-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أمريكا والصين: هل اقترب موعد تصادم القطارين؟

حمدي يحظيه
  • 883
  • 0
أمريكا والصين: هل اقترب موعد تصادم القطارين؟

الوضع الدولي الحالي يمكن وصفه إنه إما مخاض لنظام دولي جديد أو مخاض لفوضى شاملة. استطلاعات الرأي تقول أن أغلبية الدول والشعوب تفضل- بدلا من الفوضى-، الاحتكام إلى المنطق وإقامة نظام دولي جديد مختلف عن الحالي. لكن هذه الامنيات يسخر منها الواقع الذي يؤكد أن الفوضى الشاملة قد سبقت المنطق والتمني، وأن القانون الدولي تم تجاوزه، والجميع أصبح مقتنعا ومُدركا أن أي بلد قوي يمكن أن يستغل الفوضى الحالية ويفعل ما يشاء إذا أستطاع. النظام الدولي الجديد الذي يهفو له العالم المغلوب ويتمنى أن يحدث قبل الفوضى، والذي يتحدث الناس والمحللون عنه، لازالت ملامحه غير واضحة، وظروفه- حتى لو كانت ناضجة- تحتاج إلى وقت طويل لترجمتها إلى فعل إذا لم تحدث هزة عالمية عنيفة قريبا. كل ما يحدث الآن هو هزات ارتدادية لحرب خفية تدور بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وهذه الحرب هي التي ستحدد معالم النظام الدولي القادم وتُشكل العالم. إذن، توجه العالم نحو الفوضى الشاملة أو البحث عن نظام دولي جديد أصبح مرتبطا، حتما، بفرضية تصادم القطارين الصيني والأمريكي اللذين يسيران، بسرعة مفرطة، على نفس السكة في اتجاهين متعاكسين.

لقد أصبح واضحا أن ما تقوم به الولايات المتحدة هو إما عربدة ونزق وطيش أو هو تخبط أو ردة فعل غير مدروسة لمحاولة كبح جماح الصين التي- حسب واشنطن- تجاوزت الخطوط الحمراء. فإبادة غزة ولبنان وسوريا، وتدمير إيران قريبا، واحتلال فنزويلا واحتمالا احتلال كوبا أيضا ما هي إلا عملية استباقية لقطع الاشجار التي يختفي وراءها العدو، أو عملية لقطع الطرق التي يمكن أن يسلكها التنين الصيني.

ريغن دمر الاتحاد السوفياتي… فهل يستطيع ترامب تدمير الصين؟

في عقيدة الولايات المتحدة الأمريكية إنها عندما تحس بالخطر، تُبادر دائما بحرب استباقية لتدمير القوة التي تهددها، وعادة يحدث ذلك بطريقة ناعمة تبدأ من الداخل من خلال استغلال نقطة ضعف في البلد المُستهدف. فحتى تبدأ تدمير العدو الذي يهدد مصالحها، تحتاج الولايات المتحدة دائما إلى شئين: دعم من داخل الدولة المستهدَفة ورئيس أمريكي ارعن يتجاوز القانون الدولي والأمم المتحدة.
في الثمانينات من القرن الماضي تم انتخاب ريغان لتدمير الاتحاد السوفياتي، وحدث التدمير من الداخل عن طريق التفكيك، وتشجيع الاستقلال وتشجيع الاقليات العرقية، وحدث بدون إطلاق طلقة واحدة. كان تلك الهجمة الناعمة أكبر نجاح استعراضي حققته الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها، وهو النجاح الذي بفضله انفردت بالسيطرة على العالم بدون خسائر إلى الآن.

الآن، بعد أكثر من ثلاثين سنة من تدمير الاتحاد السوفياتي، بدأت تظهر رؤوس التنين الصيني من هنا وهناك، وبدأ الأمريكي يحس بالخطر وبهذا الخنق الصامت الذي يحيط بعنقه ببطء، لكن بصرامة وقوة.

الذين يقررون وراء الستار في الولايات المتحدة الأمريكية أو ما يُسمى منظرو الدولة العميقة انتخبوا ترامب ليقوم بدور البطل الذي يقطع رؤوس التنين الصيني. لكن إذا كان ريغان قام بتفتيت الاتحاد السوفياتي المترهل بفضل الاعتماد على الصورة والبروباغاندا وتسريب الأموال والجواسيس وتخريب الداخل وتشجيع الاستقلال والانفصال، فهل يستطيع فريق ترامب اختراق الصين من الداخل وتركيعها؟ المهمة تبدو صعبة أو شبه مستحيلة، لأن الصين تبدو- إلى الآن- قوية من الداخل بما فيه الكفاية وغير قابلة للاختراق، كما إنها توسعت كثيرا خارجيا بصمت مثل بقعة الزيت، ووصلت إلى القارات الخمس، وأصبحت أموالها وشركاتها على أسوار حدود العم سام.

بما أنه يمكن حدس أن الصين-افتراضا- عصية على الاختراق الداخلي، وعصية على التفتيت وعلى الاستهداف في عقر دارها، فماذا ستفعل الولايات المتحدة الأمريكية لقطع رؤوس التنين الصيني؟ تملمُلْ الولايات المتحدة الأمريكية، وقفزها على القانون الدولي، وعربدتها في العالم وجنونها يؤكد أن الخطر الصيني أصبح على الأبواب. في حسابات الولايات المتحدة، في حالة أن يبقى الوضع على ما هو عليه الان، بدون حرب، وتفشل الولايات المتحدة في اختراق الصين من الداخل، ستتفوق هذه الأخيرة اقتصاديا في النهاية، وتتزعم العالم، وهذا يعني هزيمة نكراء للولايات المتحدة التي تهددها الحروب الداخلية والصراعات. أمام المحاصرة الصينية للولايات المتحدة ماذا بوسع هذه الأخيرة أن تفعل؟ هل تلجأ إلى القوة العسكرية، وهل القوة كفيلة بهزيمة الصين؟ في كل الحالات، ستتهرب الصين ما استطاعت عن المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، وستنتهج سياسية التنازل هنا والربح هناك، التقدم هنا والتراجع هناك، مد اليد هنا والصفع هناك، وهذا قد يؤخر تصادم القطارين، لكن لا يمنعه. إن الاعتماد على قوة الاقتصاد والمال التي تنتهجها الصين مدمرة، وتواجد الشركات الصينية الذكية في كل زوايا الكرة الأرضية هو أكبر سلاح تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية. الكثيرون يتوقون إلى تصادم القطارين بسرعة حتى يتمخض عن ذلك نظام دولي جديد بدل النظام الحالي الظالم، لكن، في نفس الوقت، هؤلاء الذين يتعجلون الصدام بين الدولتين المذكورتين يخشون أن تنتصر فيه الولايات المتحدة، وإذا حدث ذلك لا قدّر الله ستكون هي من يحدد النظام الدولي الجديد، وتصبح هي الأمم المتحدة وهي مجلس الأمن وهي كل شيء. العقبة الوحيدة الحالية أمام الولايات المتحدة الأمريكية، حتى تصبح هي الأمم المتحدة وهي كل شيء، هي الصين وحدها. خروج الولايات المتحدة الأمريكية الآن وطلب النزال مع الصين لن يخرج عن فرضيتين: إما أن الولايات المتحدة الأمريكية ستجرب مخطط تدمير داخلي في الصين أعدته منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وحان موعد تنفيذه، أو إنها فقدت أعصابها وليس لديها ما تفعل ما عدا نشر الفوضى والرقص على الهاوية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!