مواقع التواصل تحت مجهر الأمن
في وقت ينشغل فيه العالم بالتطور العلمي واستغلال الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة، تتسمّر فئة من رواد مواقع التواصل أمام الشاشات الذكية لمتابعة محتويات رقمية تافهة ومخلة بالآداب، أغلبها عبارة عن سب وشتم وترويج للرذيلة والخيانة الزوجية..ولأن السيل بلغ الزبى، تحركت النيابة العامة والمصالح الأمنية عبر الوطن، في حملة توقيف لـ “المؤثرين الرقميين”، الذين يروجون لفساد الأخلاق، أمر استحسنه المواطنون ودعوا لتوسيع الحملة الأمنية، لأن صناع المحتوى المعروفين بالتفاهة والفُجر في تزايد كالفطريات، وأصبح الوضع يتطلب حملة تطهير واسعة..
تمادى كثير من المؤثرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ضرب أخلاق المجتمع، وبات الشذوذ يمارس في فيديوهات على المباشر، وهو ما جعل المصالح الأمنية تتحرك عبر الوطن، لإلقاء القبض على بعض المؤثرين المعروفين بترويجهم للرذيلة والكلام الفاحش على مواقع التواصل الاجتماعي، فأخلاق المجتمع في انحدار، منذ تسيّد التافهون والمنحرفون منصات التواصل الاجتماعي، وصاروا يخاطبون الشباب والمراهقين مباشرة ويروجون لممارساتهم الدخيلة على المجتمع، وهو ما جعل كثيرا من رواد الإنترنت والمختصون في علم الاجتماع، يدعون إلى أخلقة مواقع التواصل الاجتماعي، عبر إلغاء متابعة الأشخاص الذين يتخذون من نشر الفضائح والعري والسب والشتم محتوى لقنواتهم الرقمية، بحثا عن المشاهدات والمداخيل المادية، في وقت طالب محامون باستمرار تحرك الجهات القضائية لردع هذه الفئة التي تروج للرذيلة وفساد الأخلاق في المجتمع.
ترويج للطلاق والتحرر من قيود الدين والأخلاق
تعفنت منصات التواصل الاجتماعي مؤخرا، لدرجة بات ما يسمون أنفسهم بـ “صناع المحتوى” يشجعون الشباب على الطلاق، ويحفزون المطلقات على إلغاء العدّة بمبرر أنها عادة قديمة لا تناسب المجتمع العصري حسب قولهم، كما خرجت إحدى المُؤثرات مؤخرا، لتعبر عن فخرها كونها أول مؤثرة تطلقت ولم تلتزم بالعدّة الشرعية وبأنها “رائدة” في تشجيع النساء على الطلاق، وبات تبادل الزوجين تهم الخيانة الزوجية موضوعا عاديا يُطرح على الملأ وتحت أنظار أطفالهم.
ويتواصل مسلسل طلاق المشاهير الجزائرييّن، آخرهم خروج طباخ معروف ليعلن انفصاله عن زوجته؛ مظهرا فرحته بزواجه الثاني، وهذا الموضوع قسم السوشل ميديا في الجزائر، بين مؤيد ومعارض للطباخ، لدرجة بات طلاقه من أكثر المواضيع متابعة عبر “اليوتيوب” في الجزائر، وهو ما استفز أئمة وجعلهم يخرجون مستنكرين تداول مثل هذه المواضيع، والتي تعتبر من الأسرار الزوجية، خاصة وأن الطليقين تبادلا تهم الخيانة الزوجية.
وبعدها مباشرة تعلن مؤثرة اجتماعية يتابعها مليون شخص عبر منصة إنستغرام، طلاق شقيقها الذي تزوج منذ أسبوع فقط، ليدخل رواد الإنترنت في مسلسل جديد، أبطاله عائلتيْ العروسين اللتين باتتا تتبادلان نشر الفضائح والسب والشتم، عبر فيديوهات ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ترويج للشذوذ ومصالح الأمن بالمرصاد
والأبشع والأخطر، الذي لم نتخيل حدوثه يوما في مجتمعنا، تداول فيديوهات تروج لممارسات الشذوذ الجنسي العلني، وغالبا ما يدّعي المتورطون في هذه الأفعال المخلة عندما يتعرضون لحملة هجوم واسعة، بأن مجهولين اخترقوا حساباتهم الشخصية ونشروا صورا شخصية لهم دون علمهم، أو يقولون أنها صور وفيديوهات مفبركة، بينما الحقيقة أن هؤلاء يبحثون على ” البوز” وجمع الإعجابات والتعليقات لزيادة مداخليهم المالية من ” يوتيوب” و”وتيك توك” ولو عبر ممارسة الفسق والشذوذ والتعرّي.
ومن التافهين الذين تحولوا إلى مؤثرين، المدعو “ك، ق”، القاطن بالجزائر العاصمة، وهو خرّيج سجون مشهور على “التيك توك” بتقديم فيديوهات جميعها تتضمن كلاما فاحشا، ومع ذلك يتابعه آلاف الشباب والمراهقين، والمعنيّ تمادى في أفعاله الخادشة، لدرجة أطلّ على متابعيه عبر بث خاص ومارس خلاله فعلا يعتبر شذوذا، ومع ذلك لم يستح ولم يبرر فعلته على أنها فبركات أو فوتوشوب، بل بدا مقتنعا بما مارسه على العلن. ومع انتشار الفيديو على نطاق واسع وتعرض “ك. ق” لحملة هجوم شرسة، تحركت مصالح الأمن الحضري السابع “الهواء الجميل” لأمن المقاطعة الإدارية الحراش، بحر هذا الأسبوع، وأوقفت المعنيّ في قضية الفعل المحل بالحياء، مع التحريض على الرذيلة وفساد الأخلاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وبالموازاة، تمكنت فرقة مكافحة الجرائم الكبرى بوهران، ممثلة في فصيلة المساس بالآداب العامة، بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية، من توقيف المؤثرة السّبرانية “ع. ك”، بعدما تورطت في الترويج للانحرافات الأخلاقية والتحريض على الرذيلة في بث مباشر عبر منصة رقمية.
وبدورها، تحركت المصالح الأمنية بولاية ورقلة، وذلك في إطار مكافحة الجريمة بشتى أنواعها لاسيما المتعلقة بالمساس بالآداب العامة، حيث تمكنت فرقة مكافحة الجرائم السيبيرانية بالمصلحة الولائية للشرطة القضائية بأمن ولاية ورقلة، من توقيف شخص يقوم بالترويج لمواد إباحية والتحريض على الرذيلة وفساد الأخلاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
والقضية تحركت، إثر رصد المصالح الأمنية، لعدة صفحات ومجموعات تقوم بالترويج لمحتويات تحرض على فساد الأخلاق والشذوذ الجنسي والمثلية، وبعد التنسيق مع النيابة المحلية تم فتح تحقيق في الموضوع من طرف فرقة مكافحة الجرائم السيبيرانية، أسفر عن تحديد هوية مسير هذه الصفحات، وبعد استغلال التقنيات التكنولوجية تمكن عناصر ذات الفرقة من تحديد مكان المشتبه فيه وتوقيفه وحجز هاتفه النقال. وبالتنسيق الدائم مع النيابة المحلية تم تفتيش الهاتف النقال الذي عثر بحوزة المشتبه فيه، أين تم العثور على الأدلة التى تثبت تورطه في الجرائم السالفة الذكر.
وسيحال المتورط على المحاكمة، عن تهم الترويج للشذوذ الجنسي والمثلية، تحريض القصّر على الفسق وفساد الأخلاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنشاء وإدارة صفحات وحسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض نشر محتويات مخلة بالآداب العامة، إغراء وتحريض الأشخاص على الفسق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
القانون صارم في قضايا الإخلال بأمن وآداب المجتمع
وفي هذا الإطار، أكد المحامي بمجلس قضاء الجزائر، إبراهيم بهلولي، أن ارتكاب أفعال الشذوذ ونشر الرذيلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هي جرائم يعاقب عليها المُشرّع الجزائري، بعقوبات تتراوح بين عامين إلى 3 سنوات حبسا نافذة.
وقال في تصريح لـ”الشروق”، بأن كل فعل يمس النظام ويضر بأمن وأخلاق المجتمع الجزائري، ويوجد نص قانوني يُجرمه بإقرار من المشرع الجزائري، يجعل النيابة العامة تتحرك عن طريق تحريك المتابعة القضائية ضد المتورطين، وأضاف أن ” جميع الأفعال المعاقب عليها بموجب نصوص قانونية، والتي تعتبر بمثابة الركن الشرعي للجريمة، تجعل المتورطين فيها محلّ متابعة قضائية، ومنها أفعال الإخلال بالآداب العامة، السّب والشتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.
وبحسبه، تعاقب المادة 333 من قانون العقوبات، مُمارسة الأفعال المخلة والخادشة للحياء، بالحياء بين شهرين إلى عامين حبسا نافذة، وتصل العقوبة إلى غاية 3 سنوات في حال كان الفعل متعلقا بممارسة الشذوذ، وأكد المحامي إبراهيم بهلولي، أنه حتى أفعال السب والشتم على منصات التواصل الاجتماعي، يعاقب عليها القانون.
النيابة العامة تتحرّك تلقائيا في قضايا الآداب العامة
ومن جهته، أكد الباحث في القانون، إسلام ضيافي، بـأن النيابة العامة بإمكانها التحرك وتلقائيا ودون وجود شكاوي، في حال وجود ترويج وانتشار لفيديوهات تروج لفساد الأخلاق والرذيلة في المجتمع.
وقال في تصريح لـ”الشروق” بأن هذه الجرائم مصنفة ضمن الأفعال التي تمس بالنظام العام والآداب العامة، كما أنها تحدث على مرأى ومسمع من أفراد المجتمع، وبالتالي فالنيابة العامة تتحرك تلقائيا لتحريك دعوى قضائية بمجرد وصول المعلومة إليها بأي طريقة كانت.
وفي ما يتعلق بقضايا توجيه تهم الخيانة الزوجية لشخص ما أو سبّه وشتمه عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثلما يحصل حاليا، فيقول محدثنا، بأنه في هذه الحالة لابد من وجود شكوى من الشخص المتضرر من هذه الأفعال، حتى تتحرك السلطات القضائية.
حظر حسابات “التافهين” بات أولوية
ومن جهته، قال البروفيسور والأستاذ الجامعي، أحمد قوراية، إن شبكة التواصل الاجتماعي غيرت سلوك روادها من الجنسين إلى الأسوإ، وأسّس المشتركون في هذه الشبكة العنكبوتية عادات وتقاليد بالية وبعيدة عن المنطق وعن الوازع الديني وحتى الإنساني.
وأكد قوراية في تصريح لـ”الشروق”، أن نشر تفاصيل الحياة الزوجية عبر المواقع، وأسرار الأسر ” باتت عادات جديدة عرّت سقف العائلة الجزائرية والتي كان في السابق لا يسمع عن أحوالها حتى الجيران، ووسّعت الفجوة بين أفراد المجتمع، حيث أصبح من يحمل ضغينة لأحد، أو لمجرد سوء تفاهم مع صديق أو زميل في العمل، يقوم الشخص بنشر الواقعة في الفضاء الافتراضي”.
وتأسف المختص في علم النفس، لتعمد بعض المشاهير نشر غسيلهم الوسخ عبر صفحات السوشل ميديا بكل افتخار ودون حياء، متسبّبين في جدال عقيم عبر الصفحات التي تتناقله، وآخرون يأتون بمنشورات وفيديوهات فاضحة يُحرّمها ديننا الحنيف، من إخراج الأسرار الزوجية إلى الشارع الافتراضي وتبادل التهم، على مرأى أطفالهم.
وقال قوراية، إن الرّقمية أصبحت ” مُثقلة بالتّفاهة التي تكرّس للرداءة ولا تفيد المجتمع ولا تبشر بالخير، وتؤثر على الجيل الصاعد وكما أن هذه التفاهات الرقمية ليس لها قيمة سلوكية معينة، ولا قيمة أخلاقية وتتنافى مع مبدأ الدين والتربية”.
ودعا محدثنا، إلى ضرورة ردع أصحابها، وعدم إيلائهم أي قيمة وحظر حساباتهم الإلكترونية، حتى ” لا يتمادون في أفعالهم المخزية، وعلى السلطات المعنية مراقبة منصات التواصل الاجتماعي، عن طريق إصدار قوانين عقابية كما فعلت مع مع المُحرّضين على العنصرية عبر الإنترنت” داعيا الأمن السيبراني، إلى حظر مثل هذه الحسابات من التي هلكت المجتمع الواقعي وجعلته يتراجع عن وظيفته الحقيقية، جراء تأثره بنظيره الافتراضي، وحتى نطهر الفكر المجتمعي من الشبهات التي شوهت عقول أولادنا، ولنعمل على نشر ثقافة الوعي المجتمعي وما يخدم الإنسانية.