-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بينما كسرت هجمات الشمال القسنطيني هيبة فرنسا

مؤتمر الصّومام ساهم في تفعيل الثورة وتعبيد الاستقلال

صالح سعودي
  • 1131
  • 4
مؤتمر الصّومام ساهم في تفعيل الثورة وتعبيد الاستقلال
أرشيف

عرفت الثورة التحريرية الكبرى عديد المحطات الهامة والمصيرية، خاصة في بداياتها الأولى، وفي الوقت الذي أشعل فتيلها بموجب بيان الفاتح نوفمبر 1954، فقد كان لها متنفس جديد من خلال هجمات الشمال القسنطيني يوم 20 أوت 1955، وتلتها خطوات تنظيمية وهيكلية، من خلال مؤتمر الصومام الذي عقد بعد مرور عام كامل عن هجمات الشمال القسنطيني، ما جعل 20 أوت تاريخ مزدوج يرمز لهجمات الشمال القسنطيني 1955 ومؤتمر الصومام 1956.

أعطت الثورة التحريرية الكثير من الدروس والعبر في محاربة الاستدمار الفرنسي الغاشم، حيث تحتفظ أحداثها وتحولاتها بمختلف صور الصمود والكفاح لاستعادة الحرية المسلوبة، ما جعل سنواتها الأولى مملوءة بالكثير من التحديات للبرهنة على مختلف الأصعدة، ففي الوقت الذي أشعل فتيلها من بوابة جبال الأوراس، وهذا بعد الاجتماع الحاسم الذي عقد ليلة الفاتح نوفمبر بدشرة أولاد موسى بإشمول (باتنة)، حيث تم تقسيم الأفواج والأسلحة والذخيرة، بشكل كشف نية الشهيد مصطفى بن بولعيد ورفاقه ضمان قوة الانطلاقة، مع الحفاظ على فتيل الثورة وتسيير دواليبها بصفة تدريجية، فكانت هجمات الشمال القسنطيني يوم 20 أوت 1955 بمثابة نفس جديد للثورة للتعريف بها وتوسيع رقعتها الجغرافية، وبالمرة وضع العدو الفرنسي أمام الأمر الواقع، فإن مؤتمر الصومام الذي عقد في نفس اليوم من العام 1956 وصفه الباحثون على أنه منعرج هام في تاريخ الثورة، بعد القيام بخطوات ميدانية من الناحية التنظيمية والهيكلية، إضافة إلى تقليد الرتب واتخاذ قرارات مختلفة، مثل تأسيس لجنة التنسيق والتنفيذ وإعادة تقسيم الولايات وغيرها من القرارات لمواصلة الحفاظ على وهج الثورة وتوسيع صداها في الداخل والخارج.

بين فك الحصار وتحطيم هيبة الجيش الفرنسي

حملت هجمات الشمال القسنطيني يوم 20 أوت 1955 الكثير من الأهداف والغايات، حيث جمعت أساسا بين فك الحصار على منطقة الأوراس، وبالمرة توسيع رقعة الثورة، والسعي إلى تحطيم أسطورة الجيش الفرنسي الذي لا يقهر، فجاءت بذلك هذه الهجمات كرد فعل على محاولة العدو الفرنسي تطويق وإخماد الثورة التي اندلعت في جبال الأوراس ومناطق أخرى في الفاتح نوفمبر 1954، وكذا العمل على دعم جهود جبهة التحرير في نضالها السياسي، فكان بذلك التخطيط الذي قام به الشهيد زيغود يوسف بالتنسيق مع نائب الولاية الأولى شيحاني بشير قد أعطى دفعا مهما من الناحية العسكرية، ناهيك عن توسيع صدى الثورة في الداخل والخارج. فعندما حل شهر أوت 1955 كانت الثورة التحريرية قد خطت سنتها الأولى في مسيرتها ضد العدو الفرنسي، وهذا تتمة للجهود المبذولة لتوعية الشعب وحشد المناضلين وتوعيتهم، إضافة إلى تأسيس فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، وإنشاء الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين صائفة 1955. وقد صب كل هذا في دائرة توسيع رقعة الثورة عسكريا وجغرافيا وجماهيريا، وهذا رغم ما تعرض له بعض مفجري الثورة، كاستشهاد ديدوش مراد واعتقال مصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط وغيرهم.

مكاسب سمحت بالرد على إشاعات فرنسا للتأثير على الثورة

وقد حققت هجومات الشمال القسنطيني عدة أهداف هامة أعطت دفعا مهما من الناحية العسكرية والسياسية، وكذا نقل الثورة إلى مختلف مناطق الشمال القسنطيني، إضافة إلى تكسير الحصار الممارس على الولاية الأولى التاريخية باستهداف عديد القواعد العسكرية بالمنطقة، وهو الأمر الذي سمح بقلب الموازين لمصلحة جيش التحرير الوطني الذي حطم هيبة وأسطورة الجيش الفرنسي الذي لا يقهر، مع تحطيم الإشاعات والادعاءات التي كانت تروجها السلطات الفرنسي للتأثير في سيبر الثورة وسمعة المجاهدين، فكانت نتائجها مهمة على جميع الأصعدة، بحكم أنها استهدفت المنشآت والمراكز الحيوية الاستعمارية، ومراكز الشرطة والدرك في المدن؛ ومزارع المعمرين في القرى والأرياف، ما سمح بظهور الثورة في المدن وتوسيع رقعة الثورة وانضمام الشعب لها وكذا إدراج الملف الجزائري في الأمم المتحدة يوم 30 أوت 1955.

مؤتمر الصومام أعطى دفعا هاما للثورة تنظيميا وهيكليا

وإذا كانت هجومات الشمال القسنطيني قد حطمت أسطورة الجيش الفرنسي، وجعلت الشعب يؤمن بقدرته على قهر الاستدمار لنيل استقلاله واستعادة كرامته، فإن عقد مؤتمر الصومام يوم 20 أوت 1955 قد أعطى دفعا هاما للثورة من الناحية التنظيمية والهيكلية. وقد اختيرت قرية ايفري بأوزلاقن داخل غابة أكفادو بوادي الصومام غرب بجاية، وهذا بناء على موقعها الإستراتيجي الأكثر أمنا، واختير 20 أوت لكونه يصادف الذكرى الأولى لـهجوم الشمال القسنطيني. وقد خرج هذا المؤتمر بوثيقة هامة اعتبرت الوثيقة الثانية بعد نداء أول نوفمبر 1954، حيث احتوت على عديد القرارات التي وصفها الكثير بالهامة والحاسمة، وفي مقدمة ذلك تشكيل قيادة عامة موحدة ممثلة في المجلس الوطني للثورة CNRAيتكون من 34 عضوا، ويعد بمثابة الهيئة العليا للثورة، وكذلك تأسيس لجنة التنسيق والتنفيذ CCE التي تتألف من 05 أعضاء اختيروا من بين الأعضاء الذين يؤلفون المجلس الوطني للثورة، إضافة إلى تقسيم التراب الوطني إلى 6 ولايات تاريخية.

مؤتمر المؤتمر.. قيادات حضرت وأخرى غابت

ومن بين الجوانب التي عرفها مؤتمر الصومام هو حضور عديد القيادات الفاعلة، وفي مقدمة ذلك عبان رمضان الذي وصفه البعض بمهندس المؤتمر، مثلما سجل الجيل الأول من قيادات الثورة تواجده، في صورة العربي بن مهيدي وأعمر أوعمران وزيغود يوسف وكريم بلقاسم والأخضر بن طوبال، في الوقت الذي غاب بعض القادة البارزين من داخل وخارج الجزائر مثل غياب ممثلي الولاية الأولى التاريخية، حيث تزامن ذلك مع استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد في نهاية مارس من ذات العام، أي قبل 5 أشهر عن موعد عقد المؤتمر، وهي مسائل لا تزال تثير الكثير من النقاش بين الباحثين والمتتبعين وحتى رفقاء السلاح.

تقسيم البلاد إلى ولايات ونواح والجيش إلى رتب

ومن بين أبرز القرارات المتخذة هو تقسيم البلاد إلى ولايات ونواح عسكرية والجيش إلى رتب، وبخصوص تقسيم التراب الوطني إلى ست ولايات تاريخية التي خرج بها مؤتمر الصومام، فإن كل ولاية مقسمة إلى مناطق وكل منطقة مقسمة إلى نواحي، وكل ناحية تشمل على قسمات وهذه الولايات هي الولاية الأولى (الأوراس) والولاية الثانية (الشمال القسنطيني) والولاية الثالثة (القبائل) والولاية الرابعة (العاصمة وضواحيها)، أما الولاية الخامسة فتخص القطاع الوهراني في حسن استحدثت الولاية السادسة التي تمثل الصحراء الكبرى، حدث ذلك تزامنا مع تنظيم هياكل الثورة ووضع الإستراتيجية الضرورية لمواصلة الثورة حتى النصر. كما تم توحيد النظام العسكري والسياسي، حيث وضعت رتب عسكرية والعلامات التي ترمز لها. وفي السياق ذاته فقد تم وضع خريطة جديدة للبلاد وفقا لظروف الثورة وتطورات الثورة، والحرص على تفعيل مستوى المبادرة، والتنسيق بين مختلف القوى والجهات لإعطاء نفس فعال للثورة، علما أنه تقرر استبدال تسمية المنطقة باسم الولاية، والناحية بالمنطقة، والقسم بالناحية، إضافة إلى إحداث القسمة، ومنطقة العاصمة المستقلة، واتحاديات جبهة التحرير في فرنسا والمغرب وتونس.

ملاحم بطولة لقهر الاستدمار وتعبيد طريق الاستقلال

من جانب آخر، فقد وضع مؤتمر الصومام إستراتيجية للعمل المستقبلي للثورة، والتي كانت تهدف إلى إضعاف الجيش الفرنسي، مع توظيف جميع الجهود بغية الإخلال بالوضع في فرنسا وخلخلتها من الداخل اقتصاديا واجتماعيا، والحرص في الوقت نفسه على توسيع دائرة مؤازرة الشعب الجزائري في وجه البطش الاستعماري الفرنسي، مثلما قرر المجتمعون إقامة المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي كانت تتكون من 34 عضوا، ولجنة للتنسيق والعمل التي كانت تضم خمسة أفراد، وهي خطوات منحت الإضافة اللازمة لضمان استمرارية الثورة بغية تعبيد الطريق نحو نيل الاستقلال، وهذا بصرف النظر عن بعض المآخذ عن بعض مجريات المؤتمر وقراراته حسب رأي بعض الأطراف، خاصة ما يتعلق بغياب الولاية الأولى التاريخية عن أشغال المؤتمر، وهذا رغم تأكيد بعض قياداتها على تلقي 4 دعوات، إلا أن المحنة التي مرت بها بسبب الخلافات الحادة بعد استشهاد مؤتمر الصومام خلف متاعب بالجملة على واقعها ومستقبلها، بدليل أن قرارات مؤتمر الصومام تضمنت إرسال مبعوثين لدراسة أسباب تخلف ممثلي الولاية الأولى عن الموعد، حيث تم إرسال زيغود يوسف الذي استشهد في الطريق، وتم إيفاد أسماء أخرى لم تصل للمكان فغيرت المسار نحو جهات أخرى، فكان الوحيد الذي حل بالأوراس هو الشهيد عميروش الذي فشل في تسوية خلافات القيادة في الأوراس، بل زادت تعقيدا بعد ذلك. ولو أن كل هذا لا يقلل الكثير من الإيجابيات التي خرج بها مؤتمر الصومام الذي عرف كيف يضع الثورة في السكة لمواصلة مسيرة مكافحة الاستدمار الفرنسي الذي رضخ في النهاية لمطلب الجزائريين القاضي بنيل البلاد استقلالها وكرامتها، وهو الأمر الذي تجسد يوم 5 جويلية 1962، بعد مفاوضات سياسية واكبتها ملاحم وبطولات عسكرية في المدن والأرياف وفي القرى والمداشر من طرف رجال ونساء رفضوا أن تبقى الجزائر تحت ظلم وظلام الاستدمار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • مشاكس

    هل هاذاك بومدين اللي على يسار الصورة ؟

  • Rezak

    بالرجوع للمراسيم الفرنسية لسنة 1958 المتعلقة بالجزائر المتضمنة كيفية تعويض المعمرين عن أملاكهم ، فإن استقلال الجزائر كان مؤكدا سنة 1957 ، أي أن التأخير لغاية سنة 1962 هدفه كيفية إدخال العملاء ضمن هرم السلطة الجزائرية

  • موسطاش

    و الله ما فهمنا والو في هذا المؤتمر، مرة هو تصحيح لمسار الثورة و إنعاش لها و مرة هو خيانة لمبادئ بيان أول نوفمبر و خروج عن الخط الذي رسمه مفجرو الثورة الأوائل ؟ كل طير يلغى بلغاه !

  • الأمين

    تعبيد طريق الإستقلال و ليس تعبيد الإستقلال