الأحد 12 جويلية. 2020 م, الموافق لـ 21 ذو القعدة 1441 هـ آخر تحديث 23:10
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

عند الامتحان تكرم “الحضارة” الغربية أو تهان

ح.م
  • ---
  • 2

الاحتجاجات الشعبية “السلمية” و”العنيفة” التي تجتاح منذ أسبوع أغلب المدن الأمريكية، هي الجزء البارز من جبل جليد “حرب أهلية” متدحرجة بين النخب الأمريكية، تتواصل بأدوات مختلفة منذ انتخاب الرئيس دونالد ترمب، الذي انتخب على برنامج “تطهير مستنقع واشنطن” وتفكيك الدولة العميقة، وتحييد نخبها من دعاة العولمة، حرب أهلية بين النخب، لن تضع أوزارها قبل انتصار أحد الفريقين: إما عبر صندوق الاقتراع في نوفمبر القادم إن لم يلغ الاستحقاق، أو عبر مواجهة عنيفة قد تصل حد استدعاء الجيش الأمريكي، وتنفيذ ما يشبه الانقلاب على الدستور الأمريكي، إلا إذا اختار الطرفان ترحيل الأزمة الأمريكية للعالم.

فبعد فشل الدولة الأمريكية العميقة وواجهتها من أرباب العولمة من النخب الديمقراطية، في ترحيل ترمب عبر مسار “الأمبيشمنت” في الكونغرس، انتقل خصوم ترمب إلى توظيف جائحة “كوفيد 19” لنسف ما تحقق له من نتائج جيدة في الاقتصاد، ثم بإشعال فتيل الشغب الشعبي الواسع على خلفية حادث مقتل أحد الأمريكيين السود على يد الشرطة، سوّق كفعل عنصري، واشتغل عليه أغلب حكام الولايات من الديمقراطيين وإعلام “المينستريم” الموالي لهم، بنفس الوسائل التي اختبروها من قبل في إدارة “الثورات المخملية” في العالم.

ولأن ترمب كان قد أعاب على حكام الولايات ورؤساء البلديات تقاعسهم المبيت عن ضبط الأمن العام، فقد هدّد أمس الأول باستدعاء الآلاف من قوات الجيش الأمريكي لقمع من وصفهم بـ “إرهاب الداخل” من “المخربين ومستعرضي العضلات” وسمى بالاسم منظمات تتصدر ما قد يصفه غدا بدواعش الولايات المتحدة، وعلى رأسهم منظمة “آنتيفا” (معادة الفاشية) الوافدة على الولايات المتحدة من أوروبا.

الصور التي تناقلتها القنوات الإعلامية لأعمال التخريب، وللمواجهات العنيفة بين المحتجين والشرطة، لم يسجل مثلها في “أعنف” الثورات المخملية، وثورات الربيع العربي، باستثناء سوريا وليبيا، مع حرق كثير من مقرات الشرطة، وتخريب محلات تجارية ونهبها، وبداية استعمال الشرطة للغازات وللرصاص المطاطي، وقد تتدحرج إلى ما هو أسوأ، بعد استدعاء قوات “الحرس الوطني” منذ أمس الأول، وإعلان حالة الطوارئ ومنع التجوال الليلي في أكثر من أربعين مدينة أمريكة، والاستعانة لاحقا بقوات من الجيش الأمريكي، الذي خبر في مواقع عدة من العالم (أفغانستان والعراق) أساليب دموية في قمع احتجاجات الشعوب ومقاومتها للاحتلال.

ما هو على المحك، يتجاوز حدود الصراع الداخلي بين النخب الأمريكية، المقبل على لحظة حسم غير قابلة للتأجيل قد تسبق موعد الانتخابات القادمة، خاصة وأن الرئيس ترمب مازال يتمتع بشعبية كبيرة في الأوساط الشعبية المحافظة، واستطاع في السنوات الأربع الماضية استعادة السيطرة على الجيش، وخاصة على أجهزة المخابرات الكبرى، واغتنم أزمة “كوفيد” ليضع اليد على “الفيدرال ريزيرف” (البنك المركزي الأمريكي) ويستعد لنشر ملفات فساد لكبار أرباب الدولة العميقة وقيادات سامية من الديمقراطيين.

سيناريو الحسم قبل موعد الانتخابات، قد ينتقل بسرعة، من توظيف الطرفين للاحتجاجات وتصعيد وتيرتها، إلى ترحيل الأزمة الأمريكية بتفجير أزمة عالمية أمنية كبرى، لها أكثر من موقع مستشرف في شرق آسيا مع الصين، أو الشرق الأوسط مع التفجير المحتمل لما بعد إصدار نتنياهو لأمر تنفيذي بضم أراضي غور الأردن من الضفة الغربية، أو حتى في ليبيا التي تتراكم بها مؤشرات مواجهة مفتوحة بين القوى المتورطة في تغذية الأزمة.

وقبل هذا وذاك، قد نشهد انطلاق “جائحة” رديفة لجائحة كوفيد 19 الفاشلة، بتصنيع موجة من الاحتجاجات الشعبية العنيفة في أكثر من دولة غربية تكون امتدادا لنظيرتها في الولايات المتحدة، خاصة وأن أغلب الدول الغربية مهدّدة بعجز فاضح في مواجهة تداعيات تراجع اقتصادياتها حد الانهيار المبرمج، والتي قد تراهن على تهييج الشارع، وتحريك “دواعش” الغرب، بالقدر الذي يسمح لها باللجوء “المبرر” إلى تطبيق الأحكام العرفية وتقييد الحريات، بنفس الأدوات التي لجأت إليها من قبل النازية والفاشية، تراهن عليها لترحيل أزمتها الكبرى، وتفريغ شحناتها في مغامرات عسكرية دولية، انزلاق خطير يقف بـ “الحضارة الغربية” على مشارف امتحان تطبيقي آخر تكرّم فيه أو تهان.

موازنات

مقالات ذات صلة

  • متى نتحرّر من قوقعة الفرنسية؟

    في عيد الاستقلال الثامن والخمسين لا زال الحديث يدور حول كيفيات التّخلص من إرث الاستعمار المتمثل في اللّغة الفرنسية؛ التي لا زالت تسيطر على الجزء…

    • 1542
    • 37
  • هل سيصبح العلماء كبش فداء؟!

    قبل يومين، ظهر تحت هذا العنوان المثير مقال للأستاذة ماري لومبير-شان (Marie Lambert-Chan)، رئيسة تحرير مجلة علمية كندية (هي Québec Science). وقد حلّلت فيه الكاتبة…

    • 766
    • 1
600

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • SoloDZ

    الاستاذ حبيب اول مرة لا اتفق معك والسبب هو انك تتحدث عن الولايات المتحدة وكأنها احدى الدول العربية الهشة والصراعات التي يعرفها النظام الحاكم فيها رغم ان كل الذي قلته صحيح وموضوعي ولكن امريكا ليست الدولة التي تسقط بسبب غضبة شعبية وإن كانت عنيفة بعض الشيء او مواجهة سياسية بين عصب الطبقة السياسية ثم هل تعلم ان في الدستور الامريكي هناك بند يحرم على السياسيين استعمال الجيش ضد الشعب وهو البند الذي يغني المؤسسة العسكرية من ترديد الكلام على انها مع الشعب لذا فإن القول بأن الولايات المتحدة في خطر الانهيار او الحرب الاهلية مبالغ فيه فالسبب الوحيد لزوال امريكا سيكون اقتصاديا وهذا امر اصحابه لن يقبلوا به

  • لزهر

    و هو الذي قال
    (آمريكا أولاً و سأعيد أحلام الأمريكيتين)
    وكان لنيل الانتخابات فقط
    و انتهى الحلم الأمريكي.
    و ربما يقضي على أحلآم العالم بأسره
    لرد الاعتبار
    وقد وقّف العالم لمدة ثلاث أشهر
    هذا الكوباي.

close
close