أجيال الانترنت .. ماذا ستفعل بأجيالنا؟
كثيرا ما نَغضب عندما لا نَحْصِل على تَدفُقٍ عالٍ من الانترنت، أو عندما لا يصلنا الجيل الثالث أو الرابع أو الخامس منها، نَعتبر ذلك تَخلفا في المجال التكنولوجي، وانعدامَ اهتمامٍ بالمستقبل… وربما لا نغضب إطلاقا أو لا ينتابنا أي قلق بشأن ما تفعله أو ستفعله هذه الأجيال من الانترنت في أجيالنا المتعاقبة، في عقول أبنائنا وبناتنا، في تماسك بنية مجتمعنا، في حالتنا النفسية والشعورية، بل في أمننا الوطني ووجود بلدنا بذاته… فهلاَّ بحثنا عن التوازن المطلوب بين الانفتاح على التكنولوجيا وحُسنِ التحكم في محتواها؟
انترنت وما ارتبط بها، بكل تأكيد ضرورة تكنولوجية لا يُمكن الاستغناء عنها بما أصبحت لها من علاقة بكافة القطاعات الحيوية في المجتمعات: الاعلام، التجارة، التمويل، الصناعة، التعليم، الثقافة، الصحة، الرياضة، التسلية، السياسة… الخ، لم يَعُد هناك قطاع من هذه القطاعات بقادرٍ على التقدم من غير تدفق عالٍ للمعلومات عبر هذه الشبكة العنكبوتية، بل لم نعد نحن كأشخاص وبخاصة أبناءنا بقادرين على الاستغناء عنها في أي مجال من المجالات، الاتصالات، التعليم، تبادل المعلومات، الولوج إلى خبايا العالم الذي نعيش وبخاصة إلى ذلك الجانب المظلم الممنوع والمثير للغرائز على أكثر من مستوى بلا رقيب ولا حسيب…
لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين سنة من تحقيق ما تصبو إليه عبر نقلها شبكة انترنت من النطاق الخاص إلى النطاق العالمي. كانت “انترنت” بالفعل منذ سنة 1969 ـ وكانت تسمى “أربانت” ـ اختراعا أمريكيا صرفا، هدفها توزيع المعلومات العسكرية والإستراتيجية الحساسة عبر شبكة عالمية لتأمينها من أية ضربة نووية محتملة من قبل الأعداء. لم يتم اختراعها لتدخل البيوت وتُصبح في متناول أي كان عبر أصقاع الأرض قاطبة بمجرد امتلاك هاتف نقال… ما الذي أدى إلى أن تتحول إلى هذه الدرجة من الانتشار؟ هل كان مخترعوها سيطلقونها هكذا على نطاق واسع لو لم تكن تخدم بدرجة عالية أهدافهم القومية وأهداف حلفائهم؟ هل انترنت وُجدت لخدمة مخترعيها أم مستخدميها؟ وأين موقعنا نحن المتلهفون لقدوم الجيل الثالث والرابع والخامس والتدفق العالي وما بعد؟
بدون شك، الكثير مِنَّا يعرف الأهداف الاقتصادية والسياسية، والأخطر من هذا على الإطلاق تلك التي لها علاقة ببناء الإنسان ووعيه ووجدانه وحالته النفسية وشعوره بالانتماء لثقافة وهوية محددتين… ولكن قليل مِنا مَن يطرح السؤال الرئيس الذي ينبغي أن يُطرح: وما الذي قُمنا به لتحصين أنفسنا من أن نكون ضحايا هذه الأهداف؟ أين هي السياسات المتعلقة بالتحكم في محتوى انترنت وتوجيهها؟ وما الذي يجعلنا لا نتوقف عن المطالبة بسرعة الانتقال إلى الأجيال الجديدة منها، دون أن نقوم بما ينبغي أن نقوم به في مجال تحصين مجتمعنا وإيجاد البدائل اللازمة لمَنع “انترنت” من أن تكون الصانع الأوحد لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟
لقد قامت الكثير من الدول بما في ذلك التي أنشأت “انترنت” بإجراءات تكنولوجية وإعلامية وقانونية لمنع هذا الشبكة المتغولة مِن أَنْ تكون لها انعكاسات على أمنها الوطني وعلى أبنائها في نطاق القيم العليا التي تؤمن بها. وربما لا يوجد بلد في العالم أكثر إنتاجا للبرامج الالكترونية ـ التي تحرص على أمن المجتمع والدولة ـ من الولايات المتحدة ذاتها تليها اليابان والدول الأوروبية، أما مجموعة البريكس (الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل) فقد أنشأت شبكة انترنت خاصة بها مستقلة عن الشبكة الأمريكية الغربية… وكل الدول المدركة لحجم هذا التحدي قامت وتقوم بالإجراءات اللازمة للحد من الآثار السلبية لهذه الغارة غير المسبوقة على العالم من قبل جيوش الكترونية لا يعرف قوامها أحد…
ما الذي فعلناه نحن كبلد ينفتح بالتدريج على هذا العالم؟
بالتأكيد هناك محاولات لتأمين أنفسنا من المخاطر القادمة عبر “انترنت” والتكنولوجيات الجديدة للاتصال والمعلومات، وبخاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهي محاولات بحاجة إلى مزيد من الجهد والعناية، ولكن عندما يتعلق الأمر بـتأمين الأجيال الصاعدة وخاصة الأطفال ومَنع هذه الشبكة من أن تتحول إلى مِعْوَلَ هَدْمٍ لشخصيتهم وكيانهم فإننا قليلا ما نهتم بذلك ونكتفي بتلك المحاولات الفردية التي لا تقوم على رؤية شاملة لأمن المجتمع والدولة، إنما على منطق: كلُ يواجه المشكلة بطريقته أو لا يواجه… وفي هذا أكبر تهديد مستقبلي نحن الآن بصدد التعرض له.
صحيح إن تأمين البلاد من خطر الإرهاب والجريمة المنظمة أمر مستعجل ولا يحتمل التأخير، ولكن تأمين أبنائنا من حيث تركيبتهم النفسية وولاءاتهم وقيمهم وأخلاقهم يعد الأهم على المدى البعيد. فكم من أسرة اليوم هي عاجزة أمام سيطرة التكنولوجيا على أبنائها؟ كم من أسرة لم تستطع مواجهة هذا التأثير المباشر وغير المباشر لانترنت وغيرها من الوسائل؟
يبدو أن الأمر اليوم في غاية الخطورة إذا لم نستبق ما هو آتٍ من الآن. فالأفراد أو الأسر ليس في إمكانهم بمفردهم القيام بهذه المهمة التي تُجَدِّد وسائلها كل يوم، وليس أمامنا سوى وضع إستراتيجية وطنية في هذا المجال يقوم عليها خبراء متعددو الاختصاصات، ويشارك فيها الرأي العام، للقيام بما ينبغي القيام به في هذا المجال. ولدينا تجارب عديدة في العالم يمكن الاستفادة منها، ذلك أن الأمر لا يتعلق ببلادنا وحدها، بل بكل دول العالم، الفرق الأساس بين هذه الدول، أن مِن بينها من لديها وسائل الحماية الكافية ومن لا تملك. ونحن مِن الصنف الثاني.
لذا فإن احتجاجنا على التأخر في تعميم الأجيال الجديدة من انترنت يبقى بلا معنى إذا لم يكن بالتوازي مع احتجاجنا على ضعف وسائل الحماية التي نملك سواء من الناحية التقنية أو من ناحية الوعي بالمخاطر وبالبدائل التي تُمكّننا من تجاوزها، والأهم من ذلك إذا لم يواكَب بعمل بعيد المدى لإيجاد البدائل الوطنية لِما نَعتبره مُخرِّبا للسلوك الوطني أو وسيلة نحن غير قادرين على معرفة مَن يُحركها.
إن الصين ـ على سبيل المثال ـ لم تكتف بتوعية المجتمع بمخاطر “انترنت”، “غوغل” أو “فيسبوك”، بل أنشأت لنفسها شبكات تواصل اجتماعي بديلة و”غوغل” بديل، جميعها منفصلة عن تلك السائدة في العالم، وكذلك تفعل بعض الدول الأخرى. فهل فكرنا نحن فيما ينفعنا؟ وهل اقترحنا حلولا للمشكلات التي تعرفها أسرنا بدل تركها تصارع بمفردها ما لا تقوى عليه؟
يبدو أننا تأخرنا كثيرا في استباق مثل هذه المخاطر خاصة وأن القادم منها أخطر…
صحيحٌ إن تأمين البلاد من خطر الإرهاب والجريمة المنظمة أمرٌ مستعجل ولا يحتمل التأخير، ولكن تأمين أبنائنا من حيث تركيبتهم النفسية وولاءاتهم وقيمهم وأخلاقهم يعدّ الأهم على المدى البعيد. فكم من أسرة اليوم هي عاجزة أمام سيطرة التكنولوجيا على أبنائها؟