-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“طوفان الأقصى” يُجهِز على أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”

عبد الحميد زروال
  • 441
  • 0
“طوفان الأقصى” يُجهِز على أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”

الجميع يسمع الكلام عن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر والتي يتغنى بها النظام الصهيوني، إشارة إلى انتصاراته في الميدان والتي جاءت تارة بخرق الهدن، وتارة أخرى بالحروب الخاطفة أو بخرق وقف إطلاق النار من دون تحرك من مجلس الأمن.
وجاء “طوفان الأقصى” ليجهز على هذه الأسطورة، فقد فوجئت إسرائيل والعالم أجمع بشنّ كتائب “عزّ الدّين القسّام” التّابعة لتنظيم حماس هجوم جريء فجر يوم 07 أكتوبر 2023 على معسكرات جيش الاحتلال بغلاف غزّة، وكان هذا الهجوم ناجحا بكلّ المعايير بحكم تحضيره الدّقيق وتنفيذه المتقن اعتمادا على ما يلي:
– عنصر المفاجأة الذي أربك العدوّ.
– عدد المقاتلين المعتبر المشاركين في الهجوم.
– استخدام وسائل جريئة مبتكرة لتنفيذ الهجوم وهي:
1) الجرّافات لتحطيم أسوار معسكرات قوّات الاحتلال.
2) الوسيلة الأكثر جرأة وهي الطّائرات الأخفّ ذات محرّك ULM لمزاياها وهي الخفّة وضعف صوت المحرّك وعدم الكشف بالرّادار لتحليقها على علو جدّ منخفض ولصغر حجمها الّذي يجعل نظريّا عند احتمال الكشف، المساحة الرّادارية المكافئة SER تنذر بمرور جسم مساحته أقلّ من مساحة عصفور، وهي مساحة مهمَلة تستغني عن اللجوء إلى المطاردة.
3) إنجاز عشرات الكيلومترات من الأنفاق للاحتماء والتنقّل براحة عبر مناطق غزّة وخزن الأسلحة فيها والقيام بنشاطات داخلها.
4) إنجاز عددٍ من الأسلحة من صنع مقاتلي “حماس” ومنها خاصّة قذائف الـRPG المضادّة للأفراد والمضادّة للتّحصينات ومدافع الهاون وقذيفة “الياسين 105” التي تعدّ حقّا معجزة هذه الحرب.
إنّ هذا الهجوم أصاب جنود الاحتلال بالصّمم والعمى إلى درجة أنّ مقاتلي “القسّام” أخرجوا جنود العدوّ الإسرائيلي من دبّاباتهم وعرباتهم المصفّحة وجرّوهم على الأرض واقتادوهم أسرى إلى قواعدهم في غزّة.
إنّ هذه الكتائب بلجوئها إلى الهجوم الجريء المذكور تعي كلّ الوعي مدى إمكانات الجيش الإسرائيلي من أفراد وعتاد، ولم تكن تجهل ردّ فعل العدو، لكنّها ترى أنّ إسرائيل تمادت في إهانتها واحتقارها للشّعب الفلسطيني وإنكار كلّ مطالبه المشروعة باستمرارها في تشجيع الاستيطان والعمل يوميّا على تهويد المسجد الأقصى بمنع المقدسيّين من أداء صلاة الجمعة خاصّة وملاحقتهم استفزازا واعتداء من طرف المستوطنين المتطرّفين المؤطّرين أكثر من ذلك من قبل الجيش والشّرطة.
وفي الوقت ذاته، شدّدت سلطات الاحتلال الخناق على الفلسطينيّين في الضفة الغربية مطارِدة كل يوم السكّان بالاعتقال والقتل ونسف البيوت عند كلّ بحث عن مطلوبين، وهذا عقابٌ جماعي يخرق كلّ القوانين والمواثيق الدوليّة. لقد أصبحت القضيّة الفلسطينيّة تواجه خطر الانقراض بعمل الصّهاينة على ألا ترى الدّولة الفلسطينيّة المرتقبة النّور.
إنّ الشّعور بالخطر المحدق والضّمير الوطني النّابع منه هما اللّذان دفعا “كتائب القسّام” إلى تنفيذ تلك العمليّة النّوعية، خاصّة أمام الموقف المائع للسّلطة الفلسطينيّة برام الله الّتي لم تقُم باتّخاذ إجراءات فعّالة بهدف تعبئة الدّول العربيّة والضّغط سياسيّا واقتصاديّا على الغرب كافّة لحمله على لجم إسرائيل لوقف مسارها الإجرامي الرّامي إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة.
ولا شكّ أنّ العمل الذي قامت به “كتائب القسّام” نجمت عنه خسائر باهظة في الأرواح والممتلكات من جرّاء القصف الوحشي لطائرات ومدفعيّة المحتلّ الإسرائيلي الّذي دوّخته “كتائب القسّام” والكتائب الأخرى للمقاومة في غزّة فأصبح يتصرّف كجماعة أشرار غير متقيّد بأيِّ قواعد وأخلاق حرب ليصبّ غضبه على المدنيّين العزّل، وهذه أكبر وحشيّة عرفها التّاريخ. غير أنّ الخسائر المذكورة، وهي ثقيلة ومؤلمة حقّا، هي الثّمن الّذي فرضت الظّروفُ دفعه لنصرة الحقّ لكون هجوم “القسّام” طريقا مشرّفا لا بديل له أمام صمت البشريّة الرّهيب، خاصّة صمم العرب وعماهم وهم غمرتهم في معظمهم نشوة التّطبيع المذلّ مع إسرائيل في الوقت الّذي تسير فيه القضيّة الفلسطينيّة نحو طريق مسدود بفعل تكالب إدارة الاحتلال اليمينيّة المتطرّفة على الفلسطينيّين وتعريضهم للموت البطيء بقتل وحبس العشرات منهم يوميّا.
بعد هذا الهجوم الجريء إذن، ردّت إسرائيل بخطّة ترمي إلى اكتساح قطاع غزّة بأكمله بأهداف معلنة هي تدمير قدرات “حماس” العسكريّة وتحرير الرّهائن المحتجزين من طرف “كتائب القسّام”. غير أنّ ما يقوم به الجيشُ الإسرائيلي منذ البداية ليس حربا بمواجهة قوّات “حماس”، بل عمليّة قتل وتشريد ممنهجة للمدنيّين وتدمير وتخريب مبرمج لكلّ مرافق الحياة في القطاع.
وقُدّرت القوّة التّدميريّة الّتي طالت غزّة حتّى ديسمبر 2023، مقدّرة بالكيلو طن من الـ”تي. آن. تي”، بـ35 كيلو طن أي 35 000 طن وهو الرقم الذي يفوق بــ5000 طن ضِعف قوّة القنبلة النّوويّة الملقاة في 06 أوت 1945 على مدينة هيروشيما اليابانيّة.

أعلن النّاطق العسكري لـ”كتائب القسام” يوم 15 جانفي 2024 مقتلَ أكثر من 3000 جندي إسرائيلي منذ بداية الحرب وجرحَ الآلاف، من بينهم 4000 مصاب بإعاقة دائمة، وتدمير 1108 آليّة عسكريّة، منها 962 دبّابة “مريكافا”. وقد وصل عدد القتلى إلى غاية 14 فيفري 3800، وهذا ما يجعل عدد قتلى العدوّ الإسرائيلي وجرحاه يفوق 10 مرّات حجم الخسائر المعلن عنها من الجانب الإسرائيلي.

من جهة أخرى، عرف الجيش الإسرائيلي خسائر غير منتظرة في الأرواح والعتاد، وهذه مفاجأة أخرى من “كتائب القسّام”، فقد أعلن النّاطق العسكري لهذه الكتائب يوم 15 جانفي 2024 مقتلَ أكثر من 3000 جندي إسرائيلي منذ بداية الحرب وجرحَ الآلاف، من بينهم 4000 مصاب بإعاقة دائمة وتدمير 1108 آليّة عسكريّة، منها 962 دبّابة من نوع “المريكافا”. وقد وصل عدد القتلى إلى غاية 14 فيفري 3800، وهذا ما يجعل عدد قتلى العدوّ الإسرائيلي وجرحاه يفوق 10 مرّات حجم الخسائر المعلن عنها من الجانب الإسرائيلي.
ورغم كل القوة الجهنمية التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في القصف الإجرامي المستمر على غزة، إلا أنه لم يحقق إلى حد الساعة أيَّ هدفٍ من أهدافه المعلنة وهي القضاء على حركة “حماس” وتحرير ولو رهينة واحدة اللهم إلا الخبر المضخَّم إعلاميا يوم 14 فيفري عن تحرير رهينتين وهو خبرٌ مريب، فراح يصب غضبه على المدنيين بتنفيذ أكثر من 2020 مجزرة خلال 132 يوم (إلى 15 فيفري) راح ضحيتها 150 قتيل لكل واحدة منها في المتوسط، وهو رقم جد عال. أضف إلى ذلك تدمير المباني والمنشآت الحيوية واقتحام المستشفيات القليلة التي تعمل فوق طاقتها بترهيب أعضاء السلك الطبي والمرضى وتحطيم المعدات الطبية القليلة المتوفرة ومنع المرضى من الدواء وتعريضهم للموت البطيء وحتى الوصول مؤخرا إلى إفراغ المستشفيات من كل شاغليها وتهجيرهم إلى الجنوب حيث تبعتهم الغارات بل حتى قتلهم وهم في سيارات الإسعاف. إنها جريمة إبادة مكتملة الأركان. وفضلا عن ذلك، قام الجيش الإسرائيلي باعتقال 2300 فلسطيني في غزة بدعوى ضلوع الكثير منهم في هجوم 7 أكتوبر.
من جهة أخرى، فإن وقوف الولايات المتحدة المنحاز ومساندتها العمياء لإسرائيل تمثلت في مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي في مطلع فيفري 2024 على قانون يقضي بمنع شخصيات من منظمة التحرير الفلسطينية وحماس والجهاد الإسلامي من الدخول إلى الأراضي الأمريكيّة. وبالإضافة إلى ذلك رحّبت الولايات المتحدة بتحوُّل إسرائيل المزعوم إلى عمليات عسكرية أقلّ حدَّة في حين أن وسائل الإعلام المرئية تطلعنا كل يوم بالصوت والصورة على استمرار مجازر إسرائيل في غزة خاصة بمعدل 150 قتيل في اليوم. إنها إبادة بعينيها وأذنيها ورجليها أيها الساسة الأمريكان.
ولعلّ استعداد إسرائيل لشنِّ هجوم كاسح على رفح بجنوب قطاع غزة بعد أيام ينذر بكارثة إنسانية وخيمة العواقب بالنظر إلى العدد المذهل للنازحين المكتظين في مآوى معرّضة للقصف الإسرائيلي وتنعدم فيها معظم الخدمات الضّرورية لحياة شاغليها.
إنّ مناطق الجنوب التي ادّعت إسرائيل أنها آمنة سعيا إلى إفراغ سكّان الشمال والوسط من إقاماتهم، أصبحت فخاخا تُجهَّز كلّ يوم للفلسطينيين الذين تحوّلوا بين عشية وضحاها إلى قافلة مرحَّلين لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون؟ وأي مصير ينتظرهم؟
إن إفراغ غزّة من سكّانها هذا يعدُّ نكبة ثانية ذاق الفلسطينيون آلامها ومآسيها كالتي عرفها آباؤهم وأجدادهم منذ 75 سنة خلت. وأمام إصرار الإسرائيليين على إنكار حق الفلسطينيين في استرجاع أراضيهم المحتلة وإقامة دولتهم المستقلة طبقا للقرارات الدولية والاتفاقيات الثنائية، كان على العرب باسم الجامعة العربية أن يوحّدوا جهودهم للدفاع عن الفلسطينيين بنبذ أيّ تطبيع أو تقارب مع إسرائيل، وبسهر الجامعة العربية على وضع قضية فلسطين فوق كل اعتبار على الصعيد الدولي، وكسر احتكار إسرائيل والغرب لميزان القوى لجعل هذا الأخير في صالح الدول العربية بفضل انسجامها السّياسي وقوتها الاقتصادية القائمة على فعالية سلاح البترول عن طريق الحظر كما حدث في حرب أكتوبر 1973، وذلك حتى تستجيب الدول المؤثرة على إسرائيل لمطالب الفلسطينيين المشروعة. أما التقارب بل التطبيع من طرف الدول العربية مع إسرائيل والقضية الفلسطينية لم تجد حلها بعد، فهذا طعنٌ في ظهر الفلسطينيين وموقفٌ متخاذل رخيص سيبقى بصمة عار على جبين المطبِّعين طول الدهر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!