-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عبد العزيز فيلالي.. مذكّرات باحثٍ همّه التعريب

بقلم: حسين بوبيدي
  • 690
  • 0
عبد العزيز فيلالي.. مذكّرات باحثٍ همّه التعريب

صدر مؤخرا عن دار الهدى بعين مليلة كتاب الدكتور عبد العزيز فيلالي: “سيرة ومسار حقائق وأسرار”، والمؤلف الذي يعرفه كل الباحثين في التاريخ والمهتمين به داخل الوطن وخارجه باعتباره أحد أعمدة الكتابة التاريخية في الجزائر؛ قد جعل من هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لرجل تعدَّدت مناحي نضالاته، من جيش التحرير الوطني إلى جزأرة الجامعة الجزائرية، ومن تعريب الإدارة إلى المساهمة في رسم مناهج التعليم العالي وتوجُّهاته الكبرى في تخصُّص التاريخ، وحاليا في رئاسة مؤسسة عبد الحميد بن باديس وبعث روح النشاط العلمي فيها، فالكتابُ بهذا التوصيف يعدُّ نافذة على تاريخ الجزائر الفكري والسياسي والمؤسساتي، وشهادة على بعض الشخصيات الفاعلة في مختلف المراكز والمحطات.

جاء الكتاب في 351 صفحة، يبدأ بالتأريخ لأصول عرش الفيلاليين، وينخرط في عالمه الريفي الذي وُلد فيه يوم 16مارس 1944حيث مشتى بوالقندول دوار قطارة بلدية القرارم، ويضعنا أمام صعوبات الحياة في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن المنصرم، ونعيش معه بأسلوبه الشيق والعامر بالتفاصيل ذاكرة التلميذ مع “الطالب” الذي كان يعلم القرآن، ونستحضر داخل الصفحات الأولى الذهنية الجزائرية التي جنت عليها سياسات التجهيل وأشاعت فيها الكثير من تجليات العقل الخرافي المغيَّب داخل معتقدات وتصورات كانت تنتظر غيثا من تيار الإصلاح الذي كان والد المؤلف أحد أنصاره، ثم ينقلنا إلى قسنطينة منذ سنة 1955 بعد أن نعيش إحدى الصور القاسية لجرائم الاستعمار الفرنسي في مشاتي الجزائر ودواويرها من حرق وتدمير وتنكيل بالإنسان والحيوان على السواء، وكان أخ المؤلف الشهيد: إبراهيم فيلالي قد التحق بالمجاهدين يومها، ووالده الحاج نوار قد تعرض للاعتقال الذي دام ثلاث سنوات بسجن الكدية، فكانت مدينة قسنطينة بداية المسار الدراسي لعبد العزيز فيلالي الذي انتسب إلى مدرسة الحياة ونال منها الشهادة الابتدائية ودوَّن في كتابه هذا ما يتذكره عن معلميها ومناهج التعليم ومقرراته فيها، وفي شهر جانفي 1961 التحق بالتنظيم العسكري للثورة في مقرِّ أمانة قيادة المنطقة الرابعة ببوشبكة حيث كُلّف رفقة ثلاث كتّاب آخرين بكتابة الرسائل إلى قادة القسمات والنواحي.

بعد الاستقلال اختار عبد العزيز فيلالي طلب الاعفاء من الجيش والتحول إلى الحياة المدنية، وانخرط في سلك المعلمين الذي سرعان ما فارقه لينتسب إلى معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس ويعود إلى مقاعد الدراسة التي أهَّلته لنيل شهادة تخوّل له دخول المرحلة الثانوية، وهي المرحلة التي انتقل لتحصيلها نحو المملكة الليبية ببلدة الزاوية، وهذه التجربة سماها المؤلف: الأمل المغتال، لأنه بعد سنتين من الجد والاجتهاد بليبيا وسنة من التعليم الجامعي بقسنطينة في الجذع المشترك صدمهم قرار وزارة التعليم العالي بعدم اعتماد شهادة وزارة المعارف الليبية، وقد حمّل المسؤولية هنا للتهاون الملحوظ من “عناصر الوزارة في الجزائر من جهة، ولأن أغلب هذه العناصر من الفرنكوفونيين الذين يتظاهرون بعدم معرفتهم للّغة العربية، أو من المعادين لكل ما هو يحمل الحرف العربي؛ خاصة الشهادات التي تأتي من الوطن العربي”.

يعود المؤلف إلى رحلته العلمية، ليختار مصر لنيل شهادة البكالوريا، ويحصلها سنة 1968؛ ويلتحق بجامعة قسنطينة من جديد التي سيؤرخ لنظام التدريس فيها وللصراع الذي حدث بين التيارات الطلابية حول ما عُرف بسنة التعريب 1970 كاشفا عن أحد أوجه التجاذب بين التيارين العربي والشيوعي في تلك المرحلة، وبعد تخرّجه من الجامعة سنة 1971 وتعيينه معيدا بالقسم

يقدِّم لنا الكتاب معلوماتٍ بالغة الأهمية حول مشروع جزأرة المسؤولين بالجامعة، ليجد نفسه رئيسا لقسم التاريخ ونائبا لعميد الكلية، وسنشهد في هذه المذكرات وقفة الوزير محمد الصديق بن يحيى في الإنتصار للإطارات الجزائرية الشابة ضدَّ من رفض هذا القرار الذي دفع بعض المسؤولين إلى تقديم استقالتهم اعتراضا عليه.

سنة 1973 نعود مع المؤلّف إلى رحلته التي لا تنقطع إلا لتتواصل، ويعود إلى جامعة الاسكندرية لإتمام الدراسة ونيل شهادة الماجستير، وبعدها يعود إلى قسنطينة سنة 1977 ويتولى في العام الموالي رئاسة قسم التاريخ من جديد، لكنه اصطدم بالمتحكِّمين في زمام مصلحة معادلة الشهادات بالوزارة من الفرنكفونيين الذين رفضوا معادلة شهادته إلا بعد احتجاج وكتابة تظلم يبيّن الخلل في التقرير الذي أعِدّ حولها، مبينا أنه في الوقت الذي كانت تخضع فيه الرسائل القادمة من الدول العربية والجامعات الأنجلوساكسونية وتلك المنتمية إلى بلدان شيوعية للتقييم لأجل المعادلة، كانت الرسائل القادمة من فرنسا تُمنح المعادلة مباشرة من دون أي تقييم لوجود اتفاقية جزائرية فرنسية في هذا الإطار، ويعود في الكتاب إلى موضوع أسباب تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية في بداية شهر جويلية 1992، ويرجِّح أن الأمر يعود إلى أن “اللوبي الفرنسي في البلاد كان أكثر وطأة ووزنا، تغلغل في دواليب الدولة ومفاصلها، وأصبح صخرة قوية اصطدمت بها كل المطالب والنداءات، وتحطّمت عليها كل المحاولات، ولهذا كانت سياسة التعريب منذ الاستقلال تسير بوتيرة بطيئة ومحتشمة”.

يعود في الكتاب إلى موضوع أسباب تجميد قانون تعميم استعمال اللغة العربية في بداية جويلية 1992 ويرجِّح أن الأمر يعود إلى أن “اللوبي الفرنسي في البلاد كان أكثر وطأة ووزنا، تغلغل في دواليب الدولة ومفاصلها، وأصبح صخرة قوية اصطدمت بها كل المطالب والنداءات، وتحطّمت عليها كل المحاولات، ولهذا كانت سياسة التعريب منذ الاستقلال تسير بوتيرة بطيئة ومحتشمة”.

ويشير فيلالي إلى أن تعريب بعض الفروع في الجامعة نتج عن مبادرات فردية، لأن لجان التعريب في المعاهد لم تقُم بواجبها، بل هناك من عمل ضد هذا التوجُّه، ويصف الاجتماعات التي كانت تتمّ لأجل التعريب أنه يسودها الركود والغياب بين أعضائها، مؤكدا أن “ماعُرّب من فروع علمية وعلوم إنسانية في الجامعة جاء بطريق الضغط والاحتجاجات والاضطرابات وغلق الجامعة من قِبل الطلبة والأساتذة”.

منذ سنة 1979 يضيف عبد العزيز فيلالي إلى اهتماماته البحثية مساهمة في النضال الحزبي، ويُنتخَب في بلدية قسنطينة، وقد تبوّأ منصب نائب رئيس البلدية مكلفا بالحالة المدنية والشؤون العمومية، ويرصد المؤلف من خلال منصبه بعض التغيّرات التي اعتملت في الجهاز الإداري والوضع العامّ بالجزائر، فتحدّث عن الجهود التي بذلها رفقة زملائه في تعريب العديد من الوثائق في مختلف مصالح  البلدية تجاوزت 500 وثيقة في سبيل ردِّ الاعتبار للّغة العربية.

بقية صفحات المذكرات، استعرض فيها فيها الأستاذ عبد العزيز فيلالي محطات عديدة أبرزها تجربته كنائب رئيس بليدة قسنطينة، ثم عضويته في المجلس الشعبي الولائي لقسنطينة في بداية التسعينيات، ومناقشته أطروحته للدكتوراه في 1995 عن مدينة تلمسان، وتوليه رئاسة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة سمة 1996، قبل أن يُنتَخب نائبا في 1997، ثم يعطينا تفاصيل اللقاء الذي جمعه برئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى الذي عرض عليه منصب وزير الشؤون الدينية، لكنه رفضه، وأصرَّ على الرفض بعد أن منح وقتا ليعيد النظر في موقفه، وسجل في الكتاب جوابه الذي قال فيه: “الاعتذار عن هذا المنصب يعود إلى مسألة مبدئية، وهي تتعلق بدين الأمة الجزائرية، فهفوة واحدة تكلّفني غضب الله، ونحو 30 مليون جزائري أحاسَب عليهم يوم القيامة”، مقترحا أن يكون وزيرُ الشؤون الدينية متخصصا في العلوم الإسلامية ومن حفظة القرآن والسنة النبوية، ومتضلعا في الفقه والشريعة، ومع أن شخصيات وازنة قد حاولت التوسّط عنده ليقبل المنصب إلا أنه رفض ذلك، ولمّح لرئيس الحكومة أنه سيقبل بحقيبة أخرى تتوافق مع تخصُّصه، وكان يشير بذلك إلى وزارة التعليم العالي، لكنه بعد 3 أشهر عُرِضَ عليه منصبٌ جديد يتمثل في عمادة مسجد جامع باريس، إلا أنه اعتذر دون تردُّد لعدم الاختصاص.

وفي صفحات أخرى سجل فيلالي تجربته في المجلس الأعلى للقضاء بين 2005 و2009، ومؤسسة الإمام عبد الحميد ابن باديس، وعدم انقطاعه عن الجامعة، وصولا إلى المرحلة الحالية وزمن الكوفيد، ويصف يومياته وما أنتجه من الأعمال العلمية في الأشهر التي اعتكف فيها بمكتبه، يقدِّم في آخر الكتاب حصيلة كاملة لأعماله العلمية في التاريخ الوسيط (14 كتابا)، وفي التاريخ الحديث والمعاصر (20 كتابا)، بالإضافة إلى عشرات المقالات في مختلف المجلات العلمية…

50 سنة من العطاء العلمي ومن ذاكرة الجزائر ونُخبها وسياسييها في كتاب أستاذنا فيلالي الذي يُعدّ أحدى لبنات ذاكرة الجزائر المعاصرة، يجعل من الضروري قراءتُه وإضافتُه إلى مكتبة الجزائر العامرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!