الرأي

أدب الاعتذار‮.. ‬وجرأة بناء الدولة‮‬

محمد سليم قلالة
  • 1251
  • 0

الدولة في‮ ‬آخر المطاف لا تسير بمن لا أدب له ولا أخلاق،‮ ‬كما لا تسير بمن لا شجاعة لديه على الانسحاب عند‮ ‬غياب القناعة أو القدرة على القيام بالمهام ومواكبة الأحداث‮.. ‬تمر علينا المواقف الأخلاقية ومواقف الانسحاب من الحياة العامة وكأنها قرارات‮ ‬غير ذات أهمية،‮ ‬ولا نرى من الصورة سوى ما كان نقيضا للأدب والأخلاق ومرادفا لرفض الانسحاب أو رفض التخلي‮ ‬عن المسؤوليات أو حتى الاستقالة مهما كانت النتائج كارثية‮.. ‬تلك صورة في‮ ‬حاجة إلى قراءة مستقبلية بلا شك‮.‬

لماذا لا تَشيع ثقافة الاعتذار بيننا،‮ ‬إن كُنَّا مواطنين أو سياسيين أو مسؤولين في‮ ‬هذا المستوى أو ذاك؟ ولماذا تسود ثقافة رفض الاعتذار حتى بعد أن‮ ‬يتبيّن الحق،‮ ‬والبقاء رغم أنف الجميع حتى وإن كان الناس له كارهين؟ وهل لمسألتي‮ ‬عدم الاعتذار والرفض علاقة ببعضهما؟

دون شك،‮ ‬إذا‮ ‬غابت ثقافة الاعتذار لدينا حلت محلها ثقافة البقاء رغم الأنف،‮ ‬وثقافة الصَّلَف والوقاحة،‮ ‬وكل تلك الصفات الدنيئة التي‮ ‬يمكن أن تلتصق بالمرء‮. ‬الذين لا‮ ‬يعتذرون بالضرورة تتشكل لديهم شخصية المُصِرِّين على البقاء‮.. ‬والمصرون على البقاء‮ ‬يتشكل لديهم مرضُ‮ ‬رفضِ‮ ‬التغيير،‮ ‬والرافضون للتغيير‮ ‬يجدون أنفسهم بالضرورة في‮ ‬صراع مع المستقبل‮. ‬وعندما لا‮ ‬يتمكن المرء من التكيّف مع التغيير،‮ ‬ويدخل في‮ ‬صراع مع المستقبل‮ ‬يكون قد حَكَم على نفسه بالموت‮.‬

وكما‮ ‬ينطبق هذا الأمر على الأفراد والمجموعات،‮ ‬ينطبق على الدول‮  ‬والحكومات،‮ ‬حيث تنتهي‮ ‬بسرعة تلك التي‮ ‬ترفض التكيف مع المستقبل ولا تستطيع التكيف مع التغيير،‮ ‬بعد أن تكون قبل ذلك قد فقدت قيمها وأخلاقها فيما‮ ‬يبدو عليها من‮ ‬غياب ثقافة الاعتذار وغياب مبدإ الانسحاب لدى مسؤوليها ثم مواطنيها على حد سواء‮.‬

لذا تجد الأمم المتقدمة اليوم،‮ ‬التي‮ ‬تعرف استقرارا سياسيا حقيقيا وتعيش حالة من الرخاء الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬وإن شابتْها بعض مؤشرات الانحلال الخلقي‮ ‬القادم،‮ ‬هي‮ ‬تلك الأمم التي‮ ‬تشيع بينها ثقافة الاعتذار والقدرة على اتخاذ قرارات الانسحاب من الحياة السياسية والعملية وحتى الفنية والرياضية عندما‮ ‬يَقِلّ‮ ‬العطاء أو تحدث أخطاء‮ ‬غير قابلة للإصلاح‮.‬

لدى الإنجليز كما لدى اليابانيين والأمريكيين والصينيين،‮ ‬والأوروبيين الآخرين بشكل أقلّ،‮ ‬هذه الثقافة،‮ ‬لا‮ ‬يتردد الوزير في‮ ‬الاعتذار أو تقديم الاستقالة إذا ما أخطأ في‮ ‬حق مواطنيه،‮ ‬وقد‮ ‬يقوم بالمهمّتين معاً،‮ ‬الاستقالة مع الاعتذار،‮ ‬كما لا‮ ‬يتردد المدير العام لكبرى الشركات في‮ ‬القيام بذلك إذا ما تبين حقيقة أنه كان خلَّف فسادا ماليا أو تسبب في‮ ‬خسارة لا تُعوض‮.‬

وهكذا تتمكن الهيئات الحكومية والوزارات والإدارات المركزية والمؤسسات الصناعية والتجارية من أن تكتسب ثقة المتعاملين معها ومن أن تبقى وتُصبح لديها القدرة على التكيّف باستمرار،‮ ‬ولعلّ‮ ‬هذا ما تفوّقوا به علينا‮.‬

إلى حدّ‮ ‬اليوم،‮ ‬لم نلاحظ سوى سيادة المنطق التبريري‮ ‬في‮ ‬خطابنا بمختلف مستوياته؛ الوزير‮ ‬يسعى جاهدا إلى تبرير ما‮ ‬يعرفه قطاعه من نقائص،‮ ‬حتى بعد أن تتحول إلى فضائح،‮ ‬بدل أن‮ ‬يبادر بالاعتذار‮  ‬للمواطنين بحكم أنه تسبب لهم في‮ ‬معاناة في‮ ‬هذا المستوى أو ذاك،‮ ‬وكذا‮ ‬يفعل المسؤول في‮ ‬أي‮ ‬مستوى كان،‮ ‬عندما تكون بيده سلطة القرار،‮ ‬يبدو له الاعتراف بالخطإ رذيلة وليس فضيلة،‮ ‬والاعتذار لمن هم أدنى منه إنقاصا من مقامه‮ “‬الرفيع‮”.‬

‭ ‬وينعكس هذا على المواطن في‮ ‬سلوكه،‮ ‬فلا اعتراف بالخطإ ولا اعتذار لديه لأيّ‮ ‬كان‮.. ‬ولو على قارعة الطريق‮. ‬بل ويصل الأمر إلى رفض الآخرين الاعتذار أو الرجوع عن الخطإ إذا ما تم انطلاقا من الشك في‮ ‬أنه‮ ‬يتم عن سوء نية أو بعد فوات الأوان‮. ‬وتستمرّ‮ ‬انعكاسات الخطإ الأول المرتكب على أعلى المستويات لتشمل كافة الناس بمن في‮ ‬ذلك الأطفال الذين لم‮ ‬يعد ردّ‮ ‬فعل الاعتذار مقبولا لديهم حتى عندما‮ ‬يتعلق الأمر بالمعلمين والأستاذة والأولياء‮.‬

ولولا بعض السلوكات التي‮ ‬نراها بين الحين والآخر لبعض ممن مازالت لديهم أخلاق المسؤولية وعزة النفس لقلنا إنه لم‮ ‬يبق أي‮ ‬أساس للمجتمع والدولة،‮ ‬رغم أننا قليلا ما نسمع عمن كانوا في‮ ‬مستوى هذا السلوك مقارنة مع أولئك المتمسّكين بعكسه تماما ممن أصبحوا‮ ‬يشكلون القاعدة التي‮ ‬تكاد تنطبق على الجميع‮.‬

لقد أعجب كل الجزائريين موقفُ‮ ‬الرئيس ليامين زروال عندما اعتذر عن مواصلة مهامه رئيسا للجمهورية وهو في‮ ‬عز قوته،‮ ‬ومازالوا إلى اليوم‮ ‬يعتبرونه موقفا متطابقا مع الشخصية الجزائرية السوية التي‮ ‬إما أن تقوم بمهامها على أحسن حال أو أن تنسحب‮ ‬غير آسفة سواء بالاستقالة المشرّفة أم برفض المسؤولية الخالي‮ ‬من كل الألاعيب والمناورات‮.‬

ولا شك أن الوزراء ورؤساء الحكومات الذين رفضوا سياسات معينة أو استقالوا طواعية من مناصبهم أو انسحبوا من الحياة السياسية هم قلة بالمقارنة مع الذين تشبّثوا بالمناصب ورفضوا التخلي‮ ‬عن المكاسب،‮ ‬إلا أنهم مع ذلك‮ ‬يبقون نماذج لما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون عليه‮  ‬المسؤول ذو الهِمَّة القادر على أن‮ ‬يكون قدوة للمجتمع‮.‬

ومنذ أيام قليلة،‮ ‬لعل الكثير من الجزائريين‮ ‬يكونون قد استحسنوا تلك العناوين البارزة التي‮ ‬أشارت فيها صحفنا الوطنية إلى اعتذار رئيس حركة مجتمع السلم على ما بدر منه من أخطاء‮. ‬

وهي‮ ‬جميعها رغم خلفيات كل منها،‮ ‬تبقى بوادر سلوك حسن تشير إلى أننا لم نفقد كلية تلك النوعية من الناس التي‮ ‬بإمكانها أن تعيد بناء الدولة وفق أسس صحيحة‮.‬

إلا أننا نخشى أن‮ ‬ينقرض تدريجيا أمثال هؤلاء،‮ ‬ويَخلِف الرافضون للاعتذار،‮ ‬والباقون رغم الأنف من‮ ‬يكونوا أسوأ منهم،‮ ‬ونفقد بذلك ما بقي‮ ‬لدينا من عناصر قابلة لأن تكون بحق مقومات جديدة لبناء دولتنا في‮ ‬المستقبل‮.‬

ولولا ذلك الرصيد الكبير الذي‮ ‬نملك،‮ ‬المستمدّ‮ ‬من قيمنا الحضارية العريقة في‮ ‬مجال التسامح والاعتذار والتوبة عن الذنب،‮ ‬لجزمنا اليوم أن كل شيء قد انتهى وأن ميزان القِيم قد انقلب تماما ولم‮ ‬يبق لدينا أي‮ ‬أمل في‮ ‬إصلاحه‮.‬

الحمد لله،‮ ‬لعل العكس هو الصحيح ولن نعدم أن نجد بالجزائر من‮ ‬يعتذر بأدب،‮ ‬ويحكم بشجاعة وحزم،‮ ‬وينسحب بشرف إن تطلب الأمر الانسحاب‮…‬

مقالات ذات صلة