أطفئوا نار العراق
يزيد عدد القتلى العراقيين في شهر أكتوبر الحالي على السبعمائة، بعد موجات من التفجير التي طالت مساجد وأسواقا ومحلات عامة، حيث تشهد الساحة العراقية انعكاسات واضحة لما يجري في سورية.. وهاهي الأرقام تقول بوضوح إن الحرب الأهلية في العراق أوقعت في العراقيين خسائر تزيد على تلك التي أوقعتها الحرب الأمريكية على العراق. فنحن الآن نقترب من العام التاسع من الاحتلال الأمريكي وبداية تشكل حكم عراقي رغم كل الدخن الذي يلفه.. في هذه السنوات حصلت انتخابات للبرلمان وتم تشجيع القوى السياسية والأشخاص على الانخراط في العملية السياسية بإغراءات واسعة من خلال الرواتب المرتفعة للبرلمانيين والوزراء والموظفين السامين.. وتشكلت قوى سياسية وازنة كقائمة القانون وقائمة العراقية وسواها من القوائم الجهوية والمذهبية.. وكان يمكن أن تسير الأمور بشكل سلس لبناء عراق جديد بعد دمار دولته وحل جيشه.. إلا أن الإقليم ينظر إلى العراق نظرة تحسب وترقب والأمريكان لا يهدأ بالهم تجاه عراق موحد متجانس. فصار الأمر دوما في اتجاه التفجير المستمر.
لقد تمتع العراق على مدار التاريخ الإسلامي بروح التنوع في إطار الوحدة والاجتهاد.. في إطار الالتزام.. فكان العراقيون بكل مذاهبهم ودياناتهم وقومياتهم نسيجا اجتماعيا متداخلا.. ففي العراق برزت كل المذاهب الإسلامية الفقهية والعقائدية والسياسية. وفي العراق برزت الأفكار الغريبة من الزنادقة والمتطرفين ولم يكن ذلك إلا مثار إعجاب الناس أجمعين بسعة صدر العراق لكل هذا التنوع الثقافي.. أجل. لقد كان العراق وبغداد عاصمة الثقافة العربية الإسلامية العتيدة.. وفي هذا النسيج الحضاري تميزت علاقة المسلمين بتآخ وتكامل واحترام فيما بينهم، لا سيما الشيعة والسنة المتداخلين بالمصاهرات والمشاركات والجيرة. ففي العشيرة الواحدة تجد سنة وشيعة. وللرجل الواحد تجد أخوالا شيعة وأخوالا سنة، أو أعماما شيعة وآخرين سنة.. ومن لطيف تعاملهم معا تجد إحياء ذكرى عاشوراء يشارك فيه السنة والشيعة بمستويات مختلفة.. وفي العراق علماء كبار سنة وشيعة اجتهدوا كثيرا لتقريب وجهات النظر وتجسير الفهم بين أتباع المذاهب.
لا مشكلة في العراق بين سنة وشيعة. فبعض الشيعة عملاء للأمريكان والغرب، وبعض السنة يسيرون بأوامر مباشرة من الموساد والأمريكان.. وكثير من الشيعة أحرار شرفاء يدافعون عن إسلامهم وأمتهم وعراقهم بكل تضحية وعطاء، شأنهم شأن كثير من إخوانهم السنة. ويجمع كلهم على أن فلسطين أرض العرب والإسلام وأنه لا يجوز التخلي عن أي جزء منها للعدو الغاصب.. ويقف الجميع من أبناء العراق صفا واحدا ضد التدخل الأجنبي في سوريا.. ولهذا يصبح العراق هدفا مباشرا للعدو الأمريكي، الذي لا يتوقف في أزّ شياطينه الصغار في المنطقة لتمويل آلة القتل والبطش الأعمى في بلد كان يمكن أن يكون رافعة نهضة في الأمة.
من هنا، لا بد أن يتداعى الشرفاء في الإقليم والوطن العربي والعالم الإسلامي لقطع الأيدي الخبيثة التي تريد حرق العراق وزرع الفتنة بين أبنائه بشعارات كاذبة.. فمن يطفئ نار العراق.. إنه واجب أخلاقي وديني وقومي وحضاري. فأين جامعة العرب والمؤتمر الإسلامي؟ إننا كما ندين كل عمليات العنف في العراق، ندعو العراقيين إلى إعلاء شأن الوحدة، وندعو الإقليم، لا سيما دول الخليج إلى التوقف عن تزويد مجموعات القتل بالمال والسلاح.. وندعو الأحرار من عرب ومسلمين إلى القيام بما ينبغي نحو بلد من أعز بلدانهم .