إذا غاب التفكير حضر التكفير
لقد تعاملت طائفة من المنتسبين إلى السلفية التكفيريين- هداهم الله- مع مقالنا “السلفية صناعة مخابراتية؟” بكثير من السخط والاستهجان والدعاء علينا بالويل والثبور وفساد الأمور، رغم أن سياق المقال جاء في شكل تساؤلات طرحتها حول “مذركرات الجاسوس البريطاني همفر” الذي كان هو مهندس شخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن وراء التأسيس للمذهب الوهابي الذي تحالف مع آل سعود للخروج على الخلافة العثمانية وتفتيت وتفكيك العالم الإسلامي واستخدام سلاح التكفير لخلق الصدام والمواجهة إلى حد الاقتتال.
فرغم اعترافي بعدم الاختصاص في تحقيق الوثائق والدراسات ذات العلاقة بالتاريخ وبالجوسسة ودعوتي لأهل الذكر من الجزائريين دون غيرهم للتكفل بهذه المهمة من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية التي ننشدها دون نية سيئة نبيتها لأتباع هذا المذهب الذي تعدد مدارسه ومراجعه إلى حد التنابز بالألقاب. قلت رغم كل ذلك خرج علينا المدعو محمد بن يحي يعقب علينا في مقاله المنشور بجريدة الشروق بتاريخ 16 / 02 / 2014 بعنوان “سلايمية وفلاحي وجهان لعملة واحدة: الترويج لدين الشيعة وضمان مكان له بين الجزائريين”، متجاوزا في سياق ما كتبه كل التساؤلات التي طرحتها. ويبدو من أسلوبه أن بضاعته في العلم مزجاة ومصدر ثقافته من عالم الدروشة ولا علاقة له بالبحث الأكاديمي الذي له قواعده ومناهجه ولغته التي لا يتذوقها ويعرف مفاتحها إلا أهل المعرفة ممن يجدون الشك وسيلة وطريقا لبوغ اليقين عكس الذين يجعلون من مذهب الشك العلمي مؤامرة وخيانة بل وجريمة يستحق عليها صاحبها العقاب.
هل نكون خارج الإجماع و خارج المعقول حينما نتساءل بالقول: أيحق للسلفيين التشكيك والطعن في غيرهم واستخدام كل الوسائل والحجج ضد خصومهم وفي مقدمتهم أهل الشيعة إلى درجة القول إن المرجع التاريخي والمؤسس لمذهبهم أصله يهودي وهم اليوم من يصدر بطولات المقاومة ضد الصهيونية ودولة اسرائيل ومن أن الإباضية والصوفية هم على ضلالة وخارج مجموعة أهل السنة والجماعة ومن أن المخابرات البريطانية هي من كان وراء ميلاد الإخوان المسلمين رغم العلاقة التاريخية والودية بين دولة آل سعود الراعي الرسمي للوهابية السلفية والإخوان الذين انقلبوا عليهم بعدما وصلوا إلى سدة الحكم بمصر؟ هذا وفي نفس الوقت ينتفضون ويحاربون كل من يتجرأ في نقد السلفية الوهابية وليس “السلفية المحمدية” التي هي مرجعية مشتركة تضم كل مسلمي العالم عربا وعجما، هل من الحق والإنصاف أن تحلل مجموعة من طائفة المسلمين لنفسها ما تحرمه على غيرها سواء كان ذلك في المسائل الشرعية أم السياسية، وكيف ينزه السلفيون “حبرهم الأعظم” محمد بن عبد الوهاب ويضعونه فوق مستوى النقد إلى درجة التقديس وهو الذي لقي معارضة شديدة لدعوته من طرف أهله وعشيرته الأقربين؟ فهذا أخوه الشيخ سليمان يرد عليه في كتابه “فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب” وفي آخر بعنوان “الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية” وآخر لشيخه وأستاذه محمد بن سليمان الكردي الشافعي بعنوان “الرد على محمد بن عبد الوها”، بل وتصاعدت موجة المعارضين له من نجد والحجاز إلى حد الاقتتال الذي سالت فيه دماء كان يمكن حقنها لو عرض التوحيد الذي رفع رايته الشيخ ابن عبد الوهاب بالحكمة والموعظة.. ولكنه فكر البداوة والقسوة الذي فرضته طبيعة تكوين الشيخ والجغرافيا الصحراوية التي كان يتحرك فيها. وللأسف لا تزال دعوته تلك تلقى من يتلقفها ويعتنقها ويسعى إلى نشرها ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي أو الخامس عشر الهجري.. ولكن لولا البترودولار والريال السعودي الذي ينفق بسخاء على البسطاء والسذج والانتهازيين لكانت ماتت منذ زمان.
بالتأكيد لم يطلع المدعو محمد بن يحيى الذي تهجم علينا إلى درجة وصفنا بالمصيبة وبالنائب النائبة وبالفاجعة.. وهذا على حد علمي يتنافى مع من يحملون رسالة الدعوة والداعية. قلت لم يطلع على الكتب والدراسات التي صنفها حتى بعض السلفيين أنفسهم ممن أنكروا حقيقة مذكرات همفر، ومما وقع بين يدي هذه الأيام يعود إلى دراسة من إعداد الشيخ سليمان بن صالح الخرشي والصادرة بالرياض سنة 2010 م/1431 هـ، بعنوان “أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر وبيان حقيقة من كذبها لتشويه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- والدولة السعودية الأولى”. وهو مقسم إلى خمسة أبواب: الباب الأول بعنوان: أسباب الكذب على الشيخ. والمبحث الثاني يسرد نماذج متنوعة لهذا الكذب. والمبحث الثالث يقدم ملخصا من مذكرات همفر. والمبحث الخامس والأخير يسرد فيه الأدلة التي تثبت بأن كاتب مذكرات همفر هو شيعي.. وكأنه بذلك قد حسم المسألة وما علينا إلا التسليم بالنتيجة التي وصل إليها ونلغي عقولنا ونتوقف عن البحث وإلا كنا من أعداء الدين والسلف الصالح ومن عملاء الشيعة الذين نريد لهم التمكن في الأرض والسماء.
لقد اعتمد الخرشي في المبحث الخامس في تقديم الأدلة على شيعية كاتب مذكرات همفر، وهذا باستخراج بعض النصوص التي رأى أنها تفضح صاحبها وذلك حينما يذكر محاسن الشيعة وبلاد فارس على عكس أتباع أهل السنة من عهد الخلفاء الراشدين وبلاد العرب. كما أنه يقول بأن المفردات والعبارات المستخدمة في لغة الكتابة هي من قاموس الشيعة. وفي الأخير يستعين الشيخ الخرشي باعترافات أحد الشخصيات المعاصرة الموثوقة عند الشيعة وممن لا تلحقه التهمة أو المحاباة عندهم كما يقول وهو حسن بن فرحان المالكي، فيورد له هذا النص الذي جاء في كتابه “محمد بن عبد الوهاب داعية وليس نبيا” فيقول: “أما اتهام الوهابية بأنهم صنيعة بريطانية بناء على مذكرات رجل بريطاني، اشتهرت كثيرا عبر منتديات الأنترنت، فهي باطلة، وكان ذلك البريطاني الذي نسب إليه المذكرة واسمه “همفر” قد زعم فيها أنه التقى الشيخ في البصرة… فهذا من البهتان والباطل المكشوف..” ثم يذكر حسن بن فرحان الأدلة على صحة أقواله ومنها أن واضع المذكرات هو أحد المراجع الشيعية الإمامية نكاية بالوهابية. ويضيف بأن اسمه عنده ومع ذلك لا يذكر من هو الشخص. وهنا يتقدم الشيخ الخرشي بدلا من بن فرحان ليكشف دون حجة وبينة من أن اسم هذه الشخصية المزورة هو محمد مهدي الشيرازي المتوفى عام 1422 هـ. وقد عرف عنه الغلو إلى أعلى الدرجات كما يروي صاحب أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر والذي أنهى كتابه هذا بملحق عن رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية اعتمد فيها على مصادر منها للدكتور عبد الله العثيمين عن كتابه “تاريخ المملكة العربية السعودية” و”عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي” للشيخ صالح العبود. وقد كان الغرض من ذلك كله هو إبراز الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ثوب طالب العلم والداعية الذي سخر كل حياته منذ صغره لعقيدة التوحيد إلى أن لقي ربه ولم يكن في يوم من الأيام منتَجا استخبراتيا ضد أمته، ومرة أخرى نقول من جانبنا إن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها. وبالتالي لا ينبغي التقول علينا بأننا نشيطن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقدر ما نريد من أتباعه ألا يصادروا حقنا في طرح الأسئلة المشروعة ويبيحوها هم لأنفسهم لدرجة شيطنة وتهويد الآخر دون تردد أو وازع أخلاقي وعقلي وينصبون أنفسهم حكاما بأمر الله.
(*)كاتب وبرلماني سابق