الرأي

ألـّي ضرباتو يدّو ما يبكيش!

جمال لعلامي
  • 4586
  • 1

موسى تواتي يهدد بزبر النواب التسعة الذين اختاروا التمرد والعصيان، وهم يتوعدون بسحب الثقة منه، بعدما فضلوا حضور جلسة تنصيب “برلمان الأفلان”، بدل حضور تنصيب البرلمان الموازي، والحال أن هؤلاء النواب “يعرفو صلاحهم”، فالبرلمان الرسمي هو الذي سيدفع لهم أجورهم ويمنحهم الحصانة، أمّا البرلمان الموازي، فما هو سوى حركة سياسة “ما توكلش الخبز!”

ألم يعترف رئيس جبهة “الأفانا”، بأنه جمع ما لا يقل عن 6 ملايير مقابل عمليات البيع والشراء التي خضعت لها قوائم الترشيحات قبل العاشر ماي، وبالتالي مادامت العملية تتعلق بعملية بزنسة وسمسرة، كيف يُمكن الآن لتواتي أو غيره من قيادات الأحزاب التي باعت واشترت، أن تحاسب نوابها الذين دفعوا الملايين مقابل رأس القائمة؟

لا يُمكن لتاجر “كلونديستان” أن يشتكي بزبونه للعدالة والأمن، ويُجبره على ردّ البضاعة التي باعها إيّاه سرّا وتحت جنح الليل، طالما أنه دفع له ثمنها، وبالتالي فهو حرّ في أن يفعل بها ما يشاء، يحق له أن يستهلكها أو يرمي بها في المزبلة أو يتصدّق بها أو يأكل نصفها أو يُعيد بيعها، ولذلك لا يجوز لتواتي أو غيره ممّن باعوا الترشيحات والترتيبات، أن يُطالبوا النواب الفائزين بردّ النيابة أو مقاطعة البرلمان!

الذي اشترى رأس قائمة وفاز في التشريعيات، بمبلغ مائة أو مائتي مليون أو أكثر، من الطبيعي أن يُعطي لنفسه الحقّ في إعادة تحصيل الأموال التي دفعها، طالما أن العملية أصبحت تجارية فيها بيع وشراء وفائدة وفيها أيضا رابح وخاسر!

هذا هو خطر “الشكارة” والمال الوسخ الذي اجتاح “بوتيكات” الأحزاب خلال التشريعيات الأخيرة، وما الذي يُمكن انتظاره من حزب تحوّل إلى “بازار” لتسويق الترشيحات وبيع رؤوس القوائم الانتخابية لمن يدفع أكثر، بنفس الطريقة التي يروّج بها تجار الأرصفة “التقشيرات” والنعول المغشوشة؟

هذه هي نتيجة تلطيخ العمل الحزبي والنشاط البرلماني بالمال المشبوه، فعلى تواتي وغيره من رؤساء الأحزاب الذين دخلوا بورصة “المارشينوار”، أن يتحملوا مسؤولياتهم في تتفيه الولاء والطاعة وتكريس التبعية لمن يملك رصيدا ماليا بالبنك، وليس لمن يدفع رصيدا نضاليا داخل الحزب!

قديما قالوا: “ألـّي ضرباتو يدو ما يبكي”، وتواتي ضرب الأفانا قبل أن يضربها نوابها المتمرّدون الذين رفضوا التفريط في الثلاثين مليونا وفي الحصانة ودفء البرّ-لمان، وقد لاحظ الجميع كيف تحوّلت أغلب الأحزاب، القديمة منها والجديدة، إلى دكاكين وأكشاك عشية الانتخابات، لا تختلف عن نقاط البيع التي ينشرها الوكلاء المعتمدون لشركات “صارل” أو ذات الشخص الوحيد!

نعم، ليس هناك دليل ملموس في فضائح بيع وشراء رؤوس القوائم الانتخابية، لكن العديد من الاعترافات والشهادات والقرائن، تؤكد حدوث “رشوة” قبيل التشريعيات، ومثلما يبحث اليوم المترشحون الذين دفعوا الملايين والملايير، ولم يفوزوا بالمقعد البرلماني، يبحثون عن طرق تعويض خسارتهم، فإن الذين دفعوا ودخلوا البرلمان غير مستعدين البتـّة لتضييع اللقمة وهي بين أسنانهم جاهزة للمضغ!

تحويل الأحزاب إلى أسواق فوضوية لا تدفع الضرائب، وتسوّق للمستهلكين سلعة مسمومة ومنتهية الصلاحية، وصل الآن إلى مرحلة سحب النواب الذين صعدوا بالملايير، الثقة من رؤساء التشكيلات التي باعتهم الترشح، وهذه نهاية طبيعية لكلّ معاملة تجارية تعتمد الفساد وتـُبرم تحت “الكونطوار” بعيدا عن أعين مصالح مراقبة الجودة وقمع الغشّ!

مقالات ذات صلة