الخميس 21 جانفي 2021 م, الموافق لـ 07 جمادى الآخرة 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

كورونا التي لم تؤثّر فينا!

ح.م
  • ---
  • 2

الحديث هذه الأيام، في الواقع والمواقع، يكاد يكون حديثا واحدا، حديثا عن عودة كورونا.. هذا الوباء الذي سبّبه فيروس لا يتعدى قطره 125 نانومتر، لا يزال يقرع قلوب البشر ويخاطب أرواحهم، لعلّهم يقدُرون الله حقّ قدره ويعودون إليه، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)).. واعظ صامت لعلّ النّاس إلى ربّهم يتوبون وعن ظلمهم وفسادهم ينكفئون.. لكنّ الواقع مع كلّ أسف، يدلّ على أنّ البشرية -إلا من رحم الله منها- لم تتّعظ، وأنّها لا تزال في تيهها وبعدها عن الصّراط السويّ.

لقد أظهر وباء كورونا مدى القسوة التي وصلت إليها قلوب كثير من البشر في هذا الزّمان.. ولا غرابة أن تقسو قلوب البشر من الملاحدة واليهود والنّصارى الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا ويتّخذون المادّة إلها يعبد، لكنّ الغريب أن تقسو قلوب عباد الله المسلمين المؤمنين.. لقد كشف هذا الوباء عن مدى القحط الذي نعانيه في أرواحنا، إلا من رحم الله منّا؛ عندما انشغلنا بالأرقام والإحصاءات، عن أخذ العبر والعظات، وعن التوبة والضراعة والاستكانة لله ربّ البريات، وربّما صدق في حقّ كثير منّا قول الله تعالى: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُون)).

هذا الوباء، أيا يكن مصدره وأيا تكن الجهات التي تريد الاستثمار فيه، فهو بلاء من الله سبحانه، يبتلي به الصّالحين والمصلحين، ويعاقب به الظّالمين والمفسدين، يقول سبحانه وتعالى في سورة الرّوم: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون))، ويقول جلّ شأنه في سورة الإسراء: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)).

فساد عظيم وعريض هذا الذي يحصل على ظهر هذه الأرض في السّنوات الأخيرة، حتى بلغ الأمر إلى حدّ أصبح معه الشّذوذ وأصبح عمل قوم لوط خيارا محترما في وسائل الإعلام ووسائط التواصل، يجرّم من ينكره ويعاقب من يلمز محترفيه! سالت دماء الأبرياء والمستضعفين أنهارا وقطّعت الأوصال وشرّد الملايين وتعالت صرخات الأرامل والأيامى وصيحات اليتامى حتى عانقت السّماء ولا أحد -إلا من رحم الله- تحرّك له قلب أو طرف له جفن. بل إنّ من المسلمين من برّر كثيرا من المجازر التي ارتكبت في حقّ المسلمين.. انتشر الفساد وأشيع في العالم وفتّحت له الأبواب على مصاريعها في بلاد المسلمين حتى وصل إلى بلادٍ ما كان يُتوقّع أن يصل إليها، ونكّل بالعلماء والدّعاة والمصلحين وأودعوا السّجون.. والأنكى من هذا أنّ شريعة الرّحمن عطّلت واستبدلت بقوانين وضعية زاد بسببها الظّلم والفساد في الأرض، ومع مرور السّنوات رضي المسلمون بالأمر الواقع وما عادوا ينكرون هذا المنكر العظيم إلا من رحم الله.. أمّا خاتم الأنبياء الذي كان من المفترض أن تظلّ البشرية مدينة له، فقد أصبح غرضا لسفهاء العالم وأراذله، يسيئون إليه ويحاولون الحطّ من مقامه، كلّ هذا وحكام المسلمين -إلا من رحم الله منهم- ساكتون واجمون، كأنّ الأمر لا يعنيهم، بل إنّ منهم من لا يزال يتودّد إلى فرنسا الصليبية التي تدافع عن السّفهاء!

إنّه لأمر محزن ومخيف حقا أن يمرّ بلاء كورونا على المسلمين وأكثرهم عنه غافلون، فها هم أكثر المسلمين لا يزالون على حالهم التي كانوا عليها قبل كورونا.. مع صور صناديق الموتى التي تدفنها الجرافات، لا نزال نسمع سبّ الخالق في الشّوارع بأقذع الكلمات.. لا يزال بين المسلمين من ينام عن الصّلاة، بل إنّ من عباد الله المسلمين من كان يصلّي ثمّ ترك الصّلاة بعد حلول كورونا وإغلاق المساجد.. لا يزال بين المسلمين من يمنع الزّكاة وبينهم من يؤخّرها ومن يعطيها غير مستحقيها ومن يعطيها ويُتبعها بالمنّ والأذى.. لا تزال كثير من المسلمات مصرّات على التبرّج والاستهتار بالحجاب، بل إنّ حدّة التبرّج قد زادت بعد كورونا!.. بعد صور الأبناء الذين يبكون أمّهاتهم وآباءهم وصدقاءهم وأحبابهم الذين قضوا بسبب كورونا، كان المنتظر أن نرى بنات المسلمين مع بداية الدخول المدرسيّ يخرجن في لباس محتشم. كنّا ننتظر أن تقلّ حدّة التبرّج، وأن تتخلّى بناتنا عن الألبسة الضيّقة ويتخلّى أبناؤنا عن الألبسة المقطّعة والمخرّقة وعن القصّات والتسريحات الغريبة المزرية، وكنّا ننتظر أن يشمّر الآباء عن سواعدهم ويقولوا كلمتهم في بيوتهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لكنّنا مع كلّ أسف فوجئنا بأنّ التبرّج زادت حدّته وفظاعته وشناعته، وكلّنا رأينا كيف أنّ السّراويل الضيّقة (الفيزوات) أصبحت وكأنّها اللباس الرسميّ للتلميذات والطّالبات، إلا من رحم الله، ورأينا كيف أنّ الألبسة الضيقة بدأت تغزو أوساط الشّباب ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فكيف رضينا لأبنائنا وبناتنا أن يخرجن بهذه الحال من العري والتبرّج ونحن الذين نؤمن بالله واليوم الآخر ونصلي الجمعات في بيوت الله ونسمع الخطب والمواعظ؟ كيف رضينا لبناتنا أن يتنافسن ويقلّد بعضهنّ بعضا في لبس الضيّق ولبس السراويل والفيزوات وإسدال الشّعور ووضع الأصبغة؟

كان المنتظر أن يؤثّر كورونا في قلوب التجار فيتّقوا الله ويكفّوا عن العادات والممارسات المحرّمة؛ أن يكفّوا عن الغشّ والتطفيف وعن توجيه السلع ووضع ما هو جيّد في الأمام والأعلى وما هو رديء في الخلف والأسفل.. لكنّ كثيرا منهم لا يزالون على العهد ماضون، ولا يزالون مصرّين على أكل الحرام، بل إنّ من تجّار المسلمين من تحوّلوا في خضمّ كورونا إلى مصّاصي دماء وحاولوا الاستثمار في هذه النّازلة ورفعوا الأسعار ليحقّقوا أوفر الأرباح.

إنّنا لا نعمّم ولا نقول هلك النّاس، فهناك صالحون ومصلحون، زادهم البلاء صلاحا وإصلاحا، وهناك من عباد الله المسلمين من تابوا وأصلحوا، لكنّ الواقع الذي نراه جميعا ونعيشه، يدلّ على أنّنا في أمسّ الحاجة إلى مراجعات مستعجلة وحاسمة لقلوبنا وأنفسنا ولبيوتنا وشوارعنا ومؤسّساتنا، قبل أن يطبع على قلوبنا ويحلّ بنا أمر الله: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون)).

نحن ندعو الله أن يرفع عنّا هذا الوباء، ونجتهد في دفعه بالأسباب المتاحة، وننتظر أن يتراجع عدد الإصابات، ونتلهّف للقاح يأتينا من وراء البحار ليخلّصنا من كورونا، لكنّنا لا ندري هل سيكون ما نرجوه وننتظره، أم إنّ هذا الفيروس سيعرف طفرة جديدة لا سمح الله، ويصبح اللقاح المنتظر غير ذي فائدة.. إنّنا والعلم عند الله نعيش زمان الفتن أو نحن على مقربة منه، وينبغي أن نستعدّ بالتوبة إلى الله وإصلاح أحوالنا وتنظيم حياتنا وإصلاح بيوتنا وزوجاتنا وأبنائنا، لعلّ الله يثبّت أقدامنا ويعصمنا من الفتن ويعافينا من البلاء.

مقالات ذات صلة

  • "إله" الإنجيليين يغادر البيت الأبيض

    ما كان الرئيس السابق دونالد ترامب رجل دين يعرف الطريق إلى الكنيسة الإنجيلية، واقفا على ناصية المذبح، معترفا بأخطائه طلبا للمغفرة، فهو الليبرالي المنعم بثروة…

    • 443
    • 1
  • "إسرائيل" في المنطقة الوسطى

    هدفٌ إستراتيجي أبعد وراء انضمام "إسرائيل" إلى القيادة الأمريكية الوسطى، يمكن اكتشافه مع سيرة الجنرال هريرت نورمان شوارزكوف قائد المنطقة الوسطى للقوات الأمريكية "1988 -1991"،…

    • 1146
    • 0
600

2 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • نحن هنا

    نسأل الله العلي القديرأن يرفع عنا هذا البلاء ويهدينا سواء السبيل ويرحم موتى المسلمين أجمعين آمين

  • العربي

    ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين

close
close