-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أدب الاعتذار‮.. ‬وجرأة بناء الدولة‮‬

أدب الاعتذار‮.. ‬وجرأة بناء الدولة‮‬

الدولة في‮ ‬آخر المطاف لا تسير بمن لا أدب له ولا أخلاق،‮ ‬كما لا تسير بمن لا شجاعة لديه على الانسحاب عند‮ ‬غياب القناعة أو القدرة على القيام بالمهام ومواكبة الأحداث‮.. ‬تمر علينا المواقف الأخلاقية ومواقف الانسحاب من الحياة العامة وكأنها قرارات‮ ‬غير ذات أهمية،‮ ‬ولا نرى من الصورة سوى ما كان نقيضا للأدب والأخلاق ومرادفا لرفض الانسحاب أو رفض التخلي‮ ‬عن المسؤوليات أو حتى الاستقالة مهما كانت النتائج كارثية‮.. ‬تلك صورة في‮ ‬حاجة إلى قراءة مستقبلية بلا شك‮.‬

لماذا لا تَشيع ثقافة الاعتذار بيننا،‮ ‬إن كُنَّا مواطنين أو سياسيين أو مسؤولين في‮ ‬هذا المستوى أو ذاك؟ ولماذا تسود ثقافة رفض الاعتذار حتى بعد أن‮ ‬يتبيّن الحق،‮ ‬والبقاء رغم أنف الجميع حتى وإن كان الناس له كارهين؟ وهل لمسألتي‮ ‬عدم الاعتذار والرفض علاقة ببعضهما؟

دون شك،‮ ‬إذا‮ ‬غابت ثقافة الاعتذار لدينا حلت محلها ثقافة البقاء رغم الأنف،‮ ‬وثقافة الصَّلَف والوقاحة،‮ ‬وكل تلك الصفات الدنيئة التي‮ ‬يمكن أن تلتصق بالمرء‮. ‬الذين لا‮ ‬يعتذرون بالضرورة تتشكل لديهم شخصية المُصِرِّين على البقاء‮.. ‬والمصرون على البقاء‮ ‬يتشكل لديهم مرضُ‮ ‬رفضِ‮ ‬التغيير،‮ ‬والرافضون للتغيير‮ ‬يجدون أنفسهم بالضرورة في‮ ‬صراع مع المستقبل‮. ‬وعندما لا‮ ‬يتمكن المرء من التكيّف مع التغيير،‮ ‬ويدخل في‮ ‬صراع مع المستقبل‮ ‬يكون قد حَكَم على نفسه بالموت‮.‬

وكما‮ ‬ينطبق هذا الأمر على الأفراد والمجموعات،‮ ‬ينطبق على الدول‮  ‬والحكومات،‮ ‬حيث تنتهي‮ ‬بسرعة تلك التي‮ ‬ترفض التكيف مع المستقبل ولا تستطيع التكيف مع التغيير،‮ ‬بعد أن تكون قبل ذلك قد فقدت قيمها وأخلاقها فيما‮ ‬يبدو عليها من‮ ‬غياب ثقافة الاعتذار وغياب مبدإ الانسحاب لدى مسؤوليها ثم مواطنيها على حد سواء‮.‬

لذا تجد الأمم المتقدمة اليوم،‮ ‬التي‮ ‬تعرف استقرارا سياسيا حقيقيا وتعيش حالة من الرخاء الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬وإن شابتْها بعض مؤشرات الانحلال الخلقي‮ ‬القادم،‮ ‬هي‮ ‬تلك الأمم التي‮ ‬تشيع بينها ثقافة الاعتذار والقدرة على اتخاذ قرارات الانسحاب من الحياة السياسية والعملية وحتى الفنية والرياضية عندما‮ ‬يَقِلّ‮ ‬العطاء أو تحدث أخطاء‮ ‬غير قابلة للإصلاح‮.‬

لدى الإنجليز كما لدى اليابانيين والأمريكيين والصينيين،‮ ‬والأوروبيين الآخرين بشكل أقلّ،‮ ‬هذه الثقافة،‮ ‬لا‮ ‬يتردد الوزير في‮ ‬الاعتذار أو تقديم الاستقالة إذا ما أخطأ في‮ ‬حق مواطنيه،‮ ‬وقد‮ ‬يقوم بالمهمّتين معاً،‮ ‬الاستقالة مع الاعتذار،‮ ‬كما لا‮ ‬يتردد المدير العام لكبرى الشركات في‮ ‬القيام بذلك إذا ما تبين حقيقة أنه كان خلَّف فسادا ماليا أو تسبب في‮ ‬خسارة لا تُعوض‮.‬

وهكذا تتمكن الهيئات الحكومية والوزارات والإدارات المركزية والمؤسسات الصناعية والتجارية من أن تكتسب ثقة المتعاملين معها ومن أن تبقى وتُصبح لديها القدرة على التكيّف باستمرار،‮ ‬ولعلّ‮ ‬هذا ما تفوّقوا به علينا‮.‬

إلى حدّ‮ ‬اليوم،‮ ‬لم نلاحظ سوى سيادة المنطق التبريري‮ ‬في‮ ‬خطابنا بمختلف مستوياته؛ الوزير‮ ‬يسعى جاهدا إلى تبرير ما‮ ‬يعرفه قطاعه من نقائص،‮ ‬حتى بعد أن تتحول إلى فضائح،‮ ‬بدل أن‮ ‬يبادر بالاعتذار‮  ‬للمواطنين بحكم أنه تسبب لهم في‮ ‬معاناة في‮ ‬هذا المستوى أو ذاك،‮ ‬وكذا‮ ‬يفعل المسؤول في‮ ‬أي‮ ‬مستوى كان،‮ ‬عندما تكون بيده سلطة القرار،‮ ‬يبدو له الاعتراف بالخطإ رذيلة وليس فضيلة،‮ ‬والاعتذار لمن هم أدنى منه إنقاصا من مقامه‮ “‬الرفيع‮”.‬

‭ ‬وينعكس هذا على المواطن في‮ ‬سلوكه،‮ ‬فلا اعتراف بالخطإ ولا اعتذار لديه لأيّ‮ ‬كان‮.. ‬ولو على قارعة الطريق‮. ‬بل ويصل الأمر إلى رفض الآخرين الاعتذار أو الرجوع عن الخطإ إذا ما تم انطلاقا من الشك في‮ ‬أنه‮ ‬يتم عن سوء نية أو بعد فوات الأوان‮. ‬وتستمرّ‮ ‬انعكاسات الخطإ الأول المرتكب على أعلى المستويات لتشمل كافة الناس بمن في‮ ‬ذلك الأطفال الذين لم‮ ‬يعد ردّ‮ ‬فعل الاعتذار مقبولا لديهم حتى عندما‮ ‬يتعلق الأمر بالمعلمين والأستاذة والأولياء‮.‬

ولولا بعض السلوكات التي‮ ‬نراها بين الحين والآخر لبعض ممن مازالت لديهم أخلاق المسؤولية وعزة النفس لقلنا إنه لم‮ ‬يبق أي‮ ‬أساس للمجتمع والدولة،‮ ‬رغم أننا قليلا ما نسمع عمن كانوا في‮ ‬مستوى هذا السلوك مقارنة مع أولئك المتمسّكين بعكسه تماما ممن أصبحوا‮ ‬يشكلون القاعدة التي‮ ‬تكاد تنطبق على الجميع‮.‬

لقد أعجب كل الجزائريين موقفُ‮ ‬الرئيس ليامين زروال عندما اعتذر عن مواصلة مهامه رئيسا للجمهورية وهو في‮ ‬عز قوته،‮ ‬ومازالوا إلى اليوم‮ ‬يعتبرونه موقفا متطابقا مع الشخصية الجزائرية السوية التي‮ ‬إما أن تقوم بمهامها على أحسن حال أو أن تنسحب‮ ‬غير آسفة سواء بالاستقالة المشرّفة أم برفض المسؤولية الخالي‮ ‬من كل الألاعيب والمناورات‮.‬

ولا شك أن الوزراء ورؤساء الحكومات الذين رفضوا سياسات معينة أو استقالوا طواعية من مناصبهم أو انسحبوا من الحياة السياسية هم قلة بالمقارنة مع الذين تشبّثوا بالمناصب ورفضوا التخلي‮ ‬عن المكاسب،‮ ‬إلا أنهم مع ذلك‮ ‬يبقون نماذج لما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون عليه‮  ‬المسؤول ذو الهِمَّة القادر على أن‮ ‬يكون قدوة للمجتمع‮.‬

ومنذ أيام قليلة،‮ ‬لعل الكثير من الجزائريين‮ ‬يكونون قد استحسنوا تلك العناوين البارزة التي‮ ‬أشارت فيها صحفنا الوطنية إلى اعتذار رئيس حركة مجتمع السلم على ما بدر منه من أخطاء‮. ‬

وهي‮ ‬جميعها رغم خلفيات كل منها،‮ ‬تبقى بوادر سلوك حسن تشير إلى أننا لم نفقد كلية تلك النوعية من الناس التي‮ ‬بإمكانها أن تعيد بناء الدولة وفق أسس صحيحة‮.‬

إلا أننا نخشى أن‮ ‬ينقرض تدريجيا أمثال هؤلاء،‮ ‬ويَخلِف الرافضون للاعتذار،‮ ‬والباقون رغم الأنف من‮ ‬يكونوا أسوأ منهم،‮ ‬ونفقد بذلك ما بقي‮ ‬لدينا من عناصر قابلة لأن تكون بحق مقومات جديدة لبناء دولتنا في‮ ‬المستقبل‮.‬

ولولا ذلك الرصيد الكبير الذي‮ ‬نملك،‮ ‬المستمدّ‮ ‬من قيمنا الحضارية العريقة في‮ ‬مجال التسامح والاعتذار والتوبة عن الذنب،‮ ‬لجزمنا اليوم أن كل شيء قد انتهى وأن ميزان القِيم قد انقلب تماما ولم‮ ‬يبق لدينا أي‮ ‬أمل في‮ ‬إصلاحه‮.‬

الحمد لله،‮ ‬لعل العكس هو الصحيح ولن نعدم أن نجد بالجزائر من‮ ‬يعتذر بأدب،‮ ‬ويحكم بشجاعة وحزم،‮ ‬وينسحب بشرف إن تطلب الأمر الانسحاب‮…‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • منبه الصباح

    انت ببساطة تريد مقارنة دول حقيقية عمر الكثير منها يحسب بالقرون امم تجر ورائها حضارة ثقيلة بكيان صنعته فرنسا قسرا ونهبا لاراضي الجيران لتشكل لها محطة بنزين في المنظقة اذا لا مجال للمقارنة وما ينسحب على مستوى الدولة ينسحب على الشعوب لا تقارن شعوب متحضرة مثقفة متطورة الفكر واسلوب الحياة بقطيع من الغاشي فنيان لا يشتغل ولا يقرا ولا ينضبط لضوابط يعني غاشي همج ...... انتظر الخراب فهو قادم

    منبه الصباح