الإثنين 19 أوت 2019 م, الموافق لـ 18 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 09:32
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

بقلمسلطان بركاني

يوم الأضحى إذ يذكّرنا برسالتنا في الحياة

  • ---
  • 0
ح.م

مع انقضاء ساعات هذا اليوم، ستبدأ –بحول الله- ساعات يوم هو أفضل وأعظم أيام الله، يوم الأضحى المبارك، الذي يعود كلّ عام ليذكّر المسلمين بأنّ الدّين الذي يدينون لله به، لن يعود إلى عزّه إلا إذا ضحّوا بشيء من أوقاتهم وأموالهم وجهودهم لنصرته والذّود عنه وعن شرائعه وشعائره.. نبيّ الله إبراهيم -عليه السّلام- كان مستعدا لأن يضحّي بفلذة كبده لأجل رضا خالقه ومولاه، ولأجل دينه، وسلفُنا الأوائل ضحّوا بالغالي والنّفيس وبذلوا الأرواح رخيصة لأجل أن يصل هذا الدّين إلى مشارق الأرض ومغاربها، فما الذي نقدّمه نحن الآن لديننا؟ ما الذي نقدّمه لنبلّغه بنصاعته وبهائه إلى أمم الأرض؟ كم نخصّص من همومنا اليومية لهذا الدّين؟ كم نخصّص من أوقاتنا وجهودنا؟

تُرى كم ساعة يجعلها الواحد منّا كلّ يوم أو كلّ أسبوع أو كلّ شهر لخدمة دينه ونصرته..كم نرصد من أموال لنصرة قضاياه في هذا العالم؟ ماذا لو نظرنا إلى ما تنفقه أمّة الإسلام كلّ عام في المآكل والمشارب والملابس، بل ما تنفقه في حفلات الأعراس وفي الكماليات، وقارناه بما تقدّمه في سبيل نصرة هذا الدين؟ النّصارى يجمعون كلّ عام أكثر من 150 مليار دولار تبرّعات للكنيسة، ويطبعون أكثر من 50 مليون نسخة من الإنجيل المحرّف، ويوزّعون أكثر من 80 ألف كتاب تنصيريّ مجّانا كلّ عام… فأين نحن من هذه الأرقام؟

سيعود الأضحى مرّة أخرى ليذكّرنا بحقيقة هذا الدّين الذي ندين لله به. ليدعونا إلى التساؤل ونحن ننحر الأضاحي: لماذا نفعل هذا الذي نفعله في هذا اليوم؟ لماذا يذبح المسلمون أكثر 350مليون أضحية في هذا اليوم؟ إنّنا ما نذبح الأضاحي في هذا اليوم المبارك إلا لنتقرّب إلى الله جلّ وعلا، ثمّ لنتذكّر قصّة نبيّ الله إبراهيم الذي أعطى للبشرية درسا عظيما في تحقيق حقيقة دين الإسلام، في الاستسلام والخضوع لأمر الله جلّ وعلا.. أمِر -عليه السّلام- بذبح ابنه وفلذة كبده الذي احترق قلبه شوقا لقدومه، فاستسلم وأذعن لأمر الله وأخبر ولده بقضاء الله فقال: ((يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى))، فما كان من الولد الذي تربّى على طاعة الله وعلى التّسليم الكامل لأمر الله إلا أن قال: ((يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين)).. فياله من استسلام!لم يقل “يا أبت افعل ما تريد”، وإنّما قال “افعل ما تؤمر”، لأنّه يعلم أنّ الأمر أمر الله والحكم حكم الله.. فانظر أخي المؤمن إلى هذا الشّيخ الكبير الذي دعا الله أن يرزقه الولد فرزقه الله ولدا بعدما بلغ من الكبر عتيا، ولدا وضيئا من أحسن الأولاد وجها، ولدا طيّعا ملأ حياة أبيه سعادة وسرورا، ولمّا بلغ سنّ السّعي والقدرة على الكسب وصار العون بعد الله لأبيه، جاء الأمر من الله بذبحه.. لقد كان بلاءً أيّ بلاء.. نجح فيه نبيّ الله إبراهيم -عليه السّلام- لأنّه كان يعلم أنّ دين الإسلام الذي يحمله يعني الاستسلام الكامل والتامّ لأمر الله جلّ وعلا..

هكذا كان شأن نبيّ الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السّلام؛ فكيف هي حالنا نحن مع حقيقة الإسلام؟ مع الاستسلام لأمر الله جلّ في علاه؟ إبراهيم -عليه السّلام- أُمر بذبح ابنه فأذعن لأمر الله، والواحد منّا ربّما يضيّع دينه ويتهاون في صلاته ويهجر القرآن وينسى الأذكار، بسبب لقمة العيش!يعادي أخاه ويقطع رحمهلأجل أبنائه! لأجل كلمة تافهة أو شجار نشب بين الأبناء! يعادي جيرانه لأجل أبنائه!ويأكل الحرام لأجل أبنائه! يعمل في الحرام ويبيع الحرام ويأخذ الحرام لأجل أبنائه! يعمل في البنك الربويّ أو في صناعة وبيع السجائر، لأجل أبنائه! يقترض من البنوك الربوية لأجل أن يبني مسكنا أو يشتري سيارة لأبنائه! يضع أمواله في البنك لأجل أن يؤمّن مستقبل أبنائه! يبيع الدخان، أو يتاجر في الألبسة المزرية والفاضحةلأجل أبنائه! يزاحم ويعادي ويشاجر ويقاتل لأجل أبنائه! يمنع الزّكاة وتشحّ نفسه عن الصّدقات ويترك الحجّ لأجل أبنائه!يصبح همّ أبنائه وبالا عليه، يحمله على إضاعة دينه وقطيعة رحمه وإساءة جواره! يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)).

ينبغي لنا معاشر المسلمين أن نراجع أنفسنا ونعيد النّظر في أحوالنا مع فتنة الأولاد، قبل أن يكون أبناؤنا -الذين يفترض أن نسعد بهم في الدّنيا والآخرة- سببا لشقائنا في الدّارين؛ خاصّة إذا كنّا نحمل همّ إصلاح دنياهم وتأمين معاشهم، ونغفل عن إصلاح دينهم ومعادهم.

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close