أساتذة يصابون بعاهات مستديمة على أيدي تلاميذهم!
عادت ظاهرة العنف المدرسي وبالتحديد ضد الأساتذة، للواجهة من جديد، بعدما غاب الحديث عنها في الآونة الأخيرة داخل المحيط المدرسي، وتطوّر الأمر لدرجة إصابة أساتذة بعاهات مستديمة على يد تلاميذهم، قد تتسبب في فقدانهم لمناصب عملهم، ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر، فالسكوت عن الأمر، قد يحوّل المدرسة لحلبة صراع بين الأستاذ وتلميذه، وقد ينذر بارتكاب جرائم قتل في المحيط المدرسي مستقبلا.
روينة: العنف المدرسي أخذ منحى خطيرا ولابد من حلول
ندّدت جمعيات أولياء التلاميذ ونقابات التربية، بتجدد العنف ضد أساتذة المدارس، من طرف تلاميذهم، لدرجة تعرض بعض المعلمين لإصابات بالغة الخطورة، استدعت علاجهم بالمستشفيات أياما طويلة.
وتكرّرت حوادث الاعتداء على الأساتذة في الآونة الأخيرة بشكل متقارب جدا ومنها ما تعرّض له أستاذ بولاية خنشلة، حيث قذفه شخص مجهول بمادة الحمض الخطيرة “الأسيد” أصابته على مستوى وجهه وعينيه، واستدعت مكوثه في المستشفى أيّاما عديدة.
وتضاف إلى تلك الحادثة ما تعرض له أستاذ تربية بدنية، مؤخرا من قبل تلميذه وداخل المؤسسة التعليمية وكذا ما تعرض له أستاذ الاجتماعيّات بالجزائر العاصمة، الذي فقد بصره جراء اعتداء غادر أثناء خروجه من مؤسسته التعليمية ببلدية براقي. كما تعرض لكسر على مستوى الأنف والجبهة.
وعرف العنف المدرسي ضد مربي الأجيال منعرجا حاسما ومخيفا، فبعد أن كانت أقصى درجات العدوانية لا تتعدى مشاحنات كلامية وشتائم أو قذف بالبيض والطماطم في الشارع انتقل الأمر إلى اعتداءات جسمانية قد تتسبب في عاهات مستديمة وتصنّف من وجهة نظر القانون ضمن خانة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد، وقد تصل عقوبتها حتى 20 سنة سجنا نافذا أو المؤبد، لأنّها جناية مكتملة الأركان.
فما الّذي يجعل مراهقا، يقدم على محاولة قتل أستاذه، في سلوك عدواني جدا، عواقبه وخيمة على الضحية والمتهم في الوقت نفسه، وماهو تأثير هذه الجرائم على العملية التعليمية والتربوية؟.
خالد: الطلاق من أهم أسباب عدوانية التلاميذ
وفي الموضوع، أكّد رئيس الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ، أحمد خالد، بأن العنف في الوسط المدرسي، تحوّل مؤخرا لظاهرة متكررة، لا يمكن السكوت عنها، وهو ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر، ” فظاهرة العنف المدرسي، بلغت منحنى خطيرا، إلى درجة الاعتداءات الجنسية على التلاميذ”.
وكشف خالد، أن جمعيته اقترحت في عهد الوزيرة السابقة نورية بن غبريط، تشكيل لجنة لمتابعة موضوع العنف بالمدارس، وذلك في لقاءات متكررة، لكن وزارة التربية تجاهلت المقترح الذي ما يزال حبيس أدراج المكاتب.
وفسّر المتحدث، أسباب ظاهرة العنف المدرسي بتقصير كثير من العائلات في تربية أبنائها، تربية صحيحة وسليمة، وقال “الطّفل صفحة بيضاء، تدوّن فيها العائلة ما تريد، وسلوكاته هي انعكاس لما تلقّاه من والديه أولا، ثم من محيطه وأخيرا من مدرسته”.
واعتبر، أن تسجيل قرابة 70 ألف حالة طلاق سنويا، وعدم وجود تكفل بالأطفال المطلّق أهلهم، يتسبب في اختلال التوازن النفسي للطفل، وجنوحه للعنف، إضافة لإهماله في سن المراهقة، وعدم السؤال عن رفاقه المقربين.
وزادت وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، الأمر سوءا، بزرعها كميات كبيرة من العنف والتوتر في نفوس الأطفال” على حد تعبيره.
روينة: سياسة اللاعقاب غذّت تنامي الاعتداء على الأساتذة
بدوره أكد الأمين العام لنقابة الثانويات الجزائرية، “كلا”، زوبير روينة لـ “الشروق”، بأن وتيرة العنف في تزايد، وليس في الوسط المدرسي فقط، بل تحوّلت، حسبه، إلى ظاهرة مجتمعية، تحتاج إلى دراسة وتحليل. لمعرفة أسباب عدوانية كثير من التلاميذ.
وقال، بأن المدرسة تؤثر وتتأثر بالمجتمع، وإذا عاش الطفل في أسرة تعاني المشاكل والتفكك، أو كان يعيش في حي مليء بالعنف والانحلال الأخلاقي، فسينقل ذلك السلوك إلى داخل قسمه ومدرسته، لأن المجموعات المجتمعية تؤثر على بعضها البعض.
وتطرّق روينة لحادثة الاعتداء على الأستاذ بولاية خنشلة في 2021، باعتبار الأخير عضوا في نقابة “كلا”، فأكد أن المعتدى عليه، كان متوجها لمدرسته حوالي السابعة صباحا، فتفاجأ بشخص مجهول يرشه بماء “الأسيد”، ما تسبب له في جروح خطيرة، أثرت على إحدى عينيه، وهو الآن يتماثل للشفاء.
وأكد الأستاذ لمحدثنا، بأنه لا مشاكل له مع أي شخص، ليرجح روينة، بأن المعتدي تلميذ سابق للضحية، وقال “لحدّ اليوم نجهل مجريات التحقيق”.
ووصف محدثنا الاعتداءات الخطيرة، بـ”السابقة ” في الوسط المدرسي، بعدما أخذت منحنيات خطيرة جدا، سواء بإحداث عاهات مستديمة للأساتذة، ورشّهم بمواد خطيرة وقاتلة، وآخرها الاعتداء على أستاذات وداخل مقر إقامتهن بالمدرسة، بولاية برج باجي مختار.
ليخلص، بأن سياسة اللاّعقاب “هي من تجعل المعتدين يتمادون في عنفهم، فالتلميذ المعتدي لابد له من عقاب، يتناسب مع فعلته وسنه، حتى يتعلم تحمّل المسؤولية، ولا يكرر جريمته”. لأن تجاهل السلوكات “المشينة” يجعلها مقبولة مجتمعيا، وهو ما يمهّد لظهور جرائم أخطر في المجتمع، ليختم محدثنا، بأن الأستاذ أو المعلم في مجتمعنا “لم يعد يحظى بالاحترام الذي يستحقه”.