-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أسئلة النص العالمي

واسيني الأعرج
  • 3140
  • 1
أسئلة النص العالمي

ما معنى النص الأدبي العالمي؟ بأي المقاييس الموضوعية تنتقل النصوص نحو هذا الحلم الذي يبتغيه كل محترف للكتابة؟ قد يكون في الإجابة بعض التعقيد ولكن يمكننا أن نبسط الأمر قليلا ونقول: النص العالمي هو النص الذي حقق شيئا من الاتساع وأصبح جزءا من الذاكرة الإنسانية.

  • اخترق الحدود بوسائطه الفنية الخاصة، واستقر نهائيا في عمق التفكير الإنساني ليصبح جزءا من ثقافته اليومية. بهذا المنطق لن تجد كل النصوص الناجحة مكانها في هذه الدائرة.
  • تتفرد اربعة نصوص في ثقافتنا العربية عن غيرها لأنها إلى اليوم ما تزال تشكل جزءا مضيئا من الذاكرة الجمعية الإنسانية: القرآن الكريم الذي اخترق كل الحدود الوضعية ليستقر داخل وخارج أرض نشأته، وفصل المقال لابن رشد الذي ساهم في النقاش الإنساني الدائر حول دور الأديان وموقعها في تسيير المدينة La Cité، وألف ليلة وليلة التي صبغت مخيال العالم بقصصها، وإلى حد ما رسالة الغفران للمعري لأنها تختبئ في أعماق أهم مرجع ثقافي أوروبي: الكوميديا الإلهية لدانتي آليقري الذي وضع الثقافة الغربية في أفق الحداثة. هذه أهم النصوص التي أنجزتها العبقرية العربية ودخلت في النسيج الثقافي العالمي وساهمت في تحويله في العمق، فتخطت الحدود وأصبحت جزءا من الذاكرة الجمعية الحية. الأسباب مختلفة: القرآن احتل هذه الذاكرة وانتقل عبر العالم لقداسته أولا ولقوله الجديد وسط إنسانية غالبيتها من الفقراء والمحرومين كانوا في حاجة إلى نص ينصفهم ويرفع من شأنهم ويدافع عنهم. فعبَر من خلال حروب طاحنة وفتوحات متوالية بلاد الهند والسند وآسيا وإفريقيا وجزيرة أيبيريا وجزءا مهما من أوروبا، أما نص فصل المقال فقد منح أوروبا الغارقة في تقديس الحروب الدينية ومحاربة العقل وسيلة للفصل بين فعل العقل المتحرر والكنيسة المنغلقة على مقولاتها المتكررة. أما بالنسبة لألف ليلة وليلة فالعكس هو الذي حدث، فقد دخل بسلاسة كما تفعل النصوص الإنسانية العظيمة، فحرر الذاكرة الجمعية من ظلامها وذعرها ووضعها أمام حرياتها الجسدية واللغوية وأعاد لها ألق الشوق الإنساني.
  • أما رسالة الغفران فقد كانت وراء نهضة شعرية أوروبية أعادت للشعر الإنساني والأوروبي تحديدا ألقه وأخرجته من دائرة التكرار إذ لم تكن الكوميديا الإلهية من حيث بنيتها الداخلية إلا عودة إلى رسالة الغفران التي بنيت بدورها على رحلة الإسراء والمعراج النبوية. حققت هذه النصوص العربية عالميتها من علاقتها المتشابكة مع الفعل الإنساني الذي سَدت أمامه نقصا معرفيا وإبداعيا محسوسا. قد يكون العامل الزمني مهما جدا في تحقيق هذه الغاية أو هذه النقلة باتجاه رحابة لا حدود لها. من هنا يتبدى بوضوح أن العالمية في هذا السياق، لا تصنعها دائما اللحظة الراهنة والحاضر المتغير باستمرار ولكنها ديمومة في الزمان والمكان وتستجيب لحاجة إنسانية حساسة. شكسبير دالة واضحة على ذلك. لم يكن شيئا يذكر في الزمن الذي عاشه مهمشا. فقد أهمل على مدار القرنين اللذين أعقبا وفاته، ولم يكن أحد ينشغل بقوة مسرحه التراجيدي. وانتظرت البشرية قرنين من الزمن قبل أن تضعه على رأس صناع التراجيدية الخالدين. فقد عبرت نتاجاته عن رؤية عالمية واسعة أعادت تشكيل المسرح من أساسه ورتبت الذوق من جديد. هذا وحده كاف لأن يجعلنا نتأمل ما يحدث أمامنا من حركة وتموجات ترفع نصوصا إلى مصاف النصوص العالية وتنزل نصوصا عالية القيمة إلى حضيض التغاضي والنسيان. يجب أن يدفعنا ذلك إلى الكثير من التأمل والتريث. كل شيء يحمل في عمقه صيغة المؤقت والهش. العالمية مدار تاريخي وليست إطارا زمنيا ولا إرادة للبشر فيه مهما حاولوا وإلا لكانوا خلدوا كُتّاب الحواشي الضعيفة التي لا شيء يفرضها إلا قوة السلطان. إن ألف ليلة صارت جزءا من الذاكرة العالمية بفعل تأثير سحرها في الذاكرة الجمعية بالمعنى الإنساني الواسع عبر امتداد التاريخ وعبر فعل تلاقحي شرقي غربي معقد، إذ لا أحد عاقل ومتبصر يهمل ملمس أنطوان غالان Antoine Galland على الليالي.
  • يبدو أننا اليوم بصدد عالمية مبتورة تحتاج بالفعل إلى تأمل حقيقي. الكثير من عناصرها محكوم بشروط غير ثقافية وغير علمية ولكنها تستجيب لشرطية سياسية مرتبطة بوضع محدد يراد تبريره بوسائط فنية وإبداعية. جانب العالمية الظالم لا يمكن نكرانه أبدا ولكنه من المؤكد ظلم مؤقت في الزمان والمكان. ليس كل ما تقذف به هذه العالمية صالح لأن يكون تاريخيا مهما ولا زمنيا. الذاكرة قاسية ويمكن أن تنسى ما افتُرض عاليما بقوة الآلة الإعلامية، بسرعة كبيرة لأنه في النهاية صناعة مفروضة وليس عالمية أدبية أو فنية تعتمد على وسائلها الداخلية الخاصة. وإلا لماذا لم يُلتفت نحو ساحة عربية شاسعة ثقافيا، كانت إلى وقت قريب منتجة للمعرفة وغنية بإسهاماتها، على الرغم من حالات الإحباط المتكرر، إلا بعد قرابة القرن من إنشاء جائزة نوبل مثلا؟ المتأمل للثمانين سنة السابقة لنجيب محفوظ يكتشف أن الإبداعية العربية لم تكن جافة مطلقا ولا ميتة، وأسهمت إلى حد بعيد في أنسنة مجتمعات حكمها مدة طويلة القهر العثماني وسعادة الإنسان، وقاتلت من أجل حداثة مستعصية، وقاومت الاستعمارات المتتالية باستماتة من خلال نصوص إبداعية تشكل اليوم مراجع ثقافية متميزة وعظيمة. جيد أن لا تكون العالمية في يد مجموعة بشرية بعينها تقرر وتحدد الصالح من الطالح، ولكن في كفّ صيرورة تاريخية إنسانية في عمقها، أكثر تشابكا وتعقيدا وأكثر عدلا كذلك تتجاوز إرادات المجموعات البشرية المحكومة بمصالح آنية ثقافية وسياسية وربما حضارية غير معلنة.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • البوزيدي

    القرآن ليس نتاج العبقرية العربية كما تقول صحح معلوماتك