أردوغان وإيران.. تسابق نحو المجهول؟
بين إيران وتركيا علاقة تاريخية يحكمها التعاون أو التنافس وأحيانا الصراع، وفي كل هذه الحالات هناك احترام بين البلدين الكبيرين اللذين يعرفان لبعضهما قدرهما في المنطقة ورسم خريطتها السياسية.. ولأن تركيا إحدى أهم دول الإقليم فهي تتطلع دوما لدور ريادي في تلوين المنطقة بسياساتها سيما بعد مجيء حكم التنمية والعدالة الذي يستند إلى خلفية عثمانية وتربطه بمحاولات النهضة في المشرق روابط قوية من الأفكار والثقافة.. ولعله مما يغري أردوغان أن الحركات الإسلامية في المشرق لها صلة روحية بالخلافة العثمانية، الأمر الذي ينعش لدى قادة التنمية والعدالة أحلاما نحو العثمنة، وهذا يمثل خطا سياسيا في المنطقة في مواجهة الخط الذي تنشطه إيران حاليا في العراق وسوريا والبحرين واليمن.. ومع أن الخط العثماني في المنطقة يتلقى ضربات قوية شتته في بعض المناطق وأرهقته في مناطق أخرى، إلا أنه يجد حاضنة كبيرة في المنطقة في مواجهة الخط الإيراني الذي يضم حتى الآن في مكوناته البعد الشيعي إلى حد بعيد.. وهكذا يبدو الاصطفاف في المنطقة اصطفافا طائفيا..
لا يفكر الناس في مراحل الاصطفافات الطائفية كثيرا في معيار الاصطفاف ولا يهتمون بما هو صواب وما هو غير ذلك، لأن الروح الجاهلية متمكنة من الجهلة وأصبح العمل بموجبها برنامجا لدى كثيرين وهناك بلاشك أخطاء ارتكبها هذا الطرف أو ذاك أوغلت الصدور وحفرت في ظلام النفوس لها مكانا.. وأصاب العمى كثيرا من الأطراف في المنطقة فلم تكتشف الأولويات وتعيد ترتيبها ولم تفرز جبهة الأعداء ودوائرها عن جبهة الأصدقاء ودوائرها.. وأصبحت الإشاعة وكلام السقط من المهرجين هي اللغة السائدة في الإعلام وبين أوساط الناس ما يعني ميلاد المناخ المرضي الملائم لكل شر وسوء.
المنطقة العربية حبلى بالمشكلات الحقيقية والمفتعلة، والمطلوب من إيران وتركيا أن يقدما بروح المسؤولية التاريخية مبادرات لا تعقد المشكلات العربية الداخلية والخارجية.. فالعرب يتعرضون لهجمة قصد تفتيت بلدانهم وتبديد ثرواتهم وتهجير أبنائهم .. مؤامرة كونية على العرب.. والمنتظر تاريخيا من إيران وتركيا أن تنأى كل منهما عن محاولات الصيد السريع، لأنه صيد مسموم.
تركيا وهي تختار العلاقة مع بعض الأزمات في المنطقة العربية على طريقة الانحياز إلى وجهة نظر لا تصبح مرجعية لأهل السنة ولا مؤهلة بأن تحمل قضاياهم.. كما أنها لا يمكن أن تكون في موقع الصدارة لأهل السنة وهي تقيم العلاقات مع إسرائيل والتنسيق الاستراتجي ولا تقوم أو لا تستطيع أن تقوم بأي موقف مؤثر بخصوص أهل فلسطين ومقدسات فلسطين..
وإيران وهي تخص علاقاتها بقوى شيعية في المنطقة العربية وتتبنى وجهات نظرها أو تميل إليها وتنحاز كان ينبغي أن تدرك أن كل شيء يتضخم وسيذهب كثيرون إلى تفسير تصرفاتها على أسوأ محمل.. في العراق ولبنان وسوريا والبحرين واليمن.. صحيح أنها تصارع النفوذ الأمريكي في العراق وصحيح أنها تدعم الحوثيين بشعارات الموت لإمريكيا، وصحيح أنها تتصدى للمخطط الغربي في سوريا، وصحيح أن الحكم في البحرين مستأثر ومتلبس بالتسلط.. لكن كل هذا لا يكفي.. لأن السؤال الكبير الذي يبرزه الآخرون: ألم تجد إيران من السنة ما يقف ضد أمريكا ومن هو ضد الكيان الصهيوني؟ أليست المقاومة العراقية في معظمها من أهل السنة؟ أليس الفلسطينيون في لبنان كانوا هم معقل المقاومة؟ أليس أهل السنة في لبنان كان يمكن الاعتماد عليهم في الارتقاء بالمقاومة؟ أليس هناك أحرار وشرفاء في سوريا ليسوا من الشيعة يمكن التعويل عليهم؟.. أليس هناك يمنيون أحرار من السنة؟ أليس هناك بحرينيون شرفاء من السنة.. ؟
إن الميل بغريزة الطائفة والاصفاف بروحها أمر مشين لمن يحمل راية مشروع حضاري مقاوم للقوى الأجنبية التي تريد استعباد الأمة ومن هنا بالضبط كان ينبغي الارتقاء لمستوى طموح الأمة وآمالها في الحرية والاستقلال.
إيران لن تحقق شيئا مهما بالنووي ولن تحقق شيئا كبيرا بتجميعها لشيعة العالم.. فالنووي الحقيقي هو وحدة الأمة وتكاملها وتعاونها، كما أن تركيا لن تذهب بعيدا في طريق التنمية إن هي ارتكست لحسابات بانحيازات صغيرة هنا وهناك، تاركة ما هو أهم من ارتصاص على أساس الأمة وحضارتها.
صحيح أن العرب ليسوا في وارد التأثير على صياغة الأوضاع في المنطقة، لكن من يستطيع أن يستبعد ذلك بشكل نهائي؟ إن كل الاحتملات واردة لا سيما في ظل وجود القضية الفلسطينية التي تستطيع أن تولد مبادرات وأفكار قد تتيح المناخ لميلاد قوى عربية تأخذ بزمام المبادرة.. تولانا الله برحمته.