-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
فضيلة الدزيرية وفريدة صابونجي 

أيقونتان جمعهما الفن وزنزانة سركاجي من أجل الوطن 

ك. فاروق
  • 290
  • 0
أيقونتان جمعهما الفن وزنزانة سركاجي من أجل الوطن 

كان الرعيل الأول من الفنانين جيلا استثنائيا، برجاله ونسائه. فالفن حينها كان وجهًا آخر لنضالٍ وطني دافع عن هوية أمة؛ ولم يكن غريبا أن تتشابك مسارات الحياة بين أيقونتين لم تجمعها صلة القرابة أو الصداقة، بل ألف الفن بين قلبيهما المثقلين بقضية الوطن والحرية… الشروق العربي، تطابق مسارين مختلفين قالبا، لكن متشابهين قلبا، سيدة الحوزي فضيلة الدزيرية، وسيدة المسرح والشاشة فريدة صابونجي.

رغم أن التاريخ يحفظ فضيلة الدزيرية كصوت للحوزي، لن يتكرر، وفريدة صابونجي كنجمة تمثيل لن تعوض، ورغم أن التاريخ لم يذكرهما معا في مقام أو مقال، غير أنهما تنتميان في الواقع إلى كوكبة فنية واحدة.

البدايات نفسها

فقد استقطب عميد المسرح، محيي الدين بشطارزي، الفنانة فضيلة الدزيرية، التي تكبر فريدة بـ 13 عاماً، ليس كمغنية في جولاته فحسب، بل كقامة تمثيلية وقفت إلى جانب عمالقة الفن مثل كلثوم، رشيد قسنطيني، ومحمد توري؛ وهي ذات الأسماء التي واكبت بدايات الشابة فريدة صابونجي بعد سنوات قليلة. كلتاهما كانت تحت جناح عباقرة الفن، وكانتا تركبان الأماني والأحلام في جولات فنية امتزجت فيها كل الفنون تحت راية واحدة.

شبكة نضالية ونفس القتالية

بعد اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، تجلت اللحمة الحقيقية بين الفنانتين في ساحة النضال. فعندما أعلنت جبهة التحرير الوطني إضراب ثمانية الأيام التاريخي (من 28 جانفي إلى 4 فيفري 1957)، لإيصال صوت القضية الجزائرية إلى هيئة الأمم المتحدة، ضربت فريدة صابونجي وفضيلة الدزيرية أروع مثال للتلاحم، وكانتا في طليعة شبكة مكونة من نحو ثلاثين امرأة فنانة، إلى جانب أيقونات الفن الجميل، مثل عويشة، جميلة، نصيرة، لطيفة، وشريفة ونورية. تلخصت مهمتهن في التواصل مع العائلات، التوعية بأهداف الثورة السامية، ومساعدة المحتاجين في ظل الرعب والرقابة الاستعمارية المشددة في قلب معركة الجزائر.

كُلفت فضيلة الدزيرية، برفقة أختها “قوسم”، بجمع الأموال لصالح الثورة، ليتم اعتقالها واحتجازها في سجن بربروس “سركاجي”، حيث شاركت زنزانتها مع صديقتها المناضلة زبيدة دهابة، رفيقة درب المجاهدة الكبيرة لويزة إيغيل أحريز. وخلف القضبان، لم تصمت فضيلة، فقد كانت شعلة أمل للأسيرات والمحكوم عليهم بالإعدام، وهي تشدو برائعتيها: “يا من قلبك حزين” و”يفرج ربي”.

وتتلاقى خطوط الحياة مجددا، بين فضيلة وفريدة. ففي العام ذاته، أي عام 1957، ذاقت فريدة صابونجي من كأس الظلم ومرارة الاعتقال، ضمن حملة القمع نفسها التي طالت فضيلة الدزيرية، وتعرضت في سجنها للاستنطاق من طرف المستعمر الفرنسي…

النضال لا يتوقف

بعد الإفراج عنها، لم تتراجع فضيلة الدزيرية؛ بل أسست فرقة موسيقية نسوية خاصة بها، ضمت أختها “قوسم” على الدربوكة، ورينات داوود المعروفة بـ رينات الوهرانية على الكمان، وابنة أختها آسيا على البيانو، كرسالة واضحة بأن جدران السجن لم تهزم سيدة الحوزي الأولى. حينما تكونين سيدة الفن، على غرار فريدة صابونجي، لا يسعك إلا أن تقودي حملة إعمار جديدة بالفن والثقافة، فشهدت عودتها بعد الاستقلال إلى الشاشات والمسارح، انطلاق مسيرة فنية زاخرة امتدت لخمسين سنة.

الرحيل لا يعني النسيان

رحلت فضيلة الدزيرية في 6 أكتوبر 1970، ببيتها في شارع حسين عسلة بالعاصمة، بعد أن أحيَت كما يُقال “بمحبة خاطر” أعراس جميع بنات حيها، بينما واصلت فريدة صابونجي عطاءها الفني، حتى مشارف أواخر العشرينيات من القرن الحالي، كآخر الشاهدات على جيل فنانات الرعيل الأول اللواتي جمعن بين خشبة المسرح وواجب الوطن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!