ملامح من السياسة الثقافية الفرنسيّة في الجزائر المستعمَرة ( الجزء الثالث)
الجدير بالإشارة أنّ الباحثين تواطئوا مع سلطة الاحتلال، إذ تجاهلوا سِيَر النّساء الشّهيرات وتراجمهن وفعاليتهنّ في المجتمع الإسلامي، لأنّ إبراز ذلك يتعارض مع الصّورة التي حاولوا تسويقها عن الإسلام، ومنها المكانة التي حظيت بها المرأة في ظلّه.
ينبغي أن لا يعزب عن البال، أنّ مفكّري الغرب حتى القرن 20م كانوا كلّما تحدّثوا عن حقوق الفرد، تصريحا أو تلميحاً، فإنّهم قصدوا الرّجل؛ ففي بريطانيا مثلا، لم يكن للمرأة حقّ الاحتفاظ لنفسها بالمال الذي تكتسبه إلاّ في العام 1882م، وهو القانون الذي وضعه أصحاب المصانع كي يتمكّنوا من جرّ النساء إلى المصانع.
10. لجأ المحتلّ إلى بديل آخر حدّد وجهته أحد ممثّليه حين قال:» … ينبغي البحث عن من يسير على خطى حضارتنا وعاداتنا وكلّ معارفنا، ووسطاء بيننا وبين إخوانهم في الدين«. هذا المسعى، تجلّى فيما يُسمّى سياسة “التّثاقف الانتقائي” الموجَّه لفئة من المجتمع، عبر فضاء المدرسة لإعداد هذه الفئة التي سيكون ملمحها متناغما مع الصّورة التي رسمها ممثّل المحتلّ المشار إليه علاه، وذلك عبر تلقّي تعليم فرنسيّ بحت بشتّى مراحله. وعمليّة “نزع ثقافي” لمن تمّ انتقاؤهم، اعتمادا على مثاقفة أحاديّة الاتّجاه، تتجاوز نظامهم المعرفي.
ذلك ما أشار إليه “جونار” في العام 1908 حين قال: »… ليس قدَرا على الأهالي أن يُفرض عليهم تعليمٌ مِهنِي محض أو مجرّد تعليم عمليّ… إنّ التّحرير الفكري والتّربية الأخلاقية معطياتٌ أُخذت في الاعتبار… إنَّ من تمام مصلحتنا الكبرى أن نخلق منهم نخبة مفكّرة قادرة على نشر أفكارنا ومبادئنا حول العدالة والتقدم؛ نخبة بورجوازية محافظة ووفيّة بالتزاماتها إزاءنا« . هذه السياسة، انتهجتها إنجلترا في مستعمراتها، وأوضح أبعادها “ماكولي” حين كتب قائلا: »… يجب أن يكون هدفنا هو تكوين طبقة من الرّجال الذين سيتولّون مَهمّة ترجمة أفكارنا بيننا وبين الملايين التي نحكمها، طبقة مُشكّلة من هنود في الدّم والجلدة، لكنّهم إنجليز في الذّوق وفي الرأي وفي العادات«. وقد كان هذا التوجّه استشرافا؛ إذ فكّروا إنّه حتى وإن تمّ الجلاء عن الجزائر، فإنّهم قد مكّنوا لثقافتهم من خلال هذه الفئة التي ستكون بديلا عنهم وتضمن لهم استمرارية توطّن مرجعيتهم.
بالفعل، تمكّنت مدرسة المستعمِر من ملامسة شخصيّة هؤلاء المنتقين في أعمق أعماقها، وتجريدهم ممّا يحمله أيُّ فرد في أعماق لا شعوره، وهي ثقافته الأصليّة التي تعني التّمايز عن الآخر، والاتّصاف بملامح ذاتيّة تختلف عنه، كما تعني على المستوى القيمي، الوعي بالذّات وحقيقتها الوجودية، وإدراك لتميّزها ولحدودها الزّمانية والمكانية، ولرسالتها الأخلاقية وما يرتبط بها من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية؛ إذ إنّ الباحثين في شأن “التّثاقف” يؤكّدون على أنّه لا وجود لثقافة مانحة وحسب، ولا لثقافة مُتلَقيّة وحسب، وما سواهما هو انجذاب، وانخراط تامّ في ثقافة الآخر، وهو الظّاهرة المعروفة بالاستلاب والتي عبّر عنها “ألبير ميمي” بشكل جيّد.
بخصوص بعض تداعيات هذه السياسة، يمكن الإشارة إلى الآتي:
– يرى البعض أنّ حضارة الآخر قد فرضت سيطرتها على العالم، واكتسبت مركزيّة بحكم الانتصارات العسكرية والتقنية والتنظيمية التي حقّقتها، وراحت تطرح نفسها على أنّها مستقبلُ البشرية جمعاء، وعلى الجميع أن يستجيب لهذا التحدّي شاؤوا أم أبوا. لكن –فيما نعتقد- أنّ المنطلق هو البحث عن كيفيّة الاستفادة من بعض ثمرات هذه الحضارة، من دون المساس بهويّة المجتمع وقيمه، بدلا من التحوّل إلى منافح عن الرّوح الفرنسيّة، التي أصبحت تشكّل خارطة معرفيّة، والضّرب صفحا عن الماضي الحضاري، والقطيعة معه.
– منذ استنبات هذا التوجّه في المجتمع في العقدين الأوّلين من القرن العشرين، أصبح متبنّيه يلوكون ما دأب المحتلّ ومنظّروه على ترويجه، ومنها القول إنّ هناك حضارةَ الرّجل الأبيض الذي ينبغي أن يقود العالم، ولا يمكن الاعتراف بالآخر المغاير، وبثقافته وحضارته إلاّ في حدود التّبعية، والإلحاق الثقافي والحضاري، وهناك عالم وحيد يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمّة الوحيدة والحضارة الوحيدة، وما سوى ذلك مرفوض، ويبدو أنّها هي الهداية التي كان يقصدها ذلك المتدخّل في أشغال مؤتمر القدس المُشار إليه سابقا.
بالفعل، تمكّنت مدرسة المستعمِر من ملامسة شخصيّة هؤلاء المنتقين في أعمق أعماقها، وتجريدهم ممّا يحمله أيُّ فرد في أعماق لا شعوره، وهي ثقافته الأصليّة التي تعني التّمايز عن الآخر، والاتّصاف بملامح ذاتيّة تختلف عنه، كما تعني على المستوى القيمي، الوعي بالذّات وحقيقتها الوجودية، وإدراك لتميّزها ولحدودها الزّمانية والمكانية، ولرسالتها الأخلاقية وما يرتبط بها من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية.
– إنّ جلد الذّات، أمرٌ مرغوب فيه، وعمليّة جديرة بالتّقدير والتّنويه، لكن ينبغي أن لا يكون ترديدا لطروحات المحتلّ. ثمّ، إنّ جلد الذّات لا يعني التخلّص من هذه الذات، واستعاضتها بذات أخرى.
– إنّ تلاقح الثّقافات ظاهرة عرفتها المجتمعات عبر التّاريخ. لكن ليس النّزع الثّقافي المتمثّل في استهجان مرجعيّة المجتمع، والترفّع عن اللغة، ولا فكر سوى ذلك الفكر الذي نهل منه، ولا خلاص للمجتمع، إلاّ باستعارة المنظومة الفكرية للآخر بقضّها وقضيضها.
– إنّ الفرد حين يفضّل لغة على لغة، فإنّه فضّل فكرا على فكر، وثقافة على ثقافة، ثمّ أن يتحدّث الفرد بلغة، ويفضّل استخدام هذا الشّكل دون الآخر، فهو شيءٌ يتجاوز مجرّد الاستخدام لأداة من أدوات التّواصل، بمعنى، إنّ لاختياره دلالة، كما أنّ لمحتوى الرّسالة دلالة في الوقت نفسه. لذا، فالتشبّث بلغة وتقمّص روح الثقافة التي تحملها، يستتبعه ولاءٌ سياسي لأصحابها، وبذلك يُوسم بـ”الأنجلوفيلي” من اختار اللّغة الأنجليزية، أو “الفرنكوفيلي” إن ارتمى في أحضان اللّغة الفرنسية، وهذا النّموذج هو من عمل “جانمير” منذ 1884م و”جونار” منذ العام 1910م على استنباته في الجزائر. وإذا أخذنا بمقولة المؤرّخ الفرنسي “فرناند برودل” إنّ “فرنسا هي اللّغة الفرنسية” فإنّ من يتشبّث بما يسمّى “الغنيمة” أصبح فرنسيّا، كون هذه الأخيرة ليست مجرّد أداة، بل كما قال -رجيس ديبراي-“فضاء حياة”.
– إنّ الوساطة التي كان يأملها المحتلّ من هذه الفئة لم تتحقّق، فأنّى لهؤلاء أن يكونوا وُسطاء وهم يفتقرون إلى الارتباط العضوي مع المجتمع، والمتمثّل في الحبل السُّرِّي الذي لا يمكن أن يتمثّل في غير اللّغة؟ هل أخطأ التّقدير، أم كان يروم شيئا آخر؟ نعتقد، أنّ المحتلّ لم يكن يجهل ذلك، وإنّما أراد أن يقدّم لـ”الأهالي” النّموذج/ الملمح لإنسان الجزائر العصريّة، المتماثلة مع “الوطن الأمّ” فرنسا. ولم تكن المسألة تتعلّق بسوء تقدير، بقدر ما أراد إحداث شرخ في النّسيج الاجتماعي والتّشويش على الهويّة الجزائريّة باستنباته لهذا النّموذج الذي تبنّى أطروحاته فيما يتعلّق بكينونة المجتمع، حتّى وإن تحرّرت الجزائر من قبضته. ومن ثمّة، هل الوساطة كانت تعني الوكالة، أو الإنابة عنه، في ديمومة هذا الشّرخ الذي أسّس له من خلال سياسته الثقافيّة؟
وهنا نتساءل: هل يمكن اعتبار طرح فكرة مشروع المجتمع باستمرار في الجزائر، بل، وسؤال: من نحن؟ هي “ثمرة” لهذه السياسة الثّقافيّة؟
ومع كل ذلك، ما تزال بعض الكتابات ترى بأنّ همّ فرنسا الاستعماريّة كان أساسا، هو البحث عن الرّخاء المادّي في هذا الحيّز الجغرافي (أي الجزائر)، ولم تكن تصريحات أساطين الاحتلال، ومن لفّ لفّهم بشأن المسائل الثقافية سوى مجرّد ألفاظ وتعابير، وفي أحسن الأحوال هي بدافع الوطنية العمياء!؟ وهيّ – في اعتقادنا- رؤية يُراد لها أن تتجذّر في الأذهان، حتى تُصرف الأنظار عن ذلك المسعى المُضني الذي كرّسه المستعمِر للتّمكين لمنظومته الثقافية/ الفكرية في الجزائر.