-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تأثيرُ الألوان في التلميذ وسيكولوجية التعلّم

خير الدين هني
  • 804
  • 0
تأثيرُ الألوان في التلميذ وسيكولوجية التعلّم

تتشكل البيئة الطبيعة التي تحيط بالإنسان من ألوان زاهية مبهرجة، وذلك ما يثير أحاسيس الإنسان ومشاعره بالمتعة والإثارة، وهذه الألوان البهيجة تؤثر تأثيرا قويا في مزاج الإنسان وتركيبته الوجدانية والنفسية، وحسب آراء المختصّين في علم النفس، فإنَّ الألوان تخترق جسد الإنسان عبر ما يسمُّونه الموجات الضوئية، ومن طريق الأطعمة التي يتناولها وتدخل صبغياتها إلى جسده من طريق التغذية.

وبعد الدراسة المعمّقة قسّم العلماء الألوان إلى قسمين: موجبة، وسلبية، فالألوان الموجبة هي التي تتميز بخاصية التفاعل الحمضي، إذ يكون لها دورٌ كبير في تنشيط الدماغ وإثارته، وتنمية الخيال وتوسيع مجالاته، أما السلبي، فهو المعروف بتفاعلاته القلوية الباردة والمهدِّئة.

وقد أجرى باحثون بكلية الطب في جامعة “تكساس في هيوتسن”، تجارب على القرود، فلاحظوا وجود شرائط دقيقة في منطقة من الدماغ، تتعرف إلى الألوان، وأن القردة حين كانت تنظر إلى مجموعة من الألوان تغيرت مواضع ذروة تدفق الدم في أدمغتها بانتظام، وكانت المنطقة التي بلغ تدفق الدم فيها ذروته، عند رؤية اللون الأحمر متجاوزا الذروة عند رؤية اللون البرتقالي ثم الأصفر، وبيَّنت دراسة أخرى أن خفة الألوان ودكنتها تؤثر في دقة إدراكنا للوقت، وفي الوقت ذاته تؤثر في قدرتنا على التركيز والتذكُّر، ومن هنا ندرك قيمة الألوان في الكتاب المدرسي، وسيكولوجية التعلّم وأثرها في بناء التعلّمات بفاعلية كبيرة.

خصائص الألوان وتأثيراتها:

اللون الأحمر، لونٌ قوي يثير الانتباه والفعالية النفسية، وله علاقة بالطاقة والحيوية، وله قدرة كبيرة على الاستيلاء على الشعور، وهو منشط ومنبّه ويلفت الانتباه، يعالج فقر الدم، ويفتح الشهية، لذلك نجد معظم المصانع تتخذ اللونَ الأحمر شعارا لعلامة الشركة، وهو ينشِّط الدورة الدموية، ويجعل الإنسان يشعر بالدفء والبهجة والجمال. ولِما له من أهمية في إيقاظ الانتباه والاستحواذ على الشعور، اتخذه علماء التربية والنفس كوسيلة أولى مؤثرة في الكتاب المدرسي، لإبراز الحروف أو الكلمات أو البيانات أو الصيغ التي هي محلّ تعلّم جديد، لما له من قوة جذب كبيرة للانتباه الإرادي، كما جُعل في إشارات المرور، واللوحات الإعلامية والإشهارية، وغيرها.

اللون الوردي: يرمز إلى الحب والرومانسية، والكرم والتضحية، ويعبّر عن العواطف والأحاسيس الجميلة، وهو رمزٌ للطفولة البريئة، ورمز الحب والبراءة، ويستخدم في التأليف المدرسي فيما له علاقة بالفنون الجميلة كالرسم والأشغال، وفي كل نشاط يراد به تنمية العواطف الرقيقة.

اللون الأسود: يرمز إلى العاطفة والحزن، والقوة والحرص والتشاؤم، وهو عند المسلمين والغرب، يرمز إلى الأحزان والمآتم، وعند اليابانيين يمثل السعادة والتفاؤل، وعند النساء يمثل قمة السعادة حين يرتدينه في ملابس السهرات الليلية، ولذلك يقلّ استخدامُه في التأليف المدرسي كوسيلة مؤثرة، إلا بما له صلة بالكتابة والخطوط والأشكال الهندسية.

اللون الأبيض: وهو أكثر الألوان راحة للنفس، وهو يدل على البراءة والنقاء والوضوح، ولذلك يُستخدم كثيرا في المصحات والمستشفيات، ومآزر الأطباء والممرضين والممرضات، وأفرشة وأغطية المرضى، وعند العرائس في حفلات زفافهن، وفي مآزر المعلمين والأساتذة ولون الطباشير، كيما تنعكس الكتابة باللون الأبيض على السبورة وبجانبها الأستاذ بمئزره على مشاعر المتعلمين والطلبة، فيشعرون بالراحة والهدوء والتلقائية.

اللون البرتقالي: يدل على الاعتدال في المزاج والشعور بالرضا، والفرح والثقة، وفي الشمس يبعث على الدفء، ويُستعمل في الكتاب المدرسي في تزيين حواشي الصفحات، وبعض العناوين الفرعية، وفي كل ما له صلة بتنمية الجوانب الفنية.

اللون الأزرق: يرمز إلى الهدوء والسعادة والتفاؤل، ويخفف التوتر والمزاج الحادّ، ولهذا نجد بعض المستشفيات والمدارس، تطلي جدرانها باللون الأزرق، وهناك بعض الشعوب تتفاءل باللون الأزرق، فتتخذه في ألبستها وخواتمها، يُستعمل في تزيين حواشي الكتاب المدرسي وبعض الرسوم والعناوين ومآزر التلاميذ، كي يُضفي مسحة من الهدوء والسكينة والراحة النفسية.

اللون الأخضر: هو لون الربيع والطبيعة، يجعل الإنسان يشعر بالراحة والسعادة والثقة، ولهذا يُستخدم في علامات البنوك والمطاعم الكبرى والمستشفيات، ولوحات المرور والإشهار، ويقال: إن أغلبية الناس الذين يقيمون في بيئات يغلب عليها اللون الأخضر، لا يشتكون من أمراض المعدة، تزين به حواشي الكتاب المدرسي وخلفية صفحاته، كي يجعل التلاميذ يشعرون بالراحة والانجذاب والاستجابة الطوعية.

اللون الأصفر: يرمز إلى الذكاء والرقة والمرح والبهجة، كما يرمز إلى الوحدة والاتحاد والعيش الجماعي والصفاء الفكري، ولذلك اتُّخِذ كطلاء لسيارات الأجرة ليثير الانتباه من بعيد، يُستخدم مع مزيج من الألوان الأخرى في غلاف الكتاب المدرسي وخلفيات ورقه، وبدرجات متفاوتة في النصاعة والقتامة، كي تظهر الأوان متداخلة مع بعضها، فتعطي لمسة من الجمال الأخاذ الذي يستولي على نفوس الطلبة، ويحرك فيهم الرغبة في الإقبال على مسك الكتاب بحب ولطف ورغبة وشوق.

الألوان الداخلية لها وظائف متعددة، فمن حيث الدلالة السيميائة تكون الصورة أكثر تعبيرا وتوضيحا من الكلمة واللفظة، ولذلك نجد في بعض وضعيات التعلّم صورة واحدة أبلغ من عشرات الكلمات، ولاسيما في صور الاستنطاق لإحداث وضعيات التعلّم، كالتعبير والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية وغيرها.

والخلاصة: إنني اختصرت على الأوان الهامة التي يكثر استعمالها في الكتاب المدرسي بكثافة، وهذا ما ينبغي على الأولياء والشركاء ورجال السياسة والتربية إدراكه، لما للألوان من دور بارز في تنمية المشاعر الحسية، والقدرات الذهنية والملكات الخيالية والعمليات التصورية، وإيقاظ آليات التفكير والتذكر والانتباه والإدراك والوعي، وإدراك العلاقات المركّبة بين الأشياء والأشكال والألوان، في تماثلها وتناظرها وتقابلها وتضادها، والمتعلمون الصغار في المرحلة الابتدائية، يبنون تعلّماتهم من طريق الإدراك والقياس والتمثيل بالوسائل والألوان، لتقريب ماهية الأشياء وحقائقها من إدراكهم، لاسيما وأن المتعلمين في هذه المرحلة، لا يدركون المعاني المجردة التي يقوم العقل بتجريدها من الصور الحسية، لأن التجريد يقوم على مدركات عقلية لا صور حسية لها خارج الذهن.

والورق المصقول بالخلفيات البهيجة بالأوان، والخرائط والصور والمخططات بألوانها المختلفة، هي المحفز الخارجي الذي يثير الدوافع الداخلية على التعلّم، وكلما كانت الصورة والألوان والتخطيط متطابقة مع الشروط الفنية للتعلّم، كانت سيكولوجية التعلم فعالة في تحقيق أهداف التعليم وغاياته.

والألوان على قسمين، فألوان تزيين الغلاف الخارجي، ليست هي ألوان الصور والمخططات الداخلية، ولذلك ينبغي أن تكون متناسقة ضمن توليفة تنسجم فيها الألوان بطريقة شيِّقة وجذابة، والمختصون النفسانيون والتربويون في فلسفة الألوان، هم وحدهم من يقرر اختيار تشكيلة الألوان الملائمة للغلاف الخارجي، أما الألوان الداخلية فلها وظائف متعددة، فمن حيث الدلالة السيميائة تكون الصورة أكثر تعبيرا وتوضيحا من الكلمة واللفظة، ولذلك نجد في بعض وضعيات التعلّم صورة واحدة أبلغ من عشرات الكلمات، ولاسيما في صور الاستنطاق لإحداث وضعيات التعلّم، كالتعبير والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية وغيرها.

وكذلك نجد بعض الصور توظَّف في عمليات الأداء والتبليغ، ونقل الخبر والإيحاء والمطابقة والترميز وغير ذلك. والصورة في المجال التربوي تتحول إلى وسيلة ديداكتيكية تقرِّب المعنى من أذهان المتعلمين، وتوضح ما غمض منه، وتساعد على تبسيط النشاط والفهم والاستيعاب. ومن الناحية النفسية تجلب المتعة والراحة والتشويق، والترغيب في الإقبال على التعلم من غير إكراه أو إلزام، ومن الناحية الجمالية تنمي إحساسات الحب والذوق والجمال والنظام والإتقان.

ولذلك لا يمكن أن نجعل مسألة اختيار ألوان الكتاب المدرسي، تخضع لذوق الأشخاص وأمزجتهم، لأن الأذواق تخضع للمؤثرات الذاتية، وهي -لذلك- تختلف من شخص إلى آخر، وعلماء النفس اتخذوا من الألوان علاجا لبعض الأمراض النفسية، فاستخدموا اللون الأخضر والأصفر في علاج الاكتئاب والانطواء، لذلك ينبغي دراسة الألوان التي تتلاءم مع نفسيات المتعلمين، والسيكو بيداغوجيا، فتحفزهم على الإقبال وتجعلهم يشعرون بالغبطة والسرور والأريحية، وهم يمارسون نشاطاتهم في بناء المعرفة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!