..ويستقيل أويحيى
قدم أحمد أويحيى، أمس، استقالته من الأمانة العامة للتجمع الوطني الديمقراطي، مؤكدا في رسالة وجهها للمناضلين والمنسقين، بأن قراره لا علاقة له بحسابات شخصية، كما قد يدعيه البعض، بل للحفاظ على وحدة الأرندي، مبررا رفضه تقديم استقالته للمجلس الوطني لكونه غير مخول للنظر في عهدته على رأس الحزب التي منحها إياه المؤتمر الثالث.
فاجأ أويحيى خصومه الذين شرعوا في جمع التوقيعات للإطاحة به خلال الدورة القريبة للمجلس الوطني، بالإعلان عن تنحيته من الأمانة العامة للتجمع الوطني الديمقراطي بداء من 15 جانفي الجاري، مبررا ذلك بحرصه على وحدة صفوف الحزب وانسجامه، قائلا: “يؤسفني أن أبلغكم استقالتي من منصب الأمين العام للحزب بداية من 15 جانفي الجاري”، وأنه اختار مخاطبة المناضلين مباشرة، وفي انتقائه للظرف الحالي قال: “إن اختياري لتاريخ 15 جانفي كان بدافع تجنيب الحزب فراغا طويلا في تسييره، وفسح المجال أمام أصحاب النوايا الحسنة للتشاور بشأن تعيين أمينا عاما بالنيابة” تطبيقا للمادة 46 من القانون الأساسي، وأضاف بأن قراره بناه على جملة من الأسباب، منها احتمال وقوع انقسام في التجمع في حال ما إذا أدى الخلاف إلى مواجهات في الدورة المقبلة للمجلس الوطني، “خاصة إذا حاول البعض إقحام أشخاص لا علاقة لهم قانونا بهذه الهيئة”، وأن تأزم أشغال المجلس الوطني ستؤثر على التحضير للمؤتمر الرابع وسيؤدي إلى أزمة مستدامة، كما أن الاستمرار في تنصيب مكاتب موازية محليا قد ينقل الانشقاق إلى قواعد الحزب، مع احتمال تحول الوضع إلى مواجهات بين المناضلين.
وخلص الأمين العام للأرندي المستقيل إلى بعض الملاحظات، وهي أن علاج الأزمة بات ضروريا للحيلولة دون تطور الخلاف إلى انشقاق داخل المجلس الوطني، وأنه يجب توفير الظروف الملائمة لعودة السكينة للأرندي حفاظا على وحدته، وقال بأن القانون الأساسي والنظام الداخلي يعطيانه صلاحية رئاسة دورة المجلس الوطني ولجنة تحضير المؤتمر، غير أن الاحتكام لهذه الإجراءات لن يؤدي إلى عقد دورة مجدية للمجلس الوطني، ولا لتجاوز الأزمة والتحضير للمؤتمر، وأن الواجب يملي عليه تقديم مساهمة شخصية لتوفير ظروف تسمح بعودة الهدوء والاستقرار للتجمع.
وتحاشى أويحيى ربط قراره بفقدانه السيطرة على معظم تشكيلة المجلس الوطني الذين انقلبوا عليه، على رأسهم وزراء حاليون وسابقون الذين أقصاهم من عضوية المكتب الوطني، موضحا بأن النضال بالنسبة له لم يكن أبدا السعي لتحقيق طموحات أو حسابات شخصية مهما كانت طبيعتها، وبرر صمته في الفترات السابقة بالمواعيد الانتخابية التي شارك فيها الأرندي، ومكنته مؤخرا من الفوز بأكبر مقاعد مجلس الأمة، وأن رسالته ليس الغرض منها الرد على التهجمات، وإنما التحذير من الانزلاق الذي قد تكون عواقبه وخيمة على الحزب، قائلا بأن دافعه للاستقالة تمثل أيضا في كون الحركة المتسببة في هذا الانشقاق، لجأت إلى مبادرات خارج الأطر القانونية للحزب، بدليل أن عددا من التوقيعات التي تجمع في لائحة موجهة للمجلس الوطني، صادرة عن أشخاص ليسوا أعضاء في هذه الهيئة، فضلا عن سعيها لتنصيب مكاتب محلية موازية للهياكل النظامية.
أبو عبد الله غلام الله لـ “الشروق”:”أويحيى لا يحتاج لأن يقال.. والأرندي لن يتخلى عن كفاءته!”
وصف أبو عبد الله غلام الله، وزير الشؤون الدينية والأوقاف، استقالة الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى بـ “الحس الديمقراطي”، وقال في تصريح لـ”الشروق” بخصوص قرار انسحاب أويحيى إن التعليق الوحيد الذي يمكن أن يصرح به هو أن “السي احمد”- كما قال- شخص متزن، وطني ومخلص، وله كفاءة عالية في التسيير الإداري أثبتها طيلة سنوات ترؤسه للحكومة.
وأضاف أن هذه الكفاءة لا يمكن التفريط فيها وأن القرار النهائي سيعود إلى المنخرطين والمناضلين في الحزب. واستطرد الوزير العضو في المجلس الوطني لـ”الأرندي” في حديثه عن الوزير الأول الأسبق أن تقديم الاستقالة يعكس الحس المدني الذي يتميز به.
وفي رده عن سؤال حول استباق أويحيى لمحاولة الإطاحة به بالانسحاب، قال غلام الله، أحد المناوئين لبقاء أويحيى على رأس الحزب، إن هذا الأخير لا يحتاج لأن يقال، لأنه تطوع للعمل في الحزب، وإن العمل السياسي إرادي وليس إداريا، والمناضلون هم من يحدد من يكون على رأسهم، مشيرا إلى أن أويحيى لم يشأ أن يفرض رأيه أو نفسه على المنخرطين في التجمع الوطني الديمقراطي، فقرر تقديم استقالته. أما بخصوص المرشح الأول لخلافته على رأس القوة السياسية الثانية في البلاد، قال الوزير المحسوب على موقعي عريضة الإطاحة بالأمين العام المستقيل “على حد علمي لا يوجد مرشح إجماع ولكن المجلس الوطني سيفصل في هوية الأمين العام الجديد بالنيابة”.
أحمد أويحي… السياسي الذي كبر في رحم السلطة
عرف أحمد أويحي لدى الجزائريين تحت تسمية “صاحب المهمات القذرة”، بسبب المهام التي أشرف عليها خلال سنوات التسعينات، وإشرافه على عمليات إعادة جدولة الديون مع صندوق النقد الدولي، وتسريح آلاف العمال، وغلق المئات من المؤسسات العمومية، والتزامه بتطبيق كل القرارات التي صدرت حينها بصفته “الرجل الوفي للنظام” على حد تعبيره هو.
بزغ أحمد أويحي كرجل دبلوماسي شغل عدة مناصب في وزارة الشؤون الخارجية، حيث بدأت مسيرة أويحي الدبلوماسية عام 1982 ككاتب للشؤون الخارجية. وتخصص كدبلوماسي لدى عدد من الدول الإفريقية منها كوت ديفوار ومالي، ولعب دورا بارزا في فض النزاع شمال مالي عام 1992، وكذلك الشأن في مفاوضات النزاع بين إثيوبيا وأرتيريا سنة 200.
لكن المسيرة السياسية لأحمد أويحي، الشخصية القبائلية، على اعتبار أنه من مواليد 2 جويلية 1952 ببوعدنان بولاية تيزي وزو، كانت في عام 1995، عندما عين كرئيس للحكومة إلى غاية 1998، وهي الفترة التي فاز فيها أويحي بعهدة نيابية في تشريعيات 5 جوان 1997 في قوائم التجمع الوطني الديمقراطي.
وبرز أحمد أويحي كشخصية حزبية في جانفي 1999 كأمين عام للتجمع الوطني الديمقراطي، عندما أزيح الطاهر بن بعيبش من الأمانة العامة للحزب بسبب موقفه الرافض لدعم ترشح عبد العزيز بوتفليقة في رئاسيات أفريل 99.
ظل أحمد أويحي مسيطرا على الأمور في بيت التجمع الوطني الديمقراطي بعد مجيء بوتفليقة إلى الحكم، وعين في ديسمبر 1999 كوزير دولة وزير العدل في حكومة على بن فليس، ثم وزير دولة، ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية من جوان 2002 إلى غاية ماي 2003، وهي الفترة التي نجا فيها أويحي من مقصلة الحركة التصحيحية في سنة 2002 التي قادها عيسى نواصري وقاسم كبير وآخرون.
وخلال العشر سنوات الأخيرة جمع أويحي بين مسؤولياته الحكومية كرئيس للحكومة مرتين ثم وزيرا أول اعتبارا من نوفمبر 2008، وبين الأمانة العامة للتجمع الوطني الديمقراطي. وظل أويحي يسيطر على كل أمور الحزب بقبضة من حديد، وتميز الحزب بتواصله القليل مع وسائل الإعلام واقتصاره في أغلب الأحيان على التصريح عبر البيانات.
وبرزت حركة تصحيحية جديدة في بيت الأرندي خلال تشريعيات 2012، وهي التشريعيات التي أتت في ظروف خاصة، ميزتها أحداث الربيع العربي، واشتدت هذه الحركة التصحيحية عندما تخلى الرئيس بوتفليقة عن أحمد أويحي كوزير أول وعوضه بعبد المالك سلال شهر سبتمبر من العام الماضي، حيث فسر الكثير من المراقبين اشتداد الحركة التصحيحية لإزاحة أويحي بمجرد خروجه من الجهاز التنفيذي، برغبة أطراف في السلطة بقطع الطريق أمامه للترشح لرئاسيات 2014.