الجمعة 30 أكتوبر 2020 م, الموافق لـ 13 ربيع الأول 1442 هـ آخر تحديث 17:08
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

ماذا عملنا للحفاظ على هويتنا؟

محمد بوالروايح كاتب وأستاذ جامعي
أرشيف
  • ---
  • 8

 كثر الجدل هذه الأيام حول الهوية وكأني بمن يتولون كبره يريدون إقحامنا في “صراع هويات” نحن في غنى عنه، فالهوية في أدبياتنا الدينية والوطنية ثابت لا يقبل التغيير لأنها الوعاء الذي انصهرت فيه مقوماتنا ومكوناتنا على مر العصور وكر الدهور فجعلت منا شعبا واحدا متحدا.

لقد تشكل كياننا الهوياتي من اجتماع ثلاثة عناصر: العنصر الإسلامي، والعنصر اللغوي والعنصر الوطني، وهذه الثلاثة- على حد تعبير شيخنا عبد الرزاق قسوم أطال الله في عمره، هي بمنزلة الثالوث الأقدس في مواجهة الثالوث المدنَّس، ثالوث الاستعمار والتغريب والإدماج. إن الكيان الهوياتي هو تعبير عن الكينونة الوجودية، والاستقلالية الشعورية حيال دين خاتم وضاد ممتع ووطن جامع. إن الهوية بهذا المعنى الكلياتي يجب أن لا تتحول إلى مادة للسجال والجدال وعمل الخيال، ويجب أيضا أن لا تتحول إلى ملكية فردية أو رؤية أحادية يصوغها بعضنا ويسوّقها في قالب فلسفي لغرض التفليس والتلبيس والتدليس، في مشهد بائس يهيمن عليه السوء من كل جانب فتتكرر فيه حكاية “إن البقر تشابه علينا”، ويجب أيضا أن لا تتحول الهوية إلى بطاقة “حمراء” نشهرها في وجوه من يخالفنا فكريا أو سياسيا فنكيل له من التهم ما ظهر منها وما بطن، وندرجه في خانة الخائنين والمغضوب عليهم.

 إن الإسلام في الجزائر عنصرٌ هوياتي جامع، إنه ليس قومية ولا عرقية ولا فكرة شرقية ولا غربية، إنه الهداية الإلهية التي جاء بها صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، نقلها الخلف عن السلف. لقد جمع الإسلام بين المكونات العربية والأمازيغية وغيرها وألَّف بينها “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم”، ليس بعد هذا لقائل أن يقول إن الفاتحين العرب “جماعة غازية “وإن الفتح الإسلامي “غزو منظم”، فحسب من يدعي هذا الهراء أن يعود إلى الوثائق التاريخية ليعرف حقيقة الفتح الإسلامي، وكيف سعت القبائل الأمازيغية إلى احتضان الفاتحين المسلمين بعد أن ذاقوا الأمرّين على يد الحكام الرومان الذين ساسوهم بالحديد والنار ردحا طويلا من الزمن. إن الإسلام ركن ركين من أركان الهوية التي لا يمكن لأحد إنكارها أو محوها من الجزائر لأنها اختلطت بأديم هذه الأرض وأصبحت جزءا لا يتجزأ من التاريخ والجغرافيا. إن الإسلام في الجزائر لم يكن في يوم من الأيام مادة للجدال لأنه يمثل القيمة المطلقة والغاية المتحققة، إنه ليس صناعة بشرية يعتريها النقص فتحتاج إلى من يكملها وليس فلسفة ماورائية أو فلسفة سفسطائية تصادم العقل ولا تساير مقتضيات العصر. إن التنصيص في الدستور الجزائري على أن “الإسلام دين الدولة” هو تعبيرٌ عن وجهة وصبغة هذه الأمة وليس فيه ما ينافي الحريات لأن الإسلام هو دينُ الحرية فليس من المقبول أن يُتهم بوأدها، حقيقة تطالعنا بها التقارير العالمية عن رغبة دولية متزايدة للاستفادة من أحكام الشريعة الإسلامية ومن جماليات وأخلاقيات الإسلام، ومن ثم فكل فكرة مغالية ومعادية للإسلام تُدرج بيقين في سياق الفكر الأيديولوجي المتطرف الذي يسبح أصحابُه ضد التيار ويمثلون نموذجا رديئا في عالم الأفكار.

واللغة العربية أيضا عنصرٌ هوياتي جامع، فهي أكبر من كونها جنسا لسانيا، إنها اللغة التي اختارها الله لينزل بها آخر كتبه “إنا أنزلناه بلسان عربي مبين”. قد يقول قائلٌ إن هذه اللغة لا تصلح إلا للخطابيات والشعريات والأدبيات ولا شأن لها بإدارة الحياة، ونرد عليه بأن هذا ليس ذنب العربية بل ذنب أهلها. أنا من دعاة الانفتاح اللغوي ولكن ولائي الأول والأخير للغة الضاد التي أرفض المساس بقدسيتها والإساءة إليها والانتقاص من مكانتها فتمسكي بالعربية عقيدة لا يثنيني عنها أي ناعق ينعق بما لا يسمع.

والجزائر أيضا، عنصر هوياتي جامع، نؤمن بها عصية على التقسيم، عصية على دعاة الفتنة الذين يبررون خيانة الوطن بأنها “حرية تعبير” ويبررون خيانة التاريخ والجغرافيا بأنها “حرية تفكير”. من حق الجزائر علينا أن نحفظ وجودها وحدودها، فوطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه. قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: “أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليّ تلك الروابط لأجله -كجزء منه- فروضا خاصة، وأن أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة. فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة”. من يضيق بالجزائر ويرضى أن يكون يدا عليها، خادما لأبواق الداخل والخارج المتكالبين عليها فليس منا، لا مرحبا به ولا أهلا ولا سهلا وعليه أن يبحث عن وطن بديل.

من واجبنا جميعا أن ندافع عن هويتنا وأن ننتفض في وجه المتآمرين عليها سرا وعلانية، ومن الطبيعي أن تأخذنا الغيرة على الهوية فنقذف بأطماع الحالمين وأفكار العابثين بها إلى الهاوية. ليس من حقنا أن ندعي أننا وحدنا حراسُ الهوية ثم لا تصدق أقوالنا أفعالنا ولا نعمل شيئا للحفاظ على هذه الهوية. فماذا عملنا لإيقاف موجات التحريف والتخريف التي تستهدف مرجعينا الدينية؟ وماذا عملنا لإبطال مخططات التغريب التي تهدد منظومتنا التربوية غير النقد الجارح والتهجّم القادح؟ وماذا عملنا لترشيد الفكر غير “التهارش” والتناوش الفكري الذي لا يسمن ولا يغني من جوع؟ وماذا عملنا لترجمة قيم الإسلام الكونية إلى واقع ملموس غير التباهي بالنصوص؟. وماذا عملنا لحماية لغة الضاد التي تتعرّض لحملات تشويه لم تشهدها في عصورها الأولى؟ وماذا عملنا لحماية العربية الفصحى التي غزتها بعض اللهجات فأفسدت قواعدها وكسرت بنيتها؟.

يحضرني في هذا الصدد كلامٌ رائع للمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مقال له بعنوان “في الدفاع عن الهوية” يقول فيه: “هناك كذلك محاولة لضرب الفصحى، وعاء الذاكرة التاريخية، وبدون هذه الذاكرة التاريخية وبدون الفصحى يتحوَّل الإنسان العربي إلى الإنسان ذي البُعد الواحد الذي يمكن التنبؤ بسلوكه ويمكن توجيهُه ليستهلك السلع التي تنتجها له الشركاتُ عابرة القوميات والحدود والهويات. أما الإنسان الذي لا يدخل ضمن هذه المنظومة فإنه إنسانٌ غير استهلاكي وبالتالي فهو بوسعه مقاومة هذه المنظومة”.

وماذا عملنا لحماية وطننا من مخططات المفسدين الذين اتخذوا من الحرب على الجزائر دينا وديدنا لهم يعيشون لها وينفقون الأموال في سبيلها ويعدون “الرجال” لتحقيقها؟ وماذا عملت نخبنا الفكرية والثقافية لخدمة الفكر الوطني؟

 إن الهوية ليست برنامجا حزبيا أو انتخابيا ولا مقولة فلسفية، بل العمق وكل الأفق، هي التاريخ والجغرافيا وكل ما يرمز إلى أصالة هذا الشعب. نحن في زمن التحديات والصراعات العالمية الكبرى التي تمثل الهوية مادتها الدسمة، فإما أن نثبت أهليتنا للدفاع عن هذه الهوية وإما أن نعطي القوس باريها.

مقالات ذات صلة

  • ماكرون في أزمة!

    "أعتقد أنَّ المسلمين يعطوننا درسا.. فهم محقون في هذا الاتجاه، درس في التصدي للمادية.. إنهم أشخاصٌ لديهم روحانية، ولديهم أخلاقياتٌ، ولديهم التزام أخلاقي، لديهم قيمٌ…

    • 731
    • 1
  • ضربةٌ موجعة للعجرفة الفرنسية

    الآن وقد أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حربا ضارية على الإسلام والمسلمين، وأبدى إصراره على المضيّ قُدما في تشجيع من يعتدي على الرسول صلى الله…

    • 2366
    • 8
600

8 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • عبدالله FreeThink

    اعطيني كتابا واحدا أو مرجعا تاريخيا قديما ذكر “الأمازيغية ” التي ذكرتها ، قبل بن خلدون (التي زورت كتبه قبل أن تصلنا من عند الغرب ومع ذلك ذكر فقط كلمة مازيغ وليس أمازيغ وعن روايات شفهية في محيطه فقط بدون الإعتبار بالمصادر العربية القديمة لعلماء المسلمين الكبار) …
    إعطيني كتابا واحدا كتب بتلك اللغة التي لاتوجد أصلا .. .
    الذين ذكروا هم البربر ( وهم ليسوا لقبايل فقط ، بل مجموعات متعددة ، معظمهم جاء من جزيرة العرب ، عمالقة من ثمود وعاد ، أو فينيقيون ، أو حميريون وسبأيون مثل كتامة وصنهاجة) .. وعد لكتاب زميلك “عثمان سعدي” (البربر عرب عاربة) .
    أعد قراءة بيان 1 نوفمبر
    عند ذلك سنتفق .

  • TAFOUGT

    ماذا عملنا للحفاظ على هويتنا؟ …أعلنا عليها الحرب ثم تنكرنا لها وبعد ذلك حاولنا تسلق هوية أخرى .. والحكيم يقول : تنكرت لهويتك ورفضتك الهوية التي تريد تقمصها . فمن أنت ؟

  • محمد قذيفه

    جزائر الشهداء صهرهاالاسلام في بوتقة واحد ة منذ مئات السنين منذ عبور طارق الى الاندلس حيث عججنت أشلاؤهم وأجسادهم بهذه التربه المباركة وكذلك كان شهداء نوفمبر الذين تحولوا الى اسمنت مسلح لربط الأخوة الجزائريه برباط وثيق يغلفه حب عميق بين افرادها فالجزائر عصيه عن الأعداء ،ولا أخاف الا من أبنائها العاقين الذين لم يفطموا عن حب لغة فرنسا وعاداتها

  • يوغرطة

    السكان الاصليون الشرعيون الوائل للجزائر ووكل شمال افريقيا هم الامازيغ البربر وليس العرب فالعرب قدموا من جزيرة العرب حاملين رسالة الاسلام واندمجوا مع السكان الاصليون
    واليوم ينكر العرب علي البربر لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم وهويتهم عنصرية وقومية عربية متزمة
    العرب ينكرون عللي السكان الاصليين بان يتكلموا لغتهم الام ويتهمونهم بالخيانةوالعمالة لفرنسا -نسي العرب خيانتهم لفلسطين ارضهم العربية وتطبيعهم مع اليهود وعمالتهم للصهاينة ولامريكا الصليبية –

  • Jamal

    الجزائر وشمال إفريقيا أرض أمازيغية ،، شعبها يتكلم اللهجات العربية والأمازيغية

  • adrari

    وماذا يمكنك ان تعمل مع مسؤولين عنصريين محاربين للعربية والاسلام على اشكال “” احمد اويحيى”” والكثير منهم يمسكون على رؤوس الاداراة في الدولة………. يجب تطهير الادارة الجزائرية من اؤلائك العنصريين

  • Farid

    لقد قالها الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة من زمان بأنه عاجلا او آجلا سينهض الأمازيغي ليعيد لشمال افريقيا هويتها الأصلية الحقيقية.
القرن الواحد والعشرين هو قرن التحرر واستعادة الأمازيغي لهويته المطموسة وانتمائه المسلوب واسترجاع شخصيته الأمازيغية الحقيقية لينهض ويشرع في البناء والتقدم والتطور الحقيقي.

  • موسى

    والامازيغية قادمة من الجزيرة العربية

close
close