-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الروائي زرياب بوكفة لـ "الشروق":

“أنديجان” تعيد سؤال أبو القاسم سعد الله.. هل نحن وطن؟

زهية منصر
  • 1316
  • 0
“أنديجان” تعيد سؤال أبو القاسم سعد الله.. هل نحن وطن؟
ح.م

عاد المبدع زرياب بوكفة إلى الساحة الأدبية برواية ستصدر قريبا اختار لها عنوان “أنديجان” يقارب فيها بين جيلين في الجزائر، جيل الثورة وجيل ما بعد الاستقلال ويرصد من خلالها خيبات الجزائر والفرص الضائعة فيها. يقدم بوكفة نصا مثقلا بالشعرية لكن لغته تضع أفكاره في قالب سردي متفرد ربما هذا ما جعل الراحل الطاهر وطار يعتبره واحدا من الأصوات التي تملك طريقة مذهلة في السرد منذ أن نشر له روايته الأولى “غدا يوم قد مضى”. يتحدث زرياب في هذا الحوار عن خياراته السردية في “انديجان” وما جاء فيها من طرح ومقاربات..

تعتمد في “انديجان” على غرار أعمالك السابقة، على الأرشيف أو الإحالات الواقعية، هل تعتقد أن هذه الطريقة تعطي عملك سندا في الواقع أو تمنحه المصداقية أكثر؟

اعتمدت ‏هذه الطريقة لأخفف عن النص قليلاً إطالة السرد ‏بكل التفاصيل التاريخية أو الإخبارية التي تجعل النص مملاً ومتعتعاً بإفساد الانسياب الدرامي، فألجأ إلى تهميش أو فصل كل تلك التفاصيل عن النص الرئيس محاولاً إبقاء ‏الطابع الإنساني خالصاً. فالأدب لا يؤرِخ للأحداث بقدر ما يؤرِخ لأحاسيس الناس وظروفهم الإنسانية، وسرد الأحاسيس يكون بلغة الأحاسيس ‏بعيدا عن اللغة الإخبارية أو التاريخية. ثم إن الرواية سردٌ عاطفي انفعالي وذاتي، ولولا منطق التأريخ فيها لأصبحت كأي نصّ آخر.

تسرد الرواية حياة ثلاثة أجيال من الثورة إلى الاستقلال إلى ما بعد الاستقلال لكن مفهوم “الأنديجان” لم يتغير، هل تعتقد أن الدولة الوطنية كمشروع فشلت؟

‏هذا ما حاولت فهمه وأنا أكتب “أنديجان”، ‏حاولت أن أُجيب عن سؤال أبو القاسم سعد الله رحمه الله: ‏هل نحن فعلا وطن؟ ‏حاولت أن أفهم فقداننا الكامل للانتماء وأن وطنيتنا الوحيدة هي البيت والعمل وموقف الحافلات، أو انتماء عرقي محدود بجغرافية ضيقة جداً، فأنا ‏لست جزائرياً بقدر كوني شاوياً حركاتياً من عين البيضاء، ‏ ومفهوم الوطن الواحد بالتاريخ الواحد والمصير الواحد أمر يتجاوزني فعلياً، ولا أعتقد أن القبائلي أو الصحراوي أو القسنطيني قد يخالفني هذا الشعور. ‏

‏لا توجد مدينة واحدة بالجزائر لا يوجد بها محل للمزابي أو السطايفي أو القبائلي أو كل تلك الصفات العرقية التي تطلق ‏على من هو أجنبي على المدينة. وكأن السطايفي في عين البيضاء أو العاصمة أتى من دولة أخرى أو شعب آخر.

في العمل شبه إدانة للنخبة من خلال نموذج حسن أخ دحمان الذي دخل الجامعة لكنه لم يتمكن من توجيه دحمان خارج خيار التطرّف الذي كان يسير إليه؟

هل لدينا فعلاً نخبة؟ كانت لدينا نخبة في الثلاثينيات ‏والأربعينيات مقسمة ‏ما بين ابن باديس وجمعيته والفرونكوشيوعيين واللذين كانا يغذيان ‏الحركة الوطنية حتى قيام الثورة.

ثم ركب الثورة من ركبها وحدثت مجازر 1958 حيث قضت الثورة ‏على كل الطلبة والمثقفين بتهمة الخيانة، وبقت تصفي صفوفها من كل مثقف حتى بعد الاستقلال، وسُرق الاستقلال ‏وكبر النظام على فسقه وطغيانه، ‏زعيما تلو زعيم، همهم ‏الوحيد محو النخبة وتعويضها بنخبة مُروضة تخدم مصالح أسيادها.

فكانت المخابرات تخطف، تقتل، تهجر كل من يحمل ذرة نزاهة في فكره، ‏حتى لم يعد للشعب من نخبة إلا مثقف كاذب بخس، إما من أفق، سياسي عفن، أديب ملتقيات، أو معلم “شهّار” وصحفي “قوالبي” ومعارضة صُنِعت في غياهب بوزريعة وبن عكنون.

‏في الرواية لم يحاول حسين شيئاً مع أخيه لأنه كان يجري وراء “خبزته”، ‏ولا يمكن للمثقف أو الفاعل أن يكون نخبوِياً وهو “خبزيست”.

من خلال أحداث الرواية يبدو أفق التغيير في الجزائر ضئيلا.. هل فعلا نحن شعب ميؤوس منه؟

لا طبعاً، رأينا في حراك 22 فيفري جيلاً مدركاً تمام الإدراك لمصيبته ومصيبة الوطن، ‏جيل يعرف لمن يوجه أصابع الاتهام، جيل هو “ورد الجناين” ‏كما كان يقول أحمد فؤاد نجم، نبت كخضراء الدمن وسط نظام هو الأسوأ في تاريخ الجزائر وبين جيل هو الأسوأ منذ الاستقلال.

جيل وجد نفسه وحيداً قبالة جبننا وطمعنا وخنوعنا، اتهمناه بكل التهم، جيل الملاهي والصاروخ، جيل الكيراتين والسراويل الهابطة، جيل ميهوبي وريفكا، جيل الحرقة. قلنا عنه كل هذا حتى لا نجد أنفسنا مجبرين على الاعتراف بأننا أكثر إيلاماً وخرابا للوطن من نظامه.

نحن جيل “الخبزة” و”الكاشير” بامتياز، نناقش “دريدا” و”فوكوياما” و”فوكو” ونحلل فكر “ابن النبي” وننتقد ابن باديس والأمير عبد القادر، نسترجل خلف شاشات كمبيوتراتنا، نستجدي نظرة عطف من السلطة مادين لها بكل ما نملك ‏من ضمير وثقافة سخيفة من أجل منصب يجعلنا نلبس ربطة عنق.

‏هذا الجيل الجديد في مستوى التغيير، واع لدرجة يمكنه جعل الجزائر وطناً حقيقياً، ينقصه ‏فقط من يقف إلى جنبه، ‏من يشجعه ويوجهه، يَنقُصه نحن هذا الجيل العفن الذي كان يجب أن يكون في مكان الأخ الأكبر لهم. هم في حراكهم يصرخون “سلمية سلمية” ونحن نصرخ “سالفي سالفي selfie selfie”

تعود في عمل جديد بعد طول غياب.. لماذا أنت “كسول” في الكتابة؟ في اعتقادك هل الكتابة موهبة أم صنعة أم إلهام؟

كوني سيد الكسالى دون منازع واغترابي سنوات طويلة عن الجزائر أفقدني الجدوى من الكتابة، لم أتمكن على مدى تسع سنوات من كتابة شيء لأنني متخم بالخيبة واليأس، واليأس سيد الآثام، أليس كذلك؟

ثم عدت على مضض، ربما لأجل ابني إسياخم، ربما وجدت نفسي مجبراً على تقديم شهادتي واعتذاراتي لهذا الجيل الجديد، وأن أحارب على قدر استطاعتي الجبانة، أن أحارب ضيق الذاكرة في الجزائر.

في الحقيقة أنا لا أعترف بالموهبة بل بالجدوى، الجدوى هي من شجعتني للعودة للدراسة لتحضير ماستر في التاريخ، هي من دفعتني لكتابة روايتين، إذا كل شخص يمكنه الكتابة، عليه فقط أن يجد الجدوى لذلك، فإن وجدها وأحسن اختياره فعليه بالعمل. العمل الكثير، الممنهج والجاد.

العملية الإبداعية في كل مجال هي الجدوى والجهد لا غير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!