-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“أتمنّى أن أكون رجلاً مثل أمّي”!

سلطان بركاني
  • 1262
  • 2
“أتمنّى أن أكون رجلاً مثل أمّي”!

كثيرة هي المواقف والوقائع التي تدلّ على تفكّك بنيان كثير من الأسر وتقطّع كثير من الرّوابط والأواصر في مجتمعنا المسلم الذي أصبحت العلاقات بين أفراده تُبنى في كثير من الأحيان على المصلحة الدنيوية، وعلى مبدأ “خذ وهات”، بعيدا عن رابطة الدّين وقيمه وأخلاقه؛ تفكّك يزداد عاما بعد عام، وينذر بانهيار مجتمعيّ قاتل، يرفع فيه كلّ فرد شعار “أنا وبعدي الطّوفان”، ويصبح التّكادم على الدّنيا والتّطاحن على حظوظها معركة مصيرية لا يكاد يتخلّف عنها منّا أحد!

يُروى أنّ ابنا سأل أباه قائلا: ما معنى “رجل”؟ أجاب الأب: هو الشّخص القويّ المسؤول عن أبنائه؛ يهتمّ بأمورهم، ويسهر على راحتهم. فقال الولد: أتمنّى أن أكون رجلاً مثل “أمّي”!

كثيرا ما تُساق هذه القصّة في مقام التندّر، وتلقى إعجاب من يسمعها أو يقرؤها، لكنّها في حقيقة الأمر قصّة محزنة، وتعبّر بشكل واضح عمّا آلت إليه أحوال كثير من الأزواج الذين تخلّوا عن قوامتهم، لصالح زوجاتهم؛ منهم من تنازل عنها كرها، بعد أن تزوّج امرأة عاملة لم تقبل بالمكوث في البيت، وأبت إلا أن تقوم على شؤونها بنفسها، ورويدا رويدا وجد الزّوج نفسه يألف الوضع ويتنازل لها عن كلّ واجباته ومهامه، ويكتفي بدور المتفرّج والمتابع.. ومنهم من تخلّى عن قوامته طوعا، وراق له أن يجلس شبعان ريان في البيت أو في المقهى مع الخلاّن، بينما زوجته العاملة تسعى ذهابا ومجيئا، ولا تمكث في البيت إلا قليلا؛ فهي تخرج إلى العمل، وتأخذ أبناءها إلى دور الحضانة، وتعود إليهم مساءً بعد أن تطوف في الأسواق لاقتناء حاجيات البيت، وهي من تتولّى اقتناء حاجيات أطفالها، وتأخذهم إلى الأطبّاء عند المرض، وهي من تقابل المعلّمين والأساتذة ومدراء المدارس للسّؤال عن أبنائها… كلّ هذا والزّوج خارجٌ عن نطاق التّغطية، لا يدري شيئا عن أبنائه، ولا يهتمّ لما تعانيه زوجته وهي تزاحم الرّجال في مكان العمل وفي السّوق والطّريق، بل لا يريد أن يسمع عن معاناتها شيئا حتى لا يحرج!

الزّوجة أصبح لها مالها الخاصّ، وسيارتها الخاصّة، وهاتفها الخاصّ الذي لا تخلو ذاكرته من أرقام زملاء العمل وأرقام التجّار والباعة ورقم الميكانيكي والكهربائيّ… وأصبحت تنظر إلى زوجها باحتقار وازدراء، لأنّه لا يمثّل بالنّسبة إليها شيئا، ولا ترى أيّ داعٍ لوجوده في حياتها، ففي وسعها أن تتخلّى عنه في أيّ لحظة؛ لا تعيره أدنى احترام، ولا تسمع منه أيّ كلام، ولا تبذل أيّ جهد لإرضائه، بل تردّ عليه أوامره وتصمّ أذنيها عن نصائحه، وربّما تتمادى إلى الردّ عليه بكلّ جرأة ويصل الأمر إلى السبّ والشّتم، في حضور الأبناء الذين يفقدون بدورهم أيّ احترام لأبيهم، ويتربّون على احتقاره وعصيان أوامره، ويرضعون الجرأة والتحدّي منذ نعومة أظفارهم..

ومع تفاقم الأمور يمتلئ قلب الزّوج حنقا على زوجته، ويزداد غيظه حينما يراها تكلّم في الهاتف زملاء العمل بكلّ أدب واحترام، وربّما يصل الأمر –في حال لم يكن للزّوجة وازع من دين أو خلق- إلى نسج علاقات صداقة مع الرّجال، ويصبح الزّوج يتوجّس ريبة من هاتف زوجته ومن صفحتها على الفايسبوك ومن كثرة اهتمامها بمظهرها.. وهكذا تبلغ المذلّة بالزّوج مداها وتصبح أتعس ساعات يومه حينما يأوي إلى بيته، وتقع عيناه على زوجته، ولا تلبث العلاقة طويلا حتى تنقطع وتنتهي بالطّلاق والفراق، ويدفع الأبناء ثمن هذه الخطيئة باهظا؛ خطيئة تنازل الزّوج عن قوامته التي قلّده الله إياها، ويُفترض أن يكدّ ويجدّ ويتعب ليحافظ عليها؛ يكفي زوجته همّ العمل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإن احتاجت إلى العمل، فإنّه لا يتمادى في التنصّل من باقي واجباته، بل يسعى لكفايتها مؤنة النّزول إلى الأسواق والطّواف حول الباعة، ومقابلة الأساتذة والمعلّمين وزيارة الأطبّاء للكشف عن أبنائها، إلا إن وجدت ضرورة أو دعت حاجة إلى ذلك. يسألها عمّا تكابده خارج البيت، ويقف معها ويُشعرها بحرصه عليها، ويُشعر غيره بأنّها خالصة له لا يسمح بأن تمتدّ إليها يد أو يطاولها لسان بما يسوؤها ويسوؤه.

هذا ما يُفترض في حقّ كلّ زوج يرى أنّ القوامة تكليف ربّانيّ، تستقيم به أمور الحياة، وواجب شرعيّ لا يجوز له أن يتخلّى عنه، ولا عذر له في التّنازل عنه أو في تطوّع أو تطلّع زوجته لتقلّده! القوامة لا تقتصر على الإنفاق، بل تتعدّاه إلى القيام على شؤون الزّوجة وشؤون البيت، وإلى حفظ أفراد الأسرة في دينهم وأنفسهم وأعراضهم. وتخلّي الزّوج عن قوامته هو تخلّ عن رجولته، يقوده في كثير من الأحيان إلى التّهاون في عرضه وربّما إلى تشرّب الدّياثة التي تصبح خلقا لازما له، فيسقط من عين الله، ويعيش ذليلا مهينا مهما تقلّد من المناصب المرموقة ومهما ركب من أفخر المراكب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • البوزيدي

    بارك الله لك في ما تنتجه من افكار ذات قيمة حضارية عالية نحن في امس الحاجة اليه زادك الله فهما وعلما امين.

  • قل الحق

    بوركت يا شيخ بوركت، لم نعد نستطيع أن نتناول قهوة في مقهى دون أن تقابلنا مرأة، نحن قدماء تخرجنا من مدرسة كان مفتشها التربوي الشيخ عبد الرحمان شيبان، الكثير من الشرفاء ابتعدوا عن الأسواق لأنها أصبحت سوق النسا،.... الله يرحم نهار كان كاين سوق النسا وحدو و سوق الرجال وحدو، نحن اليوم متخلفين و معقدين و قدماء، رغم أن الواقع يبين لنا حجم الكوارث التي تحدث يوميا، الله يحشرنا على اصلنا و ما نبدلوش البلوى عمت.