أصحاب الجبة السوداء يستنزفون جيوب الزوالية
خلق قانون الإجراءات المدنية الجزائري، عدة نقائص واختلالات شكلت عائقا أمام حقوق المتقاضين، بعد أن أنهكت أتعاب بعض المحامين جيوب الزوالية، لا لشيء سوى أن مهنة المحاماة حرة ومستقلة وغير خاضعة لمقاييس ضبط من الناحية المالية، ليقع المتقاضي بين مطرقة أتعاب المحامي وسندان الإجراءات المعقدة، ويتوه في أروقة المحاكم، بعيدا عن مكاتب المساعدات القضائية لجهله بوجودها.
رفض بعض أصحاب الجبة السوداء الخوض في الحديث ومناقشة موضوع أتعاب المحامين، حين تحفظوا عن الإدلاء بأية تصريحات، وانتقدوا القانون الجزائري والإجراءات المدنية، والذي حسبهم يحتوي على نقائص واختلالات.
“الشروق” وقفت على ضياع المتقاضين داخل أروقة المحاكم بين غرف النزاعات التجارية والعقار والميراث وقضايا الفرع المدني وشؤون الأسرة، ناهيك عن فرع الجنح والجنايات، ليجد المتقاضي صعوبة في تحصيل حقوقه في ظل ارتفاع أتعاب بعض المحامين الخيالية، لاسيما تلك المبالغ المتعلقة بالجنايات والجرائم المعقدة، والتي تستدعي دفع الملايين دون سلطة ضبط لتحديد الأتعاب، وتردع بعض التجاوزات اللامسؤولة، لذا اخترنا الاستماع للمتقاضي، وقلة من أصحاب الجبة السوداء الذين وافقوا على الحديث دون ذكر أسمائهم.
نجية ترهن مجوهراتها لشراء حكما مخففا لفلذة كبدها
اضطرت السيدة”نجية.ب” حين التقيناها بمحكمة بئر مراد رايس إلى رهن مصوغاتها وبيع سيارتها من نوع”بيجو207″ بعد أن تورط ابنها الوحيد في قضية، تم تكيف وقائعها من جنحة إلى جناية، وحسب ما أكدته أن أحد المحامين بصفته عضو نقابة طلب منها تسديد أتعابه المقدرة بمبلغ 30 مليون سنتيم، لتجد نفسها مجبرة على تأمين المبلغ بأية طريقة، وتقديم تنازلات في سبيل إطلاق سراح فلذة كبدها بعقوبة موقوفة النفاذ أو تخفيف الحكم عنه، وعن رأيها حول الأتعاب تحدثت بأسى أنها تجدها مكلفة جدا، ولا تملك الخيار سوى الدفع أو ترك حقوق ابنها تضيع، تضيف المتحدثة أنها مقتنعة نوعا ما حسب شروحات المحامي الذي أخبرها أن القضية حساسة، وتستدعي القيام بعدة إجراءات منها ترجمة بعض الوثائق الرسمية من اللغة الفرنسية إلى العربية وتكاليفها باهضة، وهذا وفقا للإجراءات القانونية الجديدة.
عجوز في رحلة بحث عن محامي“الزوالية“
وبينما نحن نتصفح الشاشة الالكترونية لنوعية القضايا المبرمجة بمحكمة سيدي أمحمد بالعاصمة، كانت بقربنا سيدة في رحلة البحث عن محام متمكن بعد أن وجه إلى فلان، لاختصاصه في قضايا المتاجرة بالمخدرات، خاصة وأن ابنها حكم عليه غيابيا بعقوبة 10 سنوات حبسا، لاسيما وأن والد الشاب مغترب بفرنسا منذ 20 سنة، ووجدت نفسها تحمل مسؤولية ثقيلة على عاتقها، لتبدأ رحلة البحث عن محامي “الزوالية” ينجدها بأتعاب معقولة، بعد أن فقدت الأمل كون الأتعاب مكلفة جدا، وأكدت الأم العجوز أن أحدهم أرشدها إلى محامي يتقاضى مبلغ 4 ملايين بالنسبة لقضايا الاتجار في المخدرات والدفع يكون عبر أقساط، وذاك هو مبتغاها، في ظل حالتها الاجتماعية المزرية، وحين حاولنا أخبارها بوجود مكاتب مساعدات قضائية، والتي من شأنها تكليف محامين للدفاع عن المتهمين مجانا، وفقا لقانون الإجراءات وعن الملف المرفق فيستوجب شروطا معينة أهمها عدم المؤمنين اجتماعيا والعاطلين عن العمل والمحتاجين اجتماعيا، فأكدت جهلها للموضوع.
قانونيون: “على الإدارات العمومية إصدار كافة الوثائق باللغة العربية“
وتتواصل معاناة المتقاضين مع أتعاب المحامين، لتطغى أيضا تكاليف ترجمة الوثائق الإدارية الرسمية هي الأخرى، لتستنزف جيوب الزوالية، والمكرسة تبعا لقانون الإجراءات المدنية، والتي تستوجب ترجمة كافة الوثائق المقدمة للقضاء إلى اللغة العربية، وتشمل العرائض والمذكرات، كما تنص عليه المادة ثمانية من القانون الجديد، في حين يرى بعض القانونيين أن إلزامية ترجمة النصوص والمذكرات يرهن قضايا المتقاضين ويعطل مصالحهم، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في قانون الإجراءات المدنية، كون إجبارية الترجمة لا يمت بصلة للنصوص القانونية ولابد على الإدارات العمومية إصدار جميع الوثائق باللغة العربية للتقليل من أعباء الترجمة التي استنزفت جيوب المتقاضين، وآخرين يتنازلون عن حقوقهم لكثرة الإجراءات وتعقيدها.
ويبقى نقص المترجمين حسب أحد أعضاء النقابة مشكلا، يضاف إلى أتعاب المحامين، وكذا ضعف تكوين المترجمين في المجال قانوني، والذي يخلق عدة مفارقات صعبة، مشيرا إلى بعض المحامين يتقاضون أتعابا تصل إلى مبلغ 60 مليونا في القضايا المتعلقة بالصفقات العمومية والتجارية، وهذا بسبب كثرة الوثائق والمجلدات، والتي تستدعي ترجمة جميع المستندات والوثائق، إذا المشكل الأساسي يكمن ـ حسب ـ ذات المتحدث في القانون المدني، وليس في مطالبة المحامي بأتعاب التقاضي.
أوضح محامي معتمد لدى مجلس قضاء العاصمة “م.عمر” أن قانون الإجراءات المدنية أثار زوبعة وسط أصحاب الجبة السوداء، مشيرا في سياق حديثه إلى غياب سلم لتحديد أتعاب المحامي أمام غياب تام لقانون أو تعليمة صادرة من هيئة حقوقية لتنظيم حقوق المحامين والمتقاضين على حد سواء، وعن تكلفة الأتعاب، أشار محدثنا إلى نوعية القضية بين الجنحة والجناية ووضعية المتهم إن كان مسبوقا قضائيا من عدمه، وبين الموقوف بالمؤسسة العقابية والمستفيد من الاستدعاء المباشر.