آه يا سرّاقين الوقت!
ظاهرة “ماد إين ألجيريا”، تعود كلما عاد شهر رمضان.. تقليص ساعات العمل، فرار فردي وهجرة جماعية من مناصب العمل، إدارات خاوية على عروشها، والجميع يُنشد معزوفة: “ارجع بعد رمضان”!
بلغة “فتاوى على الهوى”، فإنها سرقة للوقت، وسرقة لمصالح المواطنين، وسرقة لثقة الدولة، وسرقة للأمانة، والمصيبة أن كلّ الصائمين يعرفون ذلك، لكنهم يفتون لأنفسهم بسلب الوقت، فرمضان يُجيز “الهربة” من الوظائف باكرا بعد الدخول إليها متأخرا!
عقلية “ارجع بعد الفوط” و”ارجع بعد رمضان” و”ارجع بعد العيد” و”ارجع بعد الكونجي” و”ارجع بعد الويكاند”، كبّدت الخزينة العمومية خسائر لا حصر لها، واختزلت الجُهد والمهام في “حدّ أدنى” لا يُسمن ولا يُغني من جوع، ولا ناقة لنا فيه ولا جمل!
أحبّ من أحبّ، وكره من كره، فإن من يسرق الوقت ـ ربما ـ أكثر إدانة وجرما ممّن يسرق دينارا أو خضارا أو “بقـّارا”، لكن الطامة الكبرى، أن الظاهرة المرضية فرّخت وانتشرت، من باب “إذا عمّت خفـّت”، ولذلك، فرغت الإدارات والمؤسسات والشركات والمصانع والموانئ، وفـُرض فيها حظر التجوال، وتساوى في سرقة الوقت الموظفون والمسؤولون!
نعم، “الجميع صائم، الكلّ نائم”، ولو تحرّك الخبراء وأقاموا أبحاثا واستبيانات بشأن الخسائر المالية الناجمة عن هذا “الإضراب” المفتوح وغير المُعلن، وعلى كلّ عامل ومستخدم، أن يجرد الوضع بنفسه، في الهيئة التي يسترزق فيها بعرق جبينه، حتى يقف على حقيقة السرقات اللطيفة!
هو نوع آخر من النهب والسلب، وسرقة حقوق وأملاك الآخرين، ولكم أن تتصوّروا كيف أن المشاريع والتنمية وعجلة الاقتصاد والمصالح الخاصة والعامة، تتعطّل خلال الأحد عشر شهرا من شهور السنة الهجرية، فما الذي يحدث لها في هذا الشهر الكريم، شهر العبادات والعمل، وشهر التوبة والغفران، وشهر الرحمة والمغفرة، وشهر الصيام والقيام، الذي حوّله الكثيرون، إلى شهر لممارسة “البريكولاج” وقتل الوقت!
مصيبتنا، أننا أصبحنا نسرق بعضنا البعض بالوقت وفي الوقت وطوال الوقت، والحجة جاهزة وعلى الساخن والبارد “راني صايم”، فالوقت صائم هو الآخر، وفي عطلة، ستتجاوز عمليا الشهر، فبعد رمضان، عيد الفطر، وبعدها موسم العطل “الرسمية”.. إذن عليكم بالعودة خلال الدخول الاجتماعي!
قد نكون من بين الدول والشعوب التي تعيش العطل أكثر من أيام العمل، ففي عملية حسابية بسيطة لعدد الأعياد الوطنية والدينية والأيام مدفوعة الأجر، أكتشف أنا وأنت، ونحن وهم وأنتم، هذه العطلة الأبدية التي تجعلنا نسير بسرعة السلحفاة، ننطلق ولا نصل إلاّ بعد أن يسبقنا غيرنا بمسافات ضوئية، ولن نصل إلاّ إذا تخليّنا عن منطق “راقدة وتمونجي وتستنى الكونجي”!