-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إسلام ضد الإسلام

سهيل الخالدي
  • 2088
  • 5
إسلام ضد الإسلام

لعل أفضل كتاب يمكن للنخبة الجزائرية السياسية والثقافية والاقتصادية أن تقرأه هذه الأيام سواء بمناسبة الذكرى الستين لثورة شعبنا المجيدة أو بمناسبة الوساطات التي تقوم بها الديبلوماسية الجزائرية بين الليبيين أو بين الماليين أو سواء لما يقوم به الحوثيون في اليمن أو الداعشيون في العراق وسوريا والتداخلات في المنطقة، حيث يتحالف الأعداء والأصدقاء والدول مع العصابات والشياطين مع الملائكة، وحيث يموت حجاجنا بالجملة ويخرج علينا مسؤولون يقولون إن حجاجنا بخير.. لعل أفضل كتاب هو كتاب المفكر الليبي الفذ المرحوم الصادق النيهوم الموسوم “إسلام ضد الإسلام.. شريعة من ورق” فقد كتب أستاذ الأديان المقارنة في الجامعات الأمريكية والأوروبية الصادق النيهوم عدداً من الكتب ناقش فيها الوضع العربي من مختلف جوانبه ومنها بطبيعة الحال الجانب الديني الذي ركّز عليه أيّما تركيز.

 وفي كتابهإسلام ضد الإسلام  .. شريعة من ورقناقش بجدية مطلقة كيف تمت محاربة الإسلام بالإسلام والمسلمين بالمسلمين، ما حوّل الدين إلى شريعة من ورق، كل يدعي أن ورقته هي الأصح بل هي الدين الصحيح بعينه.

 وكان النيهوم قد اكتشف في وقت مبكر جدا عدم جدية القذافي في طروحاته فغادر ليبيا مهاجرا بأفكاره إلى غير أرض الإسلام إلى أن مات في تسعينيات القرن الماضي في اللحظة التي بدأت تظهر في الدول العربية وغير العربية، منظماتٌ وجمعيات ترتدي عمامة الإسلام والمسلمين على طريقة نابوليون حين غزا مصر وتحمل سيوفا تقطع بها رقاب المسلمين كُتب عليهاصنع في أمريكا“.

وهاهي أمريكا ومعها إسرائيل وثلاثون دولة أخرى عربية وغير عربية تحارب داعشولا تحاربها، تشن عليها الغارات الجويةالقاتلةوتقول إنها حرب طولها يزيد عن ثلاثين سنة قادمة.. وأمريكا ومعها إسرائيل وأوروبا تترك باب المندب؛ باب القرن الأفريقي والبحر الأحمر ليقع بين يدي الحوثيين، ومصر التي يعني النزاع في باب المندب إلغاءً لقناة السويس مصدرها الرئيس من العملات الصعبة ومصدر أهميتها في التجارة البحرية الدولية، تترك هذا الباب الذي غامر الرئيس جمال عبد الناصر مغامرة كبيرة ليطرد البريطانيين من جنوب اليمن وينهي حكم أسرة حميد الدين التي كانت تحكم اليمنيين الشماليين بشريعة من ورق تسميها إسلاماً.. مصر تترك هذا الخطر الذي لايقل خطورة عليها من إسرائيل وتأتي لتلعب في ليبيا أكثر حدودها أمناً عبر التاريخ.. بل يبدو أن هناك خطة قديمة ـ جديدة لتوريط مصر في الغرب وكشف ظهرها في الشرق، ففي سبعينيات القرن العشرين أرسل الرئيس محمد أنور السادات جيشه لمحاربة القذافي، لولا إنذار جدي من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وحركة ذات مغزى من القذافي حين سحب الجيش الليبي، وأرسل فلاحين لحرث وزراعة الحدود..

وأما السعودية التي يكاد يكون نصف شعبها من اليمن، بل أن منطقة نجران وغيرها من الساحل الغربي والجنوبي لم يتم ترسيم الحدود فيها مع اليمن إلا في تسعينيات القرن الماضي وظلت معاهدة الثلاثينيات حبرا على ورق طوال عقود معظم القبائل فيها موالية لليمن منذ ما قبل الملكة بلقيس الذائعة الصيت، بل إن السعودية ودول الخليج العربي لم تقبل طلب اليمن بالانضمام إلى مجلسها، وإن حاولت قبل سنوات تعويمه بإدخال الأردن والمغرب.. هاهي تترك الحوثيين وتسلمهم رقبة اليمن وتحارب في العراق بعد أن سلمته ذات يوم لبريمر وطهران وتحارب في سوريا بعد أن دعمت طويلا وكثيرا حتى مكنت عائلة الأسد الموالية لطهران من رقاب السوريين واللبنانيين والفلسطينيين.. فمن هو العاقل السياسي وغير السياسي الذي يحارب معركة غير معركته وينتصر فيها؟

 الكل يحارب الكل.. ولا أحد يدري لحساب من يحارب، حتى أمريكا لا أعتقد أنها تعرف لحساب من تحارب وتشعل الحروب في الوطن العربي فهي تحارب الأسد وتحالفه، بالضبط مثل تركيا تحالف سكان عين العرب وتحارب الأكراد.

 وفي ليبيا تبدو الأمور أكثر اختلاطاً وأقرب خطرا على الجزائر، وتسعى الديبلوماسية الجزائرية لأن تقوم بدور رجل الحماية المدنية حتى لا يمتد الحريق، وهو دور في غاية الصعوبة حتى يكاد يشعر المرء أن ديبلوماسيتنا على ما اشتهرت به من حكمة وصبر تعيش في ورطة، فمن قال إن هؤلاء الذين يتحاربون في ليبيا باسم الإسلام وباسم الثورة هم حقا ثوريون وحقا مسلمون لهم شرعة وشريعة يحتكمون إليها ويؤمنون بالرجوع إليها؟ ما الذي يمنع أن تتكرر للمرة الألف حكاية التحكيم بين معاوية وعلي؛ حين انتصر الدهاء السياسي على الالتزام العقائدي، ومنذ ذلك الوقت تحولت عقيدتنا إلى ورق. بل أين السياسي وأين العقائدي في ليبيا؟ لا أحد يستطيع أن يحدد.. تماماً كما هو الحال في مالي وفي العراق وفي سوريا لا أحد له شريعة فلا المالكي شيعي ولا ديموقراطي ولا الأسد بعثي أو علوي، الكل منشق عن الكل، وكل منشق على ذاته، وكل يحارب نفسه بنفسه. فها نحن نعيش في اللحظة التي حذرنا منها قبل عقود الصادق النيهوم إسلام ضد الإسلام، ونصارى ضد النصارى، ودولة ضد الشعب، وشعب ضد الدولة وأحزاب ضد الأحزاب؟  الكل شرب من نهر الجنون؟

فمن هو المجنون الذي ينقذ الشاربين أو يجفف النهر؟

في التاريخ حكايتان: الأولى من اليونان حين طالب أحد المجانين باسترجاع رودس من الفرس بينما منع حكام أثينا ذكر رودس بعد أن فشلوا في استردادها مائة عام، وألقى المجنون خطبة نصّبه على إثرها شعب أثينا حاكماً، واسترجع رودس فعلا ولا تزال يونانية حتى اليوم فصار اسمه صولون حكيم أثينا ..إنها شريعة الوطن وشرعته.

 والثانية في الإسلام: حين رفض الرسول الكريم التنازل عن عقيدته حتى لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره، فعمت شرعته بلاد الشمس والقمر.. إنها شريعة الإسلام وشرعته.

 

 أرجوكم أن تدلوني على سياسي أو معمم أو صاحب قبعة أو دولة أو جماعة من هؤلاء الذين يقتلون الناس باسم الدين أو باسم محاربة الإرهاب أو باسم الوطنية أو باسم المصلحة الاقتصادية من له شرعة وطن أو شرعة دينكلهم وطن ضد وطن، وكلهم من ورق وإسلام ضد الإسلام. رحمك الله يا الصادق النيهوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • فاتح

    احسنت استاذنا الجليل والله من شدة ما حل بامتنا من ضياع و اقتتال باسم الدين حتى وجدتني ابحث في باقي الديانات و الفلسافات ناشدا افكارا سليمة سالمة فما وجدت الا دما باسم الفتوحات و باسم الصليبية و باسم ارض الميعاد حتى الفلسفات الاخلاقية كالبوذية لم تسلم من الدم فتمنيت لو كنت حي ابن يقضان رجل عرف ربه من غير حاجة الى دين او شريعة فكل البشر متفقون على مسالة الخير و الشر بالهاهم من خالقهم فياليت البشرية تكون على دين رجل واحد هو حي ابن يقضان لابن طفيل ...استغفر الله و ارجو النشر و شكرا

  • نورالدين الجزائري

    القيّم هي التي ( تُجلِسَ ) المسلم ليفهم دينه في علم سلم تأمل فهم تطبيقا و دعوة، لأن هناك أصول حقيقة لنغير من واقعنا و لا يفهم من كلامي أني أوافق فكرة: إذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له اليسر لا ! و لكن لا ننسى قوله تعالى { و جادلهم بالتي هي أحسن} و أن ندفع في كل الأحوال بالتي هي أحسن.المجتمع بحاجة لفهم دينه لمعرفة المبادئ و القيم و هذا يتطلب من الراعي و الراعية النزول إلى الأرض و التواضع حتى يرفعنا الدين أما العكس و الكل منا يركب الموج و لا يصنعه و الله لن تقوم لنا قائمة ! هذا هو الدمار من الداخل!

  • نورالدين الجزائري

    لم نفهم بعد ما الذي نريده ؟ لم نستطيع أن نوحد صفوفنا في بقعة صغيرة مثل المسجد لتسييره ؟ كيف بنا نريد قيادة أمة ؟ خروجنا من المسجد بهذه الهشاشة و الهلل و المهازل هو خروج الإسلام إلى الساحة السياسية ندمر أنفسنا بأيدينا بعد هزيمة جهلنا في تسيير بيت الله تعالى نقفز إلى الهزيمة الكبرى ! المشكلة ليست في عدم فهم الإسلام السياسي بقدر ما هي تتجذر و تتشعب في خلفيات جرتنا إلى الويلات: التربية و الأخلاق معيار لا مفر منه و لن نستطيع بل من المستحيل أن نعلم الفرق بين الألف و العصى إلا إذا كانا نفقد ذلك المعيار

  • نورالدين الجزائري

    سبيل زعيم يعيش على غباء هؤلاء المستعدين للموت في سبيله في وطن أصبح مواطنيه أعداء و كل يوم عدو جديد، هذا الجهل المركب من تقديس للمشايخ و ليس للشرع أعني هناك نوع من القداسية للبشر تتركنا نلغي فكرنا في فهم حركة التغيير و نعطل العقل في معرفة العلم و إستنباط الأحكام بأخذ الدروس من السيرة الإسلامية . هذا الجهد ـ العلمي ـ لا يجوز الإستهانة به و لا العفس عليه كما هو حاصل اليوم، من مصائبه تولدت عنه فرق و جماعات جلها مهترية تتصارع فيما بينها و المعركة بينهم تدور و تتسع رقعتها و نحن في غيبوبة علمية بالكامل

  • نورالدين الجزائري

    جهل في فهم الشرع و نواميس الكون أدى إلى الإقتتالي بإسم الإسلام !
    سئل أحد الدعاة : يا شيخنا أين هي وعود الله تعالى بالنصر ؟ أين هي الملائكة التي تقاتل معنا ؟ أين هو الحكم العادل تطبيقا في أوطاننا ؟ قال هذا الداعي : احمدوا الله على عدم نزول الملائكة و إلا بدأت بنا نحن ! احمدوا الله تعالى على عدم تطبيق الشرع و إلا لقتلنا بعضنا بعضا إلى آخر نفس تتحرك ! أما الوعود الربانية فهي موجودة و لكنها لا تنزل على المجانين !
    الفتن تخيم على ساحتنا إبتداءا من الجهل في فهم الشرع ، مازال الناس مستعدون للموت في