مرحلتها الأخيرة، غير أنَّ أظهر تلك الأسباب وأجلاها هي: قضية الاقتتال على الزعامة “الصراع الداخلي”، وهي – في الحقيقة – إمارة بلا عمارة، وزعامة بلا دعامة.
حيث أبى شيوخ السلفية في الجزائر إلا أن يكونوا زعماء على حساب الأعراض المعصومة، فراحوا يطلقون العنان لألسنتهم العيية، وأقلامهم المفلولة، فتنضح بالسب، وترشح بالثلب، وجاء على إثر هؤلاء مقلّدون مُلئت عقولهم بهذه الأخلاط السامة، ورشحت أفواههم بهذه الشتائم الضارة، بدعوى نصرة الدين وحماية السنة، فهم في ذلك كالجزار يذكر الله ويذبح!
إنَّ الجماعة التي تتوقف خدمتها على بيع السب والثلب لجماعة مخذولة سلفاً، وإنَّ الجماعة التي تريد أن تكتمل بتنقيص غيرها لجماعة ناقصة أبداً. فيا ويح السلفية إذا كان يدافع عنها شركاء متشاكسون!
إنَّ الرفعة الحقيقية هي رفعة الله، ومن نال رضى الله ارتفع وساد. ففي مصنف ابن أبي شيبة: عن أبي مكين قال: سألت نافعًا عن القصص فقال: أول مَنْ قَصَّ تميم الداري رضي الله عنه على عهد عمر رضي الله عنه، فكان يقوم فيتكلم، فإذا جاء عمر رضي الله عنه أمسك، وقد علم ذلك عمر رضي الله عنه.
وسبب رفض عمر أول مرة خوفه على نفس تميم، فقد قال له: أتدري ما تريد؟ إنك تريد الذبح! ما يؤمنك أن ترفعك نفسك حتى تبلغ السماء ثم يضعك الله!
وكما قال علامة الجزائر وأديبها الإبراهيمي رحمه الله: “إننا لا نعرفُ في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة؛ ميزة لقديم على محدث، ولا لميّت على حيّ؛ وإنما هو الهدى أو الضلال، والاتباع أو الابتداع؛ وليست التركة التي ورَّثَنَاها الإسلامُ عبارة عن أسماء تطفوا بالشُهرة وترسُبُ بالخمول، ويقتتل النَّاس حولها كالأعلام، أو يفتنون بها كالأصنام“.
لقد أدّب الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته الأدب الرفيع؛ حيث قال: “لا يبلغني أحدٌ عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحبّ أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر“.
الله أكبر، حيث هذا من حال المفتونين بتتبع الزلات، وتعقب الهفوات الذين يوسعون الخَرق، ويفضحون الخلق، ويجعلون من الحبة قبة، وينفخون في الكلمات، ويمتطون صهوة سوء الظن بإخوانهم.
إن سمعوا ريبة طاروا بها فرحاً مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكرت به وإن ذُكرتُ بشر عندهم أَذنوا
يقول ابن تيمية: “ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموماً معيباً ممقوتاً، فهو مخطئ ضالٌ مبتدع“.
ويقول ابن القيم رحمه الله: “ومن العجب أنَّ الإنسان يهون عليه الاحتراز من كثير من المحرمات، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه؛ حتى ترى الرجل يشارك إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، يزل بالواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب“.
ويقول ابن رجب: “أكثر الأئمة غلطوا في مسائل يسيرة مما لا يقدح في إمامتهم وعلمهم فكان ماذا؟ لقد انغمس ذاك في محاسنهم وكثرة صوابهم وحسن مقاصدهم ونصرهم للدين، والانتصاب للتنقيب عن زلاتهم ليس محموداً، ولا مشكوراً، لا سيما في فضول المسائل التي لا يضر فيها الخطأ، ولا ينفع فيها كشف خطئهم وبيانه“.
وقال الذهبي: “ولو أنَّ كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قُمنا عليه وبدعناه وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، فنعوذ بالله من الهوى والفضاضة“.
التسمية الخاطئة
من الأخطاء المناهجية القاتلة التي وقعت فيها هذه الجماعة أن عمدت إلى تراث مشترك بين جميع الأمة (الانتساب إلى السلف) فاحتكرته لنفسها، ثم جعلت منه برهاناً على صحة منهجها، ودليلاً – في الوقت ذاته – على بطلان مناهج الجماعات الأخرى.
ويمكن تجلية أوجه بطلان احتكار هذه التسمية في النقاط الآتية:
أولاً: من الناحية الموضوعية:
إنَّ المنهج العلمي الذي اختطه السلف الصالح في فهم نصوص الشريعة، هو تراث مشترك بين جميع المسلمين سلفاً وخلفاً، ولا يحق لأيّ فئة أو طائفة من المسلمين أن تدعي لنفسها حق تملكه والانتساب إليه دون بقية العالمين.
فمن الخطأ إذن أن نعمد إلى كلمة “السلف” وهي موروث مشترك، فنصوغ منها مصطلحاً جديداً طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية، والفكر الإسلامي.
ثانياً: من الناحية الواقعية :
إنَّ القول بوجود سلفية معاصرة تُقلِّد منهج السلف أو فكرهم أو عاداتهم، أمرٌ لا تُقرّه طبيعة الحياة، وطبيعة الأمم والشعوب، التي تتميز بالتطور والتغير حتى في العصر الواحد، فالسلف أنفسهم لم يجمدوا عند حرفية أقوال صدرت منهم، كما لم يتشبثوا بصور أعمال أو عادات ثبتوا عندها، ثم لم يتحولوا عنها.
فهذا النبي وأصحابه كانت لهم أعرافهم وعاداتهم التي نشؤوا عليها في مكة، فلما هاجروا إلى المدينة استقبلتهم بعادات جديدة، فقد كانوا في مكة لا يعرف جلهم المخيط من الثياب، فلما استقروا في المدينة لبسوا الثياب المخيطة والحلل اليمانية والأعجمية الفاخرة، وكانت بيوتهم لا تعرف الكنف، فلما صاروا إلى المدينة اتخذوها ودعوا إليها.
ولذ، فلا يمكن لفئة أو طائفة من النَّاس أن تكون نسخة طبق الأصل عن طائفة سبقتها، ولو أرادت ذلك، لأنَّ الزمان يختلف، وإذا اختلف الزمان اختلفت معه الثقافة والبيئية والظروف والعادات.
ثالثاً: من الناحية التاريخية:
المعروف تاريخياً أنَّ الأجيال التي تلت القرون الثلاثة الأولى إلى يوم النَّاس هذا اصطلح على تسميتهم بالخلف تمييزاً لهم عن “السلف” الصالح من أهل القرون الأولى.
ولذلك، فأيِّ محاولة لإطلاق تسمية سلف على المتأخرين فيها تجني على التاريخ، وخلطٌ للمفاهيم، وادعاء نسب لا يصح، وهروب من الواقع، ودعوى لا مُبرِّر لها، تؤدي في نهاية المطاف إلى إخراج جماهير المسلمين من الإسلام وتضليلهم، وهكذا مرَّ التاريخ الإسلامي بقرونه الأربعة عشر دون أن نسمع عن أيِّ من علماء وأئمة هذه القرون، أنَّ برهان استقامة المسلمين على الرشد يتمثل في انتسابهم إلى مذهب يُسمى بالسلفية، فإن هم لم ينتموا إليه ويصطبغوا بمميزاته وضوابطه، فأولئك هم البدعيون والضالون.
ومن المعلوم أنه قد مرَّ نصف عمر العصر السلفي دون أن يكون لهذا المنهج أي وجود على صعيد الاصطلاح أو التدوين أوالاتفاق عليه، بل لقد شهد عصر التابعين معارك من الخلافات الفكرية بين كل من أقطاب مدرستي الرأي والحديث، وكلاهما ينتسب إلى السلف الصالح.
رابعاً: من الناحية المناهجية:
حدث في عصر السلف من الأقضية والمشكلات ما لم يوجد في عصر النبي فاضطرهم ذلك إلى استحداث منهج علمي لاستنباط الأحكام الشرعية، وهو ما اصطُلح عليه فيما بعد: بأصول الفقه، أو قواعد تفسير النصوص.
وهذا المنهج المتفق عليهم بينهم هو – في الحقيقة – منهج للمسلمين جميعاً، فمن ضبط سلوكه وفكره بمقتضى هذا الميزان وبنى عليه اجتهاده وتفسيره للنصوص، فهو واحد من الملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله، والمعتصمين بحبل الله عز وجل، ولا يبقى في هذه الحال أيّ معنى لانتسابه ضمن هذا الانتماء الإسلامي العام إلى عصر من عصور الإسلام بعينه كسلف أو خلف ومن لم يضبط سلوكه أو فكره بمقتضى هذا الميزان، فلا بد أن يخدش ذلك في حقيقة التزامه واعتصامه بدين الله ولا ينفعه حينئذ التسمي بأسمائهم أو الإقبال في لبوسهم.
إيراد وجوابه:
من أشهر الحجج التي يزمزم بها أنصار هذه التسمية، هي الادعاء بأنَّ الانتساب إلى الإسلام وحده لا يكفي، لأنَّ كل الطوائف الإسلامية تزعم الانتساب إلى الإسلام والسنة.
وجواباً عنه يُقال:
أرأيتم لو أنَّ طائفة مخالفة انتسبت إلى السلف، فقالت: نحن سلفيون على منهج السلف الصالح، فيلزمكم حينئذ إضافة قيد آخر على السلفية تتميزون به عن تلكم الطائفة المدعية، وهكذا لا تكاد القيود تنتهي.
فإن قلتم: إنَّ العبرة بالدليل وليست بالإدعاءات، قلنا: وهذا ما نريده ابتداءً، فالمعيار المعوّل عليه في تحديد موقف النَّاس من الكتاب والسنة إنما هو الدليل، وليس ادعاؤكم “السلفية” بمُعفيكَم من طلب الدليل.
وقد جاء رجل إلى الإمام مالك فقال: يا أبا عبد الله أسألك عن مسالة أجعلك حجة بيني وبين الله عز وجل، قال مالك: “ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، سل”. قال: مَن أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به.