-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
جديد الباحث عبد الله الزكي عن دار "ألفا دوك" الجزائرية:

جديد علم الكلام في الفكر الحداثي العربي… حسن حنفي نموذجا

سفيان.ع
  • 334
  • 1
جديد علم الكلام في الفكر الحداثي العربي… حسن حنفي نموذجا

صدر عن دار “ألفا دوك” الجزائرية كتاب أكاديمي مهم في تخصصه، بعنوان ” علم الكلام في الفكر الحداثي العربي…حسن حنفي نموذجا” من تأليف الباحث الدكتور عبد الله الزكي.

احتلت مشكلة التراث والحداثة مكانا بارزا في الفكر العربي المعاصر،خصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث سجلت نكبة 1967م بداية أزمة فكرية كبيرة على التيار الفكري الذي كان سائدا آنذاك، وهو التيار القومي التقدمي الاشتراكي، ذلك أن نكبة 1967م لم تكن هزيمة عسكرية فقط بل كانت هزيمة تجربة نهضوية بكاملها، فأدت النتائج السياسية التي ترتبت عنها إلى اختراق المشروع القومي التحديثي،وشكل التراث وظيفة نفسية مثلت بعدا قوميا وحافزا للتحرر من ذل الهزيمة القومية والاندفاع في دروب الحياة من جديد، فبعد الهزيمة لم يبق لتجاوزها إلا العودة إلى إحياء التراث والتمسك به، باعتباره الفرصة الوحيدة التي ترمز إلى حضارة سابقة، وتعطي الإيمان بشرف الوجود ضمن الفاعلية الإنسانية والمشاركة التاريخية .

إن إحقاق الحاضر في الجواب عن سؤال النهضة والتقدم، دفع الفكر العربي الإسلامي إلى تجديد سلطة التراث باعتباره ماضيا لم ينته، فهو ليس مخزونا ماديا في المكتبات وليس كيانا نظريا فقط، وإنما هو مخزون نفسي عند الجماهير بتعبير حسن حنفي.

وقد تعددت القراءات الحداثية للتراث في الفكر العربي المعاصر، ومن أهم هذه القراءات تلك التي تعتبر أن القراءة الحداثية للتراث تتحقق بتطبيق مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، مثل البنيوية والتفكيكية والألسنية والأنتربولوجيا. كما ذهب إلى ذلك محمد أركون، وهناك من يرى أن القراءة المعاصرة للتراث تتحقق عن طريق الفهم العقلاني الحداثي للتراث، وهذا ما سلكه محمد عابد الجابري الذي يرى أن من متطلبات الحداثة تجاوز الفهم التراثي للتراث إلى الفهم الحداثي له.

وهناك اتجاه ثالث في الفكر العربي المعاصر، يرى أن حاجاتنا الراهنة هي التي في ضوئها نحدد ماذا نأخذ من التراث وماذا نترك، وهو الموقف الذي سماه فهمي جدعان “استلهام التراث”, ويطلق عليه حسن حنفي الاختيار بين البدائل طبقا لحاجات العصر.

ومن أهم العلوم الإسلامية التي ركز عليها بعض المفكرين في قراءتهم للتراث “علم الكلام”،الذي يعد من أهم الإنتاجات المعرفية التي كان لها دور هام في الإشعاع الحضاري للأمة الإسلامية، فهو علم يهدف الدفاع عن العقائد الدينية بالأدلة العقلية والرد على أصحاب النزعات الإلحادية والبدعية، معتمدا على منهج المناظرة والجدل ،وهذا ما جعل الكثير من علمائنا الأجلاء يعتبرونه أجل العلوم وأشرفها، منهم سعد الدين التفتازاني بقوله:” لما تبين أن موضوعه أعلى الموضوعات، ومعلومه أجل المعلومات وغايته أشرف الغايات،مع الإشارة إلى شدة الاحتياج إليه وابتناء سائر العلوم الدينية عليه،والإشعار بوثاقة براهينه لكونها يقينيات يتطابق عليها العقل والشرع، تبين أنه أشرف العلوم لأن هذه جهات شرف العلم” . وقد تبلورت نواته الأولى في فضاء بعض الاستفهامات، وما اكتنفها من جدل وتأمل في دلالات بعض الآيات القرآنية المتشابهة،التي تتحدث عن الذات والصفات والقضاء والقدر، ثم اتسع بالتدريج نطاق هذه الأسئلة والتأملات، فشملت مسائل أخرى تجاوزت قضية الألوهية والصفات إلى الإمامة فور التحاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى. وكان للحروب الداخلية في المجتمع الإسلامي أثر هام في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية،وتوالد أسئلة جديدة تتمحور حول حكم مرتكب الكبيرة وخلق أفعال العباد، وحرية المكلف واختياره وغير ذلك من المسائل، كذلك عملت الفتوحات على إدخال شعوب عدة في الإسلام لبثت مدة طويلة في نحل كتابية أو وثنية، ولم تستطع حركة الدعوة العاجلة تحرير وعي هؤلاء المسلمين من ترسبات أديانهم ونحلهم السابقة،فنجم عن ذلك شيوع مناخ فكري مضطرب، يموج برؤى متقاطعة وسجالات صاخبة، غدتها في فترة لاحقة أفكار المنطق والفلسفة ومقولاتها.

فعلم الكلام تحكمت في نشأته وتطوره ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية، كانت سائدة في المجتمعات الإسلامية آنذاك، فأمدت عقل المتكلم بعناصر وأدوات خاصة، هي نتاج تلك البيئة التاريخية للمتكلم، وأبعادها المعرفية موجودة في التراث الكلامي الإسلامي، وظلت البنية الأولى للفكر الإسلامي تمون التفكير الكلامي وتقوده في نسقها المحدد، فتكررت في المؤلفات الكلامية منذ نضوج هذا العلم، الأفكار ذاتها وأنماط الاستدلال والموضوعات، ودخل هذا العلم مسارا مسدودا دأب فيه على العودة إلى المشكلات والتحديات نفسها التي بحثها السلف، ومكث يتحرك في مداراتها يبدأ دائما من حيث انتهى، وينتهي من حيث بدأ من دون أن يتقدم في حركته إلى الإمام، رغم كثرة المؤلفات في هذه المرحلة لكنها لم تستطع أن تخرج عن نطاق الحواشي والشروح والهوامش على المؤلفات السابقة.

ولأن علم الكلام كغيره من العلوم الإسلامية يتأثر بالمستوى الحضاري للأمة، فحينما تكون الأمة في حالة نهوض وشهود حضاري ينمو ويتكامل كغيره من أبعاد التفكير الإسلامي الأخرى أما إذا دخلت الأمة في مسار الانحطاط فإن معارفها وعلومها تسلك المسار نفسه، والأمة الإسلامية اليوم لم تعد تعيش شهودا حضاريا على باقي الأمم مقابل تقدم وتطور غيرها من الأمم بصفة متسارعة ومطردة، وهذا ما جعل سؤال تقدم الغرب وتأخر المسلمين أكثر ملحاحية من أي وقت مضى، خصوصا بعد الثورة الإعلامية التي عرفها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين وما طرحته من تحديات فكرية وعقدية على العقل المسلم.

وهذا ما جعل المؤلف الباحث يطرح الأسئلة التالية:

هل كان المسلمون في حاجة إلى علم الكلام في العصور الأولى؟ وهل نحن في حاجة إليه في هذا العصر؟ بمعنى آخر هل هناك إشكالات عقدية تقتضي وجود هذا العلم في العصر الحاضر؟ وإذا كان المسلمون في حاجة إليه فهل يسعفهم علم الكلام القديم؟أم لا بد من إنتاج علم كلام يتوافق والمرحلة التي يعيشها المسلمون؟ وما هي جوانب القصور في علم الكلام القديم؟ وما هي الدوافع للمناداة بتجديده؟ وماذا يعني التجديد في علم الكلام؟ هل يعني إنتاج علم كلام جديد؟ أم لا يعدو أن يكون إضافة شيئ أو إزالته من البنية المعرفية لعلم الكلام القديم؟

وإذا كانت “النهضة لا تقوم إلا على أسس فكرية بإعادة بناء القديم وإلا ظل القديم هو الأساس النظري للنهضة الجديدة،وغير قادر على أن يعطيها أسسا نظرية وبالتالي تفشل النهضة لعدم التطابق بين الموروث القديم كأساس نظري، وبين تحديات العصر التي تقوم النهضة استجابة لها” .

ونهضتنا الحالية التي بدأت مواكبة للإصلاح الديني أو بعدها بقليل، تقوم على الأسس التقليدية نفسها التي بني عليها تراثنا القديم في معظمه، وهي الأسس الأشعرية التي استقرت في الوعي التاريخي ابتداءً من القرن الخامس الهجري حتى الآن، أي بدايات القرن الخامس عشر، وبعد أن حسم الصراع بين التيارات الفكرية لحساب الأشاعرة منذ ألف عام، ولم تكن هناك إلا محاولات محدودة جداً في عصرنا الحالي لتغيير هذه الأسس وبطريق نسبي، كما فعل محمد عبده عندما بقي أشعريا في التوحيد وأصبح معتزليا في العدل حسب حنفي . وبالرغم من هذا التحول النسبي في الأسس النظرية لحركة الإصلاح الديني إلا أنها ظلت في مجموعها أشعرية، وكأن استقلال الفكر وحرية الإرادة، أي العدل الاعتزالي لا يبقى طويلا دون استناد إلى التوحيد الاعتزالي، وبالرغم من تركيز الحركة الإصلاحية الحديثة على استقلال العقل وحرية الاختيار،إلا أنهما بقيا تحت المظلة الأشعرية. .

فهل يمكن إقامة نهضة على أسس أشعرية؟ هل يمكن أن نؤسسها نظرية العلم على أنه لا يوجد ارتباط ضروري بين النظر والعلم، وأنه مهما نظر الإنسان فإن العلم قد لا يتولد من النظر، بل قد يأتي من مصدر آخر في مجتمع تكثر فيه الإلهامات؟، وهل يمكن في نظرية الوجود أن نتصور بأن الجواهر قد تعري عن الأعراض أو أن الأعراض قد توجد بدون الجواهر تملقا للسلطة المطلقة، ودفاعا عن حقها على حساب قوانين الطبيعة في مجتمع تغيب فيه العلية؟، وهل يمكن اعتبار الصفات زائدة على الذات، لإفساح المجال للرحمة على حساب العدل في مجتمع هو في أمس الحاجة إلي العدل، والرحمة فيه أقرب إلى التحايل المقصود على القانون؟، وهل يمكن تصور الذات الإلهية مشخصة دون أن تكون مبدأ عاما شاملاً، يتساوى أمامه الجميع في مجتمع يعاني من اللامساواة والتفاوت بين الناس؟ وهل يمكن تصور العقل قاصراً وفي حاجة إلى النقل في مجتمع يعاني من نقص استعمال العقل؟ هل يمكن اعتبار الإنسان مجبراً في أفعاله داخل مجتمع يئن من القهر والجبر والطغيان؟، وهل يمكن تصور الإنسان لا يزال معتمدا في علمه وحياته على قوة خارجية في مجتمع يعاني من ترك الاعتماد على الذات، ويكثر من الاعتماد على الآخر؟، هل يمكن التركيز على حياه الإنسان بعد الموت والشفاعة على حساب الدنيا، وقانون الاستحقاق في مجتمع مغرق في التصوف، معتمدا على الواسطة دون الربط بين العمل والجزاء؟، وهل يمكن جعل الإيمان هو القول دون العمل في مجتمع يكثر فيه الكلام ويقل العمل؟، هل يمكن جعل الإمامة في فئة واحدة، قريش قديما والضباط حديثا، على حساب الصفات الفردية وفي مجتمع يرزح تحت الشللية والانقلابات والطائفية؟ .

لقد حاول الباحث الزكي الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من خلال هذا الكتاب، معتمدا على المنهج التاريخي المقارن، لما يتيحه هذا المنهج من تتبع الفكرة، انطلاقا من منابعها الأولى ومسايرة لتطورها، كما يمكن من مقابلة الأفكار والآراء ومقارنة بعضها ببعض، حتى يقع الكشف عما بينها من اتفاق واختلاف، كما استعنت بالمنهج النقدي الذي يهدف إلى النقد والتتبع والملاحظة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خليفة

    اذا اعدنا اجترار نفس اشكاليات علم الكلام القديم في ظل معطيات حضارية مغايرة و في ظل معطيات فكرية و ثقافية مغايرة ، فلا معنى و لا قيمة لهذه الاعادة ، و لكن اذا حاولنا تطعيم علم الكلام القديم باشكاليات جديدة على ضوء معطيات العصر ،يمكن ان يتطور علم الكلام ،و بالتالي يمكن الاستفادة منه.