جزائريون يعالجون.. يحجون ويسكنون بالرشوة..!
يعيش المجتمع الجزائري حالة من التواطؤ والتساهل في تعاطيه مع الرشوة، إلى درجة دفعت بعض الجزائريين إلى تحليلها وضرب التعاليم الدينية عرض الحائط بحجة انتشار البيروقراطية وتفشي الإرهاب الإداري في مختلف المؤسسات العمومية والخاصة، ما جعل “التشبية” هي السبيل الوحيدة لقضاء الحوائج حسب الكثير من المواطنين الذين تجدهم يتفاخرون بتقديم هدايا وامتيازات إلى موظفين مقابل تسهيل تعاملاتهم الإدارية والتجارية…
“ملح اليد، كبش القاضي، عطر الديواني، قهوة الموظف..”
انتشار “الرشوة الاستهلاكية” للتهرب من المتبعات القضائية
“القهوة“، “ملح اليد“، “كبش القاضي“، “عطر الديواني“، “هدية الموظف“، “فطور الشرطي“… هي مصطلحات أبدعها الجزائريون “لتقنين” التعامل بالرشوة وجعلها وسيلة سهلة ومختصرة لقضاء الحوائج وشراء الذمم، وبالرغم من تحريم الدين الإسلامي لهذه الظاهرة التي وصفها العلماء بـ “أموال السحت” غير أن “التشيبة” كما يحلو للمواطنين تسميتها تعرف انتشارا واسعا في جميع المجالات بأشكال متعددة للتهرب من المتابعات القضائية ما ساهم في ظهور نوع جديد من الرشوة أطلق عليه المختصون مصطلح “الرشوة الاستهلاكية“..
أخذت الرشوة في الجزائر أبعادا وأشكالا متعددة، أبدعها المواطنون للتهرب من العقوبات والمتابعات القضائية، فلم تعد الرشوة عبارة عن أموال تعطى للموظف تحت الطاولة، بل تطورت إلى هدايا وامتيازات تمنح جهارا نهارا لشراء ذمم الموظفين وتسهيل التعاملات التجارية والاجتماعية. والغريب في الأمر أن الرشوة امتدت إلى المستشفيات والمدارس والجامعات وحتى المساجد، حيث بات الإمام يعين عن طريق الهدايا التي يستفيد منها موظفو المديريات الدينية، وحتى عملية الفوز بقرعة الحج باتت أيضا عن طريق “التشيبة“، وبات المواطنون يدفعون الهدايا من أجل الحصول على المواعيد الطبية في المستشفيات وتسجيل أطفالهم في المدارس والتسجيل في مختلف المشاريع السكنية والتوظيف في المؤسسات الخاصة والعمومية، ما حول الرشوة إلى أسهل طريق لقضاء الحوائج في الجزائر.
وبات المواطن الجزائري، سواء كان أبا أم ابنا، يتفاخر بتقديمه لهدية إلى موظف بهدف تسهيل حاجته، ومن المرضى من لجأ إلى إحضار أشهى أنواع الأطعمة والأشربة إلى المستشفيات لكسب رضى “البروفسور” أو الممرض.
“الشروق” تستطلع رأي الشارع في الظاهرة
جزائريون يستغيثون.. أجبرنا على الرشوة بسبب البيروقراطية
تضاربت آراء المواطنين في انتشار الرشوة في المجتمع وبأسماء متعددة، فمنهم من أكد أن الإسلام حرمها، وآخرون يرون أن البيروقراطية هي التي فرضت عليهم التعامل بالرشوة حتى لا تتعطل مصالحهم. ومن بين الذين التقيناهم عمي محمد الذي علق متأثرا بما آلت إليه أخلاق الجزائريين موضحا أن قلة منهم لديهم الوازع الديني ولا يتعاملون بالرشوة رغم كل العراقيل التي يواجهونها، وذكر قصة جاره الذي بقي ينتظر استدعاءه لأداء مناسك الحج مدة 15 سنة في الوقت الذي أخبره أن أحد معارفه استطاع الذهاب إلى الحج بعد شهور من إيداع ملفه. وفي السياق نفسه، أشار الشاب توفيق إلى أن المجتمع الجزائري انتشرت فيه مصطلحات تحلل الرشوة كهدية لرد الجميل أو “القهوة“، “التشيبة“، “ملح اليد“، “حق يدك“.. وشملت الرشوة جميع الميادين فنجدها في عملية استخراج الوثائق، وللتعجيل بالحصول على جواز السفر أو بطاقة التعريف الوطنية، أو شراء قطعة أرض، لتمتد حتى في المؤسسات التربوية في جميع الأطوار وحتى الجامعات حيث يقوم بعض الأولياء بطريقة غير مباشرة بإرشاء الأساتذة حتى يتعاملوا جيدا مع أبنائهم ويمنحوا لهم علامات جيدة وذلك من خلال تقديم هدايا لهم باهظة الثمن. وهذا ما أكدته لنا كريمة، ولية تلميذين في مؤسسة تربوية خاصة حيث أوضحت لنا أن في المدرسة التي يدرس فيها ولداها يسألون الأساتذة عن مهنة الوالدين وعلى أساسها يتم التمييز في التعامل بين التلاميذ، فابن طبيبة لا يتعامل معه الأساتذة كابن ماكثة في البيت…
أكد أن القانون حولها من جناية إلى جنحة، حليم فدال:
لهذه الأسباب انتشرت الرشوة بين الجزائريين
وصف الأمين العام لجمعية مكافحة الفساد، حليم فدال، الرشوة بنوع من أنواع الفساد، مؤكدا أنها كانت شبه منعدمة في فترة الستينات مقارنة بالفترة الحالية فترة الانفتاح الاقتصادي، “حيث أصبحت الأمور غير مستقرة لتصبح الرشوة هي المتحكم الوحيد في المشاريع الكبرى والصغرى خصوصا على مستوى الوزارات والإدارات التنفيذية…
واعتبر فدال القانون 01- 06 متفقا جدا مع الفساد “بل فتح الأبواب أمام مختلف أنواع الفساد، فبالرغم من توقيع الجزائر على الاتفاقية العالمية لمكافحة الفساد والتي تنص بنودها على أن تكون صرامة في مكافحة الفساد بوضع قوانين، وتكون مشاركة المجتمع المدني وخلق هيئات مستقلة عن القضاء والسلطة التنفيذية، إلا أنها قامت بعكس بنود الاتفاقية تماما فبعد أن كان الفساد وأخذ الرشاوى جريمة مصنف “جناية” مدة التقادم فيها تصل إلى 10 سنوات، تحول إلى “جنحة” مدة التقادم 3 سنوات. فالقانون، يضيف المتحدث، أصبح متساهلا جدا مع الفساد والمرتشين وأصبح بإمكان أي شخص نهب أموال الدولة وإذا لم يتفطنوا إلى الحادثة خلال 3 سنوات يستفيد من البراءة.
وواصل الأمين العام لجمعية مكافحة الفساد أن سياسة اللا عقاب المتبعة مع المسؤولين، مثل قضية الخليفة، أو تحصلهم على البراءة يشجع الجميع على الرشوة، فالسياسة الاقتصادية للدولة هي التي جعلت الاقتصاد يسير بالرشاوى وهي ظاهرة تكاد تنعدم في القطاع الخاص لأنه لا يسرق نفسه.
المختص في علم الاجتماع يوسف حنطابلي:
قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” ساهمت في انتشار الرشوة
أكد أستاذ علم الاجتماع، يوسف حنطابلي، أن المرتشي دوما لديه سلطة ونفوذ. فوضعيته الإدارية تسمح له بتسهيل عملية الراشي وتظهر لدى مستويات اجتماعية معينة والتي ترتبط بالمصالح العامة، حيث لا يمكن أن تكون لدى من يملك ملكية خاصة فالرشوة ظاهرة على حد قول المختص في علم الاجتماع مرتبطة بالملكية العمومية ومرتبطة بإدارات وخدمات معينة.
وأضاف المتحدث أن الراشي يتمتع بنفوذ مادي لقضاء حاجياته ليس لأنه صاحب حق ولكنه صاحب مال أو مصلحة مادية متبادلة بين الراشي والمرتشي، كما شدد الأستاذ حنطابلي على انتشار البراغماتية في المجتمع وانتشار النظرة الميكيافلية إلى الأشياء والتي أصبحت قاعدة عامة يتم تداولها، فالغاية تبرر الوسيلة وللوصول إلى هذه الغاية يتبعون شتى السبل حتى الرشوة.
واعتبر المختص في علم الاجتماع أن كثرة الحديث عن بعض الظواهر كالفساد والرشوة، وتداولها إعلاميا حولها إلى واقع اجتماعي أي جعل منها شأنا عاما دون معرفة مآل هذه الظاهرة عقابيا إلى حد الآن. فالمجتمع يسمع بحوادث الرشوة لكنه لا يسمع بتسليط عقوبات قانونية على فاعليها وكأنه أمر عادي بغض النظر عن العرف الأخلاقي والقانوني، فلا يوجد شعور في المجتمع بأن مرتكبي هذه الأفعال تمت إدانتهم ومحاسبتهم ولذا فأصحاب النفوس الضعيفة والذين لا يشعرون بوجود الدولة أقبلوا على التعامل بها في ظل غياب الوازع الديني والقانوني.
المحامي خالد برغل:
الرشوة تحولت إلى “شطارة” تمارسها كل الفئات..؟
أوضح الأستاذ خالد برغل أن القانون صارم في قضايا الرشوة حيث يعاقب الراشي وكل من يقبل امتيازات من دون وجه حق بعقوبات طبقا لنص القانون في المواد 126 و127 و129، التي تتراوح بين 5 و10 سنوات. وأضاف أن الرشوة أصبحت حقيقة ملموسة في المجتمع الجزائري وظاهرة وطنية تمارس من كل الفئات والأعمار ومن كل الطبقات من القمة إلى القاعدة ويصفونها بـ “الشطارة والبزنسة“. وقال المحامي إن القانون لا يكفي لردع الرشوة، وانتشارها يعود إلى نقص الوازع الديني الذي يؤدي إلى قبول أكل السحت.. فقد لعن الله الراشي والمرتشي مهما كانت الدوافع. وقال الأستاذ برغل إنه مهما كانت القوانين التي تحيط بالجريمة والاحتراز منها فإن الرشوة مازالت موجودة لأنها راجعة إلى المجتمعات التي تربى أفرادها على الحصول بكل سهولة على حقهم لأنهم لا يؤمنون بالحصول عليه من دون مقابل لتصبح الرشوة من التقاليد حيث يطلقون عليها مصطلحات “ملح اليد“، “كمسلو“، وفي القبائل “تاجعالت“…
كمال شيكات عضو في المجلس الإسلامي الأعلى:
الرشوة حرام ولو كانت دينارا..
أكد الأستاذ كمال شيكات، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، أن الرشوة من الكبائر بنص الحديث: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما“. وأضاف أنه إذا ما قارنا الرشوة ببعض الكبائر الأخرى لاحظنا أن الشرع قد خصص حدا من الحدود لهذه الكبائر فالزنا والخمر حدهما الجلد والقتل حده القتل والسرقة حدها القطع، ورغم أن الرشوة كبيرة من الكبائر غير أن الله لم يضع لها حدا لأن الكبائر الأخرى تخص الأفراد، والرشوة إذا دخلت بلدا معينا أفسدت الشعب برمته والحكمة في عدم وضع حد للرشوة أن ذلك يعني أن الشعب سوف يعاقب كله لأنها أصبحت ظاهرة متفشية في المجتمعات كالنار في الهشيم والأصل أن نحاربها بكل ما أوتينا من قوة. والرشوة لا تقاس بقيمة المبلغ أو الهدية فتقديم قطعة حلوى ثمنها دينار واحد والنية في ذلك قضاء حاجة معينة فاللعنة تتابع صاحبها إلى يوم القيامة.
المحاكم الشاهد الأكبر على انتشار الرشوة
إطارات في البنوك والبلديات والدوائر يعيشون بـ“التشيبة“
المدير الأسبق لوكالة بدر بزرالدة متهم بالرشوة
مثل المدير الأسبق لبنك الفلاحة والتنمية الريفية “بدر” بزرالدة أمام محكمة الشراڤة على أساس تهم الإثراء غير الشرعي وقبول مزية غير مستحقة، في الفترة الممتدة بين 2003 و2009، حيث كشفت التحريات قيامه بمنح قروض لرجال أعمال ومقاولين وفلاحين تتراوح بين 10 و50 مليون سنتيم، قابلة للتجديد، متجاهلا الإجراءات القانونية، مشترطا عليهم تسديدها بعد فترة بفوائد تتراوح بين 10 و35 مليون سنتيم، ويودع تلك الأموال في رصيد زوجته. وخلال محاكمته أنكر المتهم ما نسب إليه من جرم، معترفا أن المتهمين الستة المتابعين بمنح مزية غير مستحقة لموظف عمومي، كانوا يقترضون منه مبالغ مالية على المستوى الشخصي نظرا إلى علاقة الصداقة التي تربطهم.