الرأي

ألمانيا-الجزائر: بالأمس واليوم وغدا، لأي حتمية عالمية؟ 

عمار تو
  • 481
  • 0
رئاسة الجمهورية (شبكات)
الرئيس تبون مع نظيره الألماني خلال الزيارة التي قادته إلى ألمانيا من 15 إلى 17 جويلية 2026.

كثيرة هي الأجيال الجزائرية التي لا تتذكر الزمن  الجميل للتعاون الزاخر الذي كان يجمع الجزائر يالمانيا الاتحادية (الغربية) قبل أن تتوحد ذات ثالث اكتوبر 1990، في المانيا واحدة (الحالة) مع ما كان يعرف بألمانيا الديمقراطية أو المانيا (الشرقية).

وقد اختفت هذه الأخيرة بعد انهيار  المعسكر الاشتراكي الشرقي بجناحه العسكري، حلف وارسو، الذي كان يشكل القوة المعادلة في مواجهة المعسكر الرأسمالي الغربي بجناحه العسكري، الحلف الأطلسي الذي يوجد اليوم في حالة إنعاش سريري حسب اقوال أعضاء نافذين من داخله.

لقد ورثت هذه الأجيال، ضمنيا ودون مرجعية عقائدية معتمدة رسميا، ثقافة سياسية  تصنف الجزائر ضمن  هذا المعسكر الاشتراكي الذي كان، في واقع الأمر، لا يخفي تعاطفه الواسع مع القضية الجزائرية ومع كفاح الجزائر المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، وفي بيع السلاح لبلادنا بعد استرجاع سيادتها وفي تعاونها المتعدد الأوجه حين كانت  في أمس الحاجة إلى كل شيء، بعد خروجها من كفاح دام 132 سنة (1830 -1962) منها ثمان سنوات طوال من الكفاح المسلح (1954 -1962).

فألمانيا الاتحادية (الغربية) لسنوات (1970)، على وجه الخصوص، كانت، بالكاد، تتمتع، عمليا، بنوع من الاحتكار الصناعي والتكنولوجي في الجزائر، ضمن  نموذج الصناعة المصنعة الذي كان الرئيس هواري بومدين قد بادر بإنجازه. مع التذكير بأن مقتنيات الجزائر من التجهيزات الصناعية المدنية، أنى كان نوعها، كانت تقتنى كلها، آنذاك، من بلدان ”المعسكر الغربي” لأنها لم تكن، ببساطة، متوفرة في بلدان المعسكر الشرقي إلى عهد قريب، إلا ما ندر، ولا يعتد به  كمرجعية وازنة.

وهي الأجواء الاقتصادية الغربية نفسها التي  تعلم فيها كاتب هذه المساهمة، في ميدان تسيير المؤسسات الاقتصادية في المعهد الوطني للأنتاجية والتنمية الصناعية في اطار اتفاق تعاون بين وزارة الصناعة والطاقة الجزائرية ومدرسة الدراسات العليا التجارية ل”مونتريال الكندية” لما بعد التدرج، بصفته إطارا لمؤسسة عمومية اقتصادية تقلد بعدها منصب مدير تجاري ومنصب مدير عام مساعد قبل أن يترقى، لاحقا، إلى مسؤوليات مدير عام بعد حصوله على شهادة دكتورا في الاقتصاد  ولينتخب بعدها، نائبا في البرلمان ورئيسا للجنته الاقتصادية،  ليتقلد، أخيرا، عدة حقائب وزارية.

لقد كلفت الجزائر خلال سنوات  (1970)، شركات عتيدة من جمهورية ألمانيا الاتحادية (الغربية)، بإنجاز أهم المشاريع التنموية المهيكلة الكبرى ضمن رؤية تصنيعية رفيعة الطموح نذكر منها:

    – مركب قسنطينة للمحركات والجرارات الفلاحية، بما فيها علبة السرعة لجرار ”سيرتا” الشهير والذي تكفلت به، حديثا، الصناعات العسكرية الأكيدة المراس تحت عنايتها العلمية والمهنية. وكذلك كان الأمر بالنسبة لبدايات صناعة تجهيزات الإنتاج المتمثلة في مؤسسة AlMO الشهيرة لإنتاج ”المخارط” fraiseuses) (،على سبيل المثال والتي كانت لنا،،حينها، كمسيرين جامعيين شباب، مصدر افتخار كبير. لكنها لم تعمر، كتوجه، ولم تسترجع، بعد، حتى بعد عودة الروح التدريجية للفكر الصناعي، إلى أن ظهرت بوادرها من خلال تكفل الصناعات العسكرية بإنتاج محرك وعلبة السرعة في مركب قسنطينة للمحركات والجرارات الفلاحية كما أسلفناه، ومن خلال إدماج محرك سيارة (OPEL) الألمانية في الاتفاقيات المبرمة ولأول مرة، خلال زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا، لأخيرة كما سنذكره، لاحقا،

– مركب صناعة العتاد الفلاحي  بسيدي بلعباس الذي تم التكفل به هو، آيضا، مجددا في السنوات القليلة الأخيرة، في شراكة مع شركة فنلندية لأنتاج الحاصدات الدارسات بأحجام كبيرة لتلبية الحاجيات الزراعية الجديدة، لا سيما تلك التي تتطلبها، اليوم على وجه الخصوص، الفلاحة الصحراوية على مساحات أكثر شساعة من ذي قبل.

– الصناعات الإلكترونية بسيدي بلعباس حيث ركزت ألمانيا تدخلها على تحويل التكنولوجيا لصالح الجزائر  وعلى إنتاج الأنظمة المتطورة،

– المسبكة الكبرى ل”تيارت” لصناعة الشاحنات نصف مقطورة من حمولة  20 طنا وشاحنات قاطرة بمقطورات مسطحة من حمولة 40 إلى 60 طنا.  وهي اليوم أيضا، في مرحلة إنعاش ضمن تعاون مع الصناعات العسكرية وبالخصوص تلك التي لها صلة بصناعة حافلات ”مارسوديس،”بأحجام مختلفة،

– صناعة الشاحنات  والحافلات ب”رويبة” بمسبكتها المركزية  التي كانت تابعة للشركة الوطنية ” سوناكوم” أو الشركة الوطنية للمركبات الصناعية، لاحقا. وهي الصناعات، أيضا، التي انتعشت، مؤخرا، بغرض استمرار إنتاج الشاحنات والعافلات مختلفة الأحجام والاستعمالات تحت إشراف الصناعات العسكرية،

–  صناعة الدراجات النارية ب”قالمة” التي كانت  خصخصتها قد تمت دون وجه حق، وتم، حديثا، استرجاعها، قانونا، لصالح القطاع العام،

– إنجاز خط  كامل للزجاج المسطح بمركب الزجاج بولاية جيجل من طرف مجمع صناعي ألماني،

– ينضاف إلى هذه الإنجازات لشركات ألمانية في سنوات (1970)، عندما لا يتعلق الأمر بعقود  بصيغة ”المفتاح في اليد”، (ينضاف) التزويد بالعتاد الصناعي لصالح فروع صناعية أخرى، كتلك المتعلقة بتجهيزات صناعة قطاع المحروقات (البترول والغاز الخام) والبتوكيمياء والنسيج والخشب والفلين والصناعات الدوائية، مع ضمان التكوين والتمهين المصاحبين دائما للإنجازات الصناعية، في هياكل ملائمة مصاحبة، مجاورة، لأماكن الإنتاج الصناعي، بما في ذلك العقود المبرمة في صيغة ”المفتاح أوالمنتوج في اليد،”الصيغ وهي الصيغ التي كانت سائدة، آنذاك، تواليا.

فانهيار الاقتصاد الجزائري العميق لسنوات 1986-1999، والتيهان الذي  عرفه هذا الاقتصاد خلال هذه الفترة قد شدد من آثار تفاقم الخلط في الرؤى لسنوات 2015-2019، رغم الصحو المتقطع المسجل خلال سنوات 2000-2014. مما لم يمكن المانيا الموحدة، من المحافظة على الريادة التي كانت تتمتع بها في السوق الجزائرية قبل سنوات ما قبل سنوات أزمة الاقتصاد الجزائري التي انفجرت ابتداء من سنة 1986 وهذا رغم إستعادة تموقعها في قطاعات صناعية وتكنولوجية جزائرية  أخرى، مثل تزويد الجزائر بتجهيزات خاصة بقطاع المحروقات بما فيها صناعة بعضها في الجزائر بالاشتراك مع سوناتراك.

فالزيارة التي قام بها رئس الجمهورية  عبد المجيد تبون  أيام 15 و 16 و 17 جويلية 2026 لألمانيا، يعتبر نسجا  لديكور أكثر  فتحا لآمال أوسع لمستقبل العلاقات بين البلدين، اقتصاديا وجيواستراتيجيا قد رصعها التوقيع على 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم، من شأنها رفع حجم المبادلات بين البلدين التي كانت قد بلغت، مستوى  3,5 مليار دولار، ب 5 مليارات دولار أخرى بتقاسم أكثر نفعا للجزائر في ميزان التبادل بين البلدين. ويسعدني أن أقدم فيما يلي، زبدة ملخصة عن هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم  التي أبرمت والتي، من شأنها،  تكريس شراكة استراتيجية بين البلدين والتي تمس :

   – الانتقال الطاقوي،

   – توطين الصناعات المختلفة في الجزائر،

   – النقل،

   – التكنولوجيات المتطورة ذات الصلة بالطاقة والهيدروجين في اطار العقد الجديد لتزوألمانيا يد بالغاز المميع وتطوير مشروع انبوب الهيدروجين الأخضر في شراكة للجعل، من الجزائر، رائدا في انتاج الهيدروجين الأخضر مع اتفاق  يخص انتاج المحللات الكهربائية،

   – تركيب محرك سيارة اوبيل ((Opel في الجزائر  مع صناعة السيارة نفسها في الجزائر في احترام صارم للقواعد الجديدة المعمول بها، لا سيما تلك المتعلقة بنسبة الاندماج محليا،

   – تصنيع، بموجب رخصة،  مصاعد العمارات،

   – تصنيع أجزاء من تراموي في الجزائر،

   – صناعة، بموجب رخصة، تكنولوجيات جديدة في الجزائر، خاصة تلك الموجهة للصناعات الصيدلانية المتطرة، مثل انتاج الخلايا الجدعية لمعالجة أمراض  الخلايا والمعالجات الجينية حيث قطعت الجزائر، فعليا، مراحل متقدمة في تحقيق مثل هذه الأهداف.

فبعد روسيا من خلال زيارة رئيس الجمهورية في جوان 2023، والصين التي زارها في جويلية 2023 وإيطاليا  في ماي 2022 وجويلية 2025، وألمانيا التي زارها أيام 15 و 16 و 17 جويلية 2026 وإسبانيا في 20 جويلية 2026 من خلال زيارة رئيس حكومتها إلى الجزائر،

وإلى جانب تكريس الروابط الأخوية التاريخية المجيدة والروابط الاقتصادية  المتطور سريعا مع تركيا، في أجواء  متفائلة طبعتها ثلات زيارات لرئيس الجمهورية إلى هذا البلد في  2022 و 2023 و 2026، لا سيما، بالتوازي الملموس، مع توسيع وتنويع صناعة الحديد والصلب، على وجه الخصوص، من قبل شركة ”توسيالي” التركية  العملاقة بمركبها  في أرزيو-وهران (المتزايد الطاقة الإنتاجية في 2021 و 2024 و 2026)، وفي مشروعها ببشار، في تفاعل إيجابي متواتر مع بداية الاستغلال التدريجي التاريخي لمنجم الحديد والصلب لغار جبيلات،

وتسجيلا، في أعقاب زيارتين أداهما رئيس الجمهورية  إلى مصر (جانفي 2022 و وأكتوبر 2024)،  لالتزام عملاق الحديد والصلب المصري ”العز للحديد” والصلب في أفريل 2026 بهدف معلن لإنتاج 2,5 مليون طن سنويا وبتقنية الاختزال المباشر الحديثة النظيفة وباستثمارات تقارب المليار دولار،

ومع مضاعفة الاستثمارات القطرية المشتركة في الحديد والصلب ب”بلارة-جيجل” المعلن عنها في أفريل 2026 بقصد مضاعفة طاقات الإنتاج، إلى جانب المشروع القطري لإنتاج الحليب المجفف ولحم البقر باستثمارات مباشرة عالية بقيمة (3,5) مليار دولار في ولاية أدرار(المعلن عنه في 2024)  إثر زيارتين اداهما رئيس الجمهورية إلى قطر (في فبراير 2022 وجوان 2023) والجاري إنجازه في مراحل متقدمة،

ومع التحاق المملكة العربية السعودية  بالركب الاستثماري في الجزائر، باستثمارات استثنائية (5,4بقيمة) مليار دولار في ميدان البحث والتنقيب عن الغاز وصناعته في ”إليزي وجانيت” المعلن عنها في أكتوبر 2025،

وفي انتظار تجسيد الهدف الموعود الأكيد، من الاستثمارات العمانية-الجنوب كوربية لصناعة السيارات من نوع ”هونداي” الذي تم الإعلان عنه في فبراير  2025، تذكيرا بزيارة رئيس الجمهورية إلى  هذا البلد الشقيق التي قد تمت في أكتوبر 2024،

ويالتفاعل الإيجابي المتوازي الدائم مع الولايات المتحدة الأميركية، اقتصاديا وتكنولوجيا و جيوسياسيا وأمنيا،

وتطويقا إيجابيا محكما، تحت روح التعاون الاقتصادي والأمني، بغرض مواجهة بؤر النزاعات الجهوية في منطقة الساحل الإفريقي، من خلال إنجاز مشارع مهيكلة في صالح كل بلدان المنطقة مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء في موازاة الطريق الصحراوي وخط السكة الحديدية وحبل الألياف البصرية العابرة كلها للصحراء،

بعد كل هذه المآثر وغيرها مما لم يتسن لنا ذكره، تكون ألجزائر قد اختتمت أهم حلقات توافقاتها مع أهم مقتضيات الحتمية العالمية.

أما بشأن مستقبل علاقاتها مع فرنسا، بالنظر إلى التوترات التي عرفتها هذه العلاقات،  فحدسنا يبقى الأمل واسعا، في رؤية فرنسا تستمر، هي الأخرى، في قراءتها الصحيحة التي اهتدت إليها بالأمس القريب، تفاعلا إيجابيا مع المشهد الجزائري المعروض أعلاه وذي الصلة بتفاعلات الجزائرالإيجابية مع أهم مقتضيات الحتمية العالمية المتفائلة، في إجابة، متفائلة هي أيضا، على السؤال الذي طرحناه في عنوان هذه المساهة المتواضعة.

 المراجع

عمار تو:  ”الجزائر، الإشكالية الاقتصادية والحتمية العالمية”.مثرى ومحين  مؤلف من 807 صفحة. صدر في طبعة ثالثة عند ”كليك للنشر”- الجزائر العاصمة  في أكتوبر 2025 ووزع في مارس 2026.

مقالات ذات صلة