-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“أعداء الكتاب”

“أعداء الكتاب”

من أجّل ما أنعم الله – عز وجل- به على الإنسان أن علّمه البيان، وقد أشارت عدة آيات كريمات إلى هذه النعمة الجليلة، التي بدونها يصبح هذا الإنسان كالحيوان يأكل ويشرب و..

 لقد كان هذا التعليم الرباني للإنسان في أول خلقه، فقد جاء في القرآن الكريم أن الله – سبحانه وتعالى- “علّم آدم الأسماء كلها”، و”أسجد” له – بسبب هذا التعليم – الملائكة.. وكان أول ما أنزل الله – عز وجل- على الرسول- صلى  الله عليه وسلم – قوله: “إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم”.. ففي هذه الآيات الكريمات أمر الله – سبحانه وتعالى – بالقراءة قبل أن يأمر بأيّ مأمور به، فكأنّ جميع ما أمر به من دون هذه القراءة ليس بشيء..

ومن أجمل ما قرأت حول القراءة ما ذكر ابن مريم صاحب كتاب “البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان” من أن الإمام الجليل أبا عبد الله الشريف التلمساني سأل – ولمّا يبلغ الحلم – أحد أشياخه في مدينة تلمسان إن كان في الجنة قراءة؟ فقال له المسؤول: “فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين”، فعقب عليه قائلا: “لو قلت لي لا قراءة فيها؛ لقلت لك لا لذة فيها”…

امتثل المسلمون لأمر الله – عز وجل – ولم يجعلوا القرآن عضين؛ يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، فأقبلوا على العلم إقبالهم على الحياة، فراحوا يؤسسون المدارس ويقفون الأوقاف الدّارّة للمال على تلك المدارس وعلى المعلمين، بل حتى على طلاب العلم، ويكرمون العلماء، وينشئون المكتبات، ويرسلون الرسل لشراء الكتب وترجمتها، حتى صاروا في ذلك مثلا…

ثم غيروا ما بأنفسهم فتغير ما بهم.. فجهلوا بعد علم.. حتى صاروا مثلا في الجهل، وحتى وصفهم من وصفهم بأنهم “أعداء الكتاب” كما ذكر أحمد حسن الزيات.. والكتاب هو أهم وسيلة لنشر العلم –

مدينة كمدينة الجزائر تذرعها من الشرق إلى الغرب ومن البحر إلى سهل متيجة فلا تجد فيها إلا عددا قليلا من المكتبات، وهو أصدق دليل على عدم إقبال الناس على القراءة، أي على الكتاب، وهي التي يفوق عدد سكانها الخمسة ملايين.. بل إن عدد المكتبات في تناقص..

فمن من جيلي من لا يعرف “المكتبة الجزائرية” و”مكتبة مرازقة” في شارع باب عزون القصير؟ ولكنهما الآن صارا كحديث خرافة، لا وجود لهما.

ومَن من جيلي لا يعرف المكتبات الأربع في شارع العربي ابن مهيدي التي “ذهبت مع الريح”، ولم يبق منها إلا واحدة.. تموت ببطء..

يبني بعض الجزائريين دورا من جميع الأحجام، بعضها قصور ممردة، ويزينونها بما لا يخطر على البال، ولكن إن قُدّر لك وزرت أكثر تلك القصور فلن تقع عيناك على كتاب، إلا أن يكون كتابا في الطبخ اشترته السيدة – أو اشترى لها – لتعد ما لذ وطاب من المآكل، وكثير من أصحاب هذه القصور لم يؤتوا رشدا، مصداقا لقول الشيخ الجليل أحمد سحنون -رحمه الله-:

ومن بنى دارا ولم يتخذ **مكتبة فيها فلم يرشد

إن “داء عداوة الكتاب” ليس مقصورا على محدودي التعليم؛ بعل تعداهم إلى كثير من كبار الأساتذة، فقد ذكرت جريدة الشروق في أحد تحقيقاتها أن “عميدا” لكلية الآداب في إحدى جامعاتنا اعترف بأنه لم يرتكب “جريمة” القراءة منذ عشرين سنة ! فمن لم يجد ماء للوضوء فليتيمّم على هذا الكائن .. يغتر بعضنا، خاصة المسئولون، بذلك “الطّكّوك” الذي يصيب بعض الجزائريين مرة في السنة فيهرعون إلى ما يسمى “صالون الكتاب”، فيقولون إننا من أكثر الشعوب قراءة… وهذا أكذب الكذب.. فبعض الذاهبين يذهب للتنزه، وبعضهم يذهب لشراء كتب “تفسير الأحلام”، وبعض النسوة يذهبن للتزود بكتب الطبخ، والقلة – بالنسبة للزائرين، والأقل بالنسبة للجزائريين – هي التي تذهب للمعرض للتزود بكثير مما افتقدته طوال السنة في الجزائر..

إن الأمر الذي يخيفني هو أن عداوتنا نحن الجزائريين للكتاب ليس حديثا؛ بل هو قديم فقد قرأت في مجلة الشهاب (جزء 7 مجلد7 / جويلية 1931، ص 460) ما كتب من أن كتاب تاريخ الجزائر في القديم والحديث للشيخ مبارك الميلي الذي صدر في 1926 1927 “لا يزال يشكو حبسه في الخزائن، ويندب حظه من القراء الذين أعرضوا عن اقتنائه مع حاجتهم إليه”، ولهذا كتبت البصائر – فيما بعد – تتساءل: “ما لهم لا يقرأون؟”. (9 / 10 / 1953، ص 8).

ومما يحضرني دليلا على استفحال “داء عداوة الكتاب” فينا – إلا من شُفي منه- هو أننا كنا ثلاثة جزائريين (محمد ڤ من تڤرت، وموسى س من باتنة، ومحدثكم) ذاهبين في حافلة من مدينة تركاي في جنوب انجلترا إلى مدينة لندن، وكانت الحافلة شبه ممتلئة، وما استرعى انتباهي، ولفت نظري هو أن كل راكب كان منشغلا بقراءة كتاب أو مطالعة مجلة أو جريدة – إلا الثلاثة الذين هم نحن، الذين ندعي أنه لم يخلق مثلنا في البلدان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الامام

    انا امام احب الكتب لا راتبي لا يسمح لي بشراء الكتب ....اتمنى من الشيخ الحسني ان يكتب مقالا عن معاناة الامام....تحت عنوان الالمام بما يعانيه الامام

  • بدون اسم

    أنزل الله سبحانه الكتاب و الحكمة
    الكتاب معلوم محفوظ
    و الحكمة هي سنّة نبينا و رسولنا محمّد (صـ) و سنّة الخلفاء من بعده و اجتهاد الصحابة و تابعيهم باحسان
    و أغلب محرري الكتب هم في الأغلب متعلّمين علماء تصدر من أقلامهم الحكم المختلفة الاّ من شذّ و من شذّ في النار العالم الذي اذا زلّ زلّ عالم بما جاء به
    كانت العرب قديما تقول المشورة لقاح العقول أي نقل العلوم و الآداب ليس من الحاضرين فقط بل من الماضين الى الحاضرين و من الحاضرين الى أجيال المستقبل
    فأوّل ما نزل في الكتاب أمر بفعل القراءة هذا هو الاسلام

  • DJELLAL.MOH

    جميع ما أمر به من دون هذه القراءة ليس بشيء.دء...............................داء عداوة الكتاب.............نحن، الذين ندعي أنه لم يخلق مثلنا في البلدان.الأمر الذي يخيفني هو أن عداوتنا نحن الجزائريين للكتاب ليس حديثا؛ بل هو قديم

    .........
    .

  • الورثلاني

    كنا ثلاثة جزائريين (محمد ڤ من تڤرت، وموسى س من باتنة، ومحدثكم) ذاهبين في حافلة من مدينة تركاي في جنوب انجلترا إلى مدينة لندن، وكانت الحافلة شبه ممتلئة، وما استرعى انتباهي، ولفت نظري هو أن كل راكب كان منشغلا بقراءة كتاب أو مطالعة مجلة أو جريدة - إلا الثلاثة الذين هم نحن، الذين ندعي أنه لم يخلق مثلنا في البلدان.
    "نحن، الذين ندعي أنه لم يخلق مثلنا في البلدان". ما اجمل هذه الخاتمة!
    بالفعل نحن الجزائريون نتيه كبرياء و صلفا و عجرفة و نتبجح بجزائريتنا كما لو كانت الجزائر سيدة البلدان رغم اننا التخلف!

  • الورثلاني

    "ومن أجمل ما قرأت حول القراءة ما ذكر ابن مريم صاحب كتاب "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان" من أن الإمام الجليل أبا عبد الله الشريف التلمساني سأل - ولمّا يبلغ الحلم - أحد أشياخه في مدينة تلمسان إن كان في الجنة قراءة؟ فقال له المسؤول: "فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين"، فعقب عليه قائلا: "لو قلت لي لا قراءة فيها؛ لقلت لك لا لذة فيها".
    هذا المقطع اروع ما في المقال رغم ان الكاتب اضحكنا حين قال:

  • جزائرية

    أحبك في الله يا شيخنا الفاضل

  • merghenis

    "ما لهم لا يقرأون؟" لعدة أسباب ؛ للخمول نصيب معتبر من هذه الأسباب وهذا إن توفرت الكتب...
    على كل حال يمكن قراءة مقالات تبرز أهمية القراءة للفرد والمجتمع ، مقالات يكون الأسلب فيها غير أسلوب الكاتب.

  • احمد بوبكر

    اعجابني الموظوع واحزنني كثيرا وشكر.

  • الورثلاني

    بارك الله فيك يا شيخ.
    كم نحن بحاجة لمن يذكرنا بهذه الحقائق المؤلمة و يثابر على تذكيرنا بما ءال اليه حالنا من سقوط و انحطاط ! من يدري ربما حيا الخشب.