لماذا خرق توفيق “واجب التحفظ” دفاعا عن الجنرال حسان فقط؟
أفضت رسالة الفريق محمد مدين، مدير جهاز المخابرات السابق، إلى سلسلة من الأصداء وردود الفعل المتوالية، بعد أسبوع من نشرها عبر وسائل الإعلام، في خرجة وُصفت بأنها خرق لـ “واجب التحفظ”، بعد 25 سنة من الخدمة “في صمت”، وبعيدا عن الأضواء الكاشفة.
مراقبون أجمعوا أن تصريح الجنرال توفيق، كان بمثابة “السقطة” التي ورّطت مسؤولا سابقا لجهاز الاستعلامات والأمن (drs)، وهو الذي التزم السكوت المطبق والغريب لمدّة لا تقلّ عن رُبع قرن، انتهت بسقوط حرّ، أدخل “الرجل اللغز” في مستنقع لم يكن يعرف عمقه.
ومن المؤاخذات المفضوحة وغير المبرّرة، التي يستند إليها ملاحظون، في قراءتهم المتأنية والعميقة لتصريح الجنرال توفيق، هو “اعتكافه” لمدة 25 سنة، ثم اختزال خروجه للنور برسالته “القصيرة” في قضية شخص واحد، ممثل في الجنرال عبد القادر وعرابي المدعو “حسان”، مسؤول مكافحة الإرهاب في جهاز “الدياراس” سابقا، في وقت كان بإمكان توفيق حسب مراقبين، التطرق إلى “ما يهمّ كلّ الجزائريين” في الرسالة، وتعويم قضية حسان فيها كجزئية فقط وليس كجوهر الموضوع الذي يخرج من أجله المدعو “ربّ الجزائر” بعد 25 سنة من الاختفاء!
حيث كان الرأي العام ينتظر من الجنرال توفيق، إنارته بنظرته وتحليله لكبرى القضايا الوطنية والدولية، وأهمّ الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، خاصة أنه صنع لنفسه على مدار سنوات “هالة إعلامية”، وألبس نفسه ثوب “القديس” و”صانع الرؤساء” و”عرّاب” القضاء والأحزاب والمجتمع المدني، فكيف به يختزل “ثقله ونفوذه” في الدفاع عن صديق؟
تمييز ومفاضلة بين جنرالين “صديقين”
وما يُثير استغراب واشمئزاز متابعين، أن الفريق، وقع في فخ الكيل بمكيالين، حيث “دافع” في رسالته، عن الجنرال حسان، دون غيره، واعتبر الحكم بحبسه 5 سنوات، “ظلم”، بطريقة أوحت بأن في الأمر إنّ، وإلاّ ما الذي جعل محمد مدين، لا يُدافع مثلا عن الجنرال جمال كحال مجذوب، مدير الأمن الرئاسي سابقا، ولو من باب الإشارة أو التلميح فقط، رغم أن الأخير هو الآخر “صديق” له؟.. وتمنى عارفون أن لا تصدق رواية “ألسنة السوء” المروّجة لرواية أن خرجة توفيق لصالح “ذراعه الأيمن” لا تعدو سوى رجع صدى بدافع جهوي.
هذا التساؤل المحيّر، الذي لا يُمكن أن يُجيب عنه، إلى أن يثبت العكس، سوى صاحب “رسالة الجمعة”، أو جماعته الضيقة التي أوعزت له بذلك، دفع مراقبين إلى تعميق الاستفسار، حيث يتعجبون من “تبرئة” توفيق لحسان، وتجاهله لمجذوب، (دون الحديث هنا إلى الجنرال بن حديد لاختلاف الظروف والأسباب)، رغم أن التهم المتابع بها الجنرال الأول (حسان)، أثقل وأخطر، من تلك المتابع بها الجنرال الثاني (مجذوب)!
تيغنتورين.. وشحنة سلاح “مختفية”
وتشير بعض المعطيات، إلى أن أخطر ما في التهم الموجّهة إلى الجنرال حسان، أنه اخترق مجموعة إرهابية ليبية في وقت سابق، وأبرم معها “صفقة سرية”، فاشترى منها أسلحة متطورة وخطيرة، مهرّبة من مخازن السلاح الليبي، بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وقام بعدها “الجنرال” بإدخال الشحنة “الحربية” إلى الحدود الجزائرية، لكن هذه الأخيرة “اختفت فجأة”(…)، وهو ما تمّ اكتشافه بعد ما تمّ توقيف “جماعة حسان” من طرف فرقة تابعة للقوات المسلحة في عملية مباغتة!
ثاني أخطر قضية ثقيلة تواجه الجنرال حسان، حسب متابعين للملف، “ملف تيغنتورين”، حيث تشير أنباء، إلى “علم” مسؤول مكافحة الإرهاب في جهاز المخابرات سابقا، بمعطيات أولية تفيد بمخطط لتنفيذ اعتداء إرهابي وشيك على قاعدة بترولية بالجنوب، وذلك قبل، أن يقع الهجوم على تيغنتورين، وما تبعه من عملية تدخل استعراضية، ما لقي امتعاضا كبيرا من قبل قادة عسكريين وميدانيين بسبب ثقل حصيلة الضحايا!
ويشير قدماء، إلى “علاقة غريبة” بين الفريق توفيق والجنرال حسان، تقرؤها بعض المؤشرات، من بينها أن الأخير عندما كان مسؤولا عن جهاز “السكورات”، ضمن مديرية الأمن الداخلي، التابع أنذاك للمخابرات، كان يتجاوز مسؤوله المباشر ضمن الدائرة، وينقل تقاريره بشكل مباشر إلى الجنرال توفيق، ورغم أن هذا الأخير، كان يتلقى “شكاوى” من هذه “التجاوزات والاستفزازات”، إلا أن الفريق لم يتفاعل وكان يتجاهلها.
ويُجمع قدماء جهاز المخابرات و”الأمن العسكري”، من الـ“sm” إلى “drs”، أن الجنرال محمد مدين، ورث جهازا قويا، شكله على مراحل وبالتدريج، الرئيس الراحل العقيد هواري بومدين وقاصدي مرباح والجنرال لكحل عياط، ليستلم “المهمة الصعبة”، في مرحلة جديدة، الجنرال توفيق، بعد “سقوط” الجنرال محمد بتشين بداية التسعينيات.
ردّ اعتبار بعد 25 سنة من التهميش
..غير أن محمد مدين وقع في المحظور وبدأ مساره بارتكاب أخطاء إستراتيجية جسيمة، من خلال اعتماده على إطارات -يقول قدماء – أنها لم تتلق تكوينا نظريا وعمليا متدرّجا ومتكاملا، من بينهم الجنرال حسان، الذي تدرّج حسبهم على طريقة التسلـّق في ظروف أثارت الكثير من التساؤلات المكتومة، في ذلك الوقت، ولذلك تعرّضت في تلك المرحلة الحاسمة والخطيرة من تاريخ الجزائر، الكثير من الكفاءات خريجة الجامعات والمعاهد العسكرية العليا، إلى التهميش والإبعاد، وأحيانا تعرّضها إلى الاحتقار و”التكسار“.
ويقول قدماء، أن من بين الثغرات التي أحاط بها الجنرال توفيق دائرته الضيقة، أنه لم يكلـّف نفسه عناء التنقل إلى الولايات، طوال الـ25 سنة التي تولّى فيها مسؤولية المخابرات، من أجل تفقـّد عناصر ووحدات الجهاز، وهو ربما ما جعل “الرجل الشبح” دائما بعيدا عن الأضواء، وبلا صوت ولا صورة، باستثناء بعض الصور النادرة المسرّبة من هنا وهناك.
هذا الوضع غير الطبيعي داخل جهاز المخابرات في عهد الجنرال توفيق، فجّر حالة استياء وقلق وارتباك، لم ينته إلاّ بعد سلسلة التنحيات والعزل التي وقـّعها على مراحل، رئيس الجمهورية، بصفته وزير الدفاع الوطني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، انتهت بإقالة الفريق توفيق، وتعيين اللواء بشير طرطاق خلفا له، على رأس المخابرات، على ضوء التغييرات والعملية الجراحية الدقيقة التي خضع لها الجهاز ضمن مسار استكمال مهمة احترافية الجيش.
عملية “التشبيب” حسب متابعين لمسيرة “التعديل” الذي كان صادما ومؤلما بالنسبة لـ”جماعة توفيق”، فسحت المجال والآمال لجيل جديد من الضباط والإطارات المحترفة والمكوّنة والحاملة لشهادات عليا في مختلف التخصصات، بينهم ضباط جامعيون مختصون مشهود لهم بالاستقامة، يشرفون حاليا على مختلف المديريات الرئيسية لجهاز الاستعلامات، وهو ما يُعتبر في شق آخر، “ردّ اعتبار” لهذه الكفاءات المهمشة والمُبعدة، لعدّة سنوات من دائرة المشاركة في تطوير مديريات الجيش الجزائري بما تمليه التطورات التكنولوجية العالمية، وبما تفرضه أيضا المستجدات الأمنية إقليميا ودوليا.