إسلام ضد الإسلام
لعل أفضل كتاب يمكن للنخبة الجزائرية السياسية والثقافية والاقتصادية أن تقرأه هذه الأيام سواء بمناسبة الذكرى الستين لثورة شعبنا المجيدة أو بمناسبة الوساطات التي تقوم بها الديبلوماسية الجزائرية بين الليبيين أو بين الماليين أو سواء لما يقوم به الحوثيون في اليمن أو الداعشيون في العراق وسوريا والتداخلات في المنطقة، حيث يتحالف الأعداء والأصدقاء والدول مع العصابات والشياطين مع الملائكة، وحيث يموت حجاجنا بالجملة ويخرج علينا مسؤولون يقولون إن حجاجنا بخير.. لعل أفضل كتاب هو كتاب المفكر الليبي الفذ المرحوم الصادق النيهوم الموسوم “إسلام ضد الإسلام.. شريعة من ورق” فقد كتب أستاذ الأديان المقارنة في الجامعات الأمريكية والأوروبية الصادق النيهوم عدداً من الكتب ناقش فيها الوضع العربي من مختلف جوانبه ومنها بطبيعة الحال الجانب الديني الذي ركّز عليه أيّما تركيز.
وفي كتابه “إسلام ضد الإسلام .. شريعة من ورق” ناقش بجدية مطلقة كيف تمت محاربة الإسلام بالإسلام والمسلمين بالمسلمين، ما حوّل الدين إلى شريعة من ورق، كل يدعي أن ورقته هي الأصح بل هي الدين الصحيح بعينه.
وكان النيهوم قد اكتشف في وقت مبكر جدا عدم جدية القذافي في طروحاته فغادر ليبيا مهاجرا بأفكاره إلى غير أرض الإسلام إلى أن مات في تسعينيات القرن الماضي في اللحظة التي بدأت تظهر في الدول العربية وغير العربية، منظماتٌ وجمعيات ترتدي عمامة الإسلام والمسلمين على طريقة نابوليون حين غزا مصر وتحمل سيوفا تقطع بها رقاب المسلمين كُتب عليها “صنع في أمريكا“.
وهاهي أمريكا ومعها إسرائيل وثلاثون دولة أخرى عربية وغير عربية تحارب “داعش” ولا تحاربها، تشن عليها الغارات الجوية “القاتلة” وتقول إنها حرب طولها يزيد عن ثلاثين سنة قادمة.. وأمريكا ومعها إسرائيل وأوروبا تترك باب المندب؛ باب القرن الأفريقي والبحر الأحمر ليقع بين يدي الحوثيين، ومصر التي يعني النزاع في باب المندب إلغاءً لقناة السويس مصدرها الرئيس من العملات الصعبة ومصدر أهميتها في التجارة البحرية الدولية، تترك هذا الباب الذي غامر الرئيس جمال عبد الناصر مغامرة كبيرة ليطرد البريطانيين من جنوب اليمن وينهي حكم أسرة حميد الدين التي كانت تحكم اليمنيين الشماليين بشريعة من ورق تسميها إسلاماً.. مصر تترك هذا الخطر الذي لايقل خطورة عليها من إسرائيل وتأتي لتلعب في ليبيا أكثر حدودها أمناً عبر التاريخ.. بل يبدو أن هناك خطة قديمة ـ جديدة لتوريط مصر في الغرب وكشف ظهرها في الشرق، ففي سبعينيات القرن العشرين أرسل الرئيس محمد أنور السادات جيشه لمحاربة القذافي، لولا إنذار جدي من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وحركة ذات مغزى من القذافي حين سحب الجيش الليبي، وأرسل فلاحين لحرث وزراعة الحدود..
وأما السعودية التي يكاد يكون نصف شعبها من اليمن، بل أن منطقة نجران وغيرها من الساحل الغربي والجنوبي لم يتم ترسيم الحدود فيها مع اليمن إلا في تسعينيات القرن الماضي وظلت معاهدة الثلاثينيات حبرا على ورق طوال عقود معظم القبائل فيها موالية لليمن منذ ما قبل الملكة بلقيس الذائعة الصيت، بل إن السعودية ودول الخليج العربي لم تقبل طلب اليمن بالانضمام إلى مجلسها، وإن حاولت قبل سنوات تعويمه بإدخال الأردن والمغرب.. هاهي تترك الحوثيين وتسلمهم رقبة اليمن وتحارب في العراق بعد أن سلمته ذات يوم لبريمر وطهران وتحارب في سوريا بعد أن دعمت طويلا وكثيرا حتى مكنت عائلة الأسد الموالية لطهران من رقاب السوريين واللبنانيين والفلسطينيين.. فمن هو العاقل السياسي وغير السياسي الذي يحارب معركة غير معركته وينتصر فيها؟
الكل يحارب الكل.. ولا أحد يدري لحساب من يحارب، حتى أمريكا لا أعتقد أنها تعرف لحساب من تحارب وتشعل الحروب في الوطن العربي فهي تحارب الأسد وتحالفه، بالضبط مثل تركيا تحالف سكان عين العرب وتحارب الأكراد.
وفي ليبيا تبدو الأمور أكثر اختلاطاً وأقرب خطرا على الجزائر، وتسعى الديبلوماسية الجزائرية لأن تقوم بدور رجل الحماية المدنية حتى لا يمتد الحريق، وهو دور في غاية الصعوبة حتى يكاد يشعر المرء أن ديبلوماسيتنا على ما اشتهرت به من حكمة وصبر تعيش في ورطة، فمن قال إن هؤلاء الذين يتحاربون في ليبيا باسم الإسلام وباسم الثورة هم حقا ثوريون وحقا مسلمون لهم شرعة وشريعة يحتكمون إليها ويؤمنون بالرجوع إليها؟ ما الذي يمنع أن تتكرر للمرة الألف حكاية التحكيم بين معاوية وعلي؛ حين انتصر الدهاء السياسي على الالتزام العقائدي، ومنذ ذلك الوقت تحولت عقيدتنا إلى ورق. بل أين السياسي وأين العقائدي في ليبيا؟ لا أحد يستطيع أن يحدد.. تماماً كما هو الحال في مالي وفي العراق وفي سوريا لا أحد له شريعة فلا المالكي شيعي ولا ديموقراطي ولا الأسد بعثي أو علوي، الكل منشق عن الكل، وكل منشق على ذاته، وكل يحارب نفسه بنفسه. فها نحن نعيش في اللحظة التي حذرنا منها قبل عقود الصادق النيهوم إسلام ضد الإسلام، ونصارى ضد النصارى، ودولة ضد الشعب، وشعب ضد الدولة وأحزاب ضد الأحزاب؟ الكل شرب من نهر الجنون؟
فمن هو المجنون الذي ينقذ الشاربين أو يجفف النهر؟
في التاريخ حكايتان: الأولى من اليونان حين طالب أحد المجانين باسترجاع رودس من الفرس بينما منع حكام أثينا ذكر رودس بعد أن فشلوا في استردادها مائة عام، وألقى المجنون خطبة نصّبه على إثرها شعب أثينا حاكماً، واسترجع رودس فعلا ولا تزال يونانية حتى اليوم فصار اسمه صولون حكيم أثينا ..إنها شريعة الوطن وشرعته.
والثانية في الإسلام: حين رفض الرسول الكريم التنازل عن عقيدته حتى لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره، فعمت شرعته بلاد الشمس والقمر.. إنها شريعة الإسلام وشرعته.
أرجوكم أن تدلوني على سياسي أو معمم أو صاحب قبعة أو دولة أو جماعة من هؤلاء الذين يقتلون الناس باسم الدين أو باسم محاربة الإرهاب أو باسم الوطنية أو باسم المصلحة الاقتصادية من له شرعة وطن أو شرعة دين… كلهم وطن ضد وطن، وكلهم من ورق وإسلام ضد الإسلام. رحمك الله يا الصادق النيهوم.