الرأي

إسلام ضد الإسلام‬

سهيل الخالدي
  • 2232
  • 5

لعل أفضل كتاب‮ ‬يمكن للنخبة الجزائرية السياسية والثقافية والاقتصادية أن تقرأه هذه الأيام سواء بمناسبة الذكرى الستين لثورة شعبنا المجيدة أو بمناسبة الوساطات التي‮ ‬تقوم بها الديبلوماسية الجزائرية بين الليبيين أو بين الماليين أو سواء لما‮ ‬يقوم به الحوثيون في‮ ‬اليمن أو الداعشيون في‮ ‬العراق وسوريا والتداخلات في‮ ‬المنطقة،‮ ‬حيث‮ ‬يتحالف الأعداء والأصدقاء والدول مع العصابات والشياطين مع الملائكة،‮ ‬وحيث‮ ‬يموت حجاجنا بالجملة ويخرج علينا مسؤولون‮ ‬يقولون إن حجاجنا بخير‮.. ‬لعل أفضل كتاب هو كتاب المفكر الليبي‮ ‬الفذ المرحوم الصادق النيهوم الموسوم‮ “‬إسلام ضد الإسلام‭..‬‮ ‬شريعة من ورق‮” ‬فقد كتب أستاذ الأديان المقارنة في‮ ‬الجامعات الأمريكية والأوروبية الصادق النيهوم عدداً‮ ‬من الكتب ناقش فيها الوضع العربي‮ ‬من مختلف جوانبه ومنها بطبيعة الحال الجانب الديني‮ ‬الذي‮ ‬ركّز عليه أيّما تركيز‮.‬

‭ ‬وفي‮ ‬كتابه‮ “‬إسلام ضد الإسلام‮ ‬‭..‬‮ ‬شريعة من ورق‮” ‬ناقش بجدية مطلقة كيف تمت محاربة الإسلام بالإسلام والمسلمين بالمسلمين،‮ ‬ما حوّل الدين إلى شريعة من ورق،‮ ‬كل‮ ‬يدعي‮ ‬أن ورقته هي‮ ‬الأصح بل هي‮ ‬الدين الصحيح بعينه‮.‬

‭ ‬وكان النيهوم قد اكتشف في‮ ‬وقت مبكر جدا عدم جدية القذافي‮ ‬في‮ ‬طروحاته فغادر ليبيا مهاجرا بأفكاره إلى‮ ‬غير أرض الإسلام إلى أن مات في‮ ‬تسعينيات القرن الماضي‮ ‬في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬بدأت تظهر في‮ ‬الدول العربية وغير العربية،‮ ‬منظماتٌ‮ ‬وجمعيات ترتدي‮ ‬عمامة الإسلام والمسلمين على طريقة نابوليون حين‮ ‬غزا مصر وتحمل سيوفا تقطع بها رقاب المسلمين كُتب عليها‮ “‬صنع في‮ ‬أمريكا‮”. ‬

وهاهي‮ ‬أمريكا ومعها إسرائيل وثلاثون دولة أخرى عربية وغير عربية تحارب‮ ‬‭”‬داعش‮” ‬ولا تحاربها،‮ ‬تشن عليها الغارات الجوية‮ “‬القاتلة‮” ‬وتقول إنها حرب طولها‮ ‬يزيد عن ثلاثين سنة قادمة‮.. ‬وأمريكا ومعها إسرائيل وأوروبا تترك باب المندب؛ باب القرن الأفريقي‮ ‬والبحر الأحمر ليقع بين‮ ‬يدي‮ ‬الحوثيين،‮ ‬ومصر التي‮ ‬يعني‮ ‬النزاع في‮ ‬باب المندب إلغاءً‮ ‬لقناة السويس مصدرها الرئيس من العملات الصعبة ومصدر أهميتها في‮ ‬التجارة البحرية الدولية،‮ ‬تترك هذا الباب الذي‮ ‬غامر الرئيس جمال عبد الناصر مغامرة كبيرة ليطرد البريطانيين من جنوب اليمن وينهي‮ ‬حكم أسرة حميد الدين التي‮ ‬كانت تحكم اليمنيين الشماليين بشريعة من ورق تسميها إسلاماً‮.. ‬مصر تترك هذا الخطر الذي‮ ‬لايقل خطورة عليها من إسرائيل وتأتي‮ ‬لتلعب في‮ ‬ليبيا أكثر حدودها أمناً‮ ‬عبر التاريخ‮.. ‬بل‮ ‬يبدو أن هناك خطة قديمة ـ جديدة لتوريط مصر في‮ ‬الغرب وكشف ظهرها في‮ ‬الشرق،‮ ‬ففي‮ ‬سبعينيات القرن العشرين أرسل الرئيس محمد أنور السادات جيشه لمحاربة القذافي،‮ ‬لولا إنذار جدي‮ ‬من الرئيس الجزائري‮ ‬الراحل هواري‮ ‬بومدين وحركة ذات مغزى من القذافي‮ ‬حين سحب الجيش الليبي،‮ ‬وأرسل فلاحين لحرث وزراعة الحدود‮..‬

‭* ‬في‮ ‬كتابه‮ “‬إسلام ضد الإسلام‭..‬‮ ‬شريعة من ورق‮” ‬ناقش بجدية مطلقة كيف تمت محاربة الإسلام بالإسلام والمسلمين بالمسلمين،‮ ‬ما حوّل الدين إلى شريعة من ورق،‮ ‬كل‮ ‬يدعي‮ ‬أن ورقته هي‮ ‬الأصح بل هي‮ ‬الدين الصحيح بعينه‮.‬

وأما السعودية التي‮ ‬يكاد‮ ‬يكون نصف شعبها من اليمن،‮ ‬بل أن منطقة نجران وغيرها من الساحل الغربي‮ ‬والجنوبي‮ ‬لم‮ ‬يتم ترسيم الحدود فيها مع اليمن إلا في‮ ‬تسعينيات القرن الماضي‮ ‬وظلت معاهدة الثلاثينيات حبرا على ورق طوال عقود معظم القبائل فيها موالية لليمن منذ ما قبل الملكة بلقيس الذائعة الصيت،‮ ‬بل إن السعودية ودول الخليج العربي‮ ‬لم تقبل طلب اليمن بالانضمام إلى مجلسها،‮ ‬وإن حاولت قبل سنوات تعويمه بإدخال الأردن والمغرب‮.. ‬هاهي‮ ‬تترك الحوثيين وتسلمهم رقبة اليمن وتحارب في‮ ‬العراق بعد أن سلمته ذات‮ ‬يوم لبريمر وطهران وتحارب في‮ ‬سوريا بعد أن دعمت طويلا وكثيرا حتى مكنت عائلة الأسد الموالية لطهران من رقاب السوريين واللبنانيين والفلسطينيين‮.. ‬فمن هو العاقل السياسي‮ ‬وغير السياسي‮ ‬الذي‮ ‬يحارب معركة‮ ‬غير معركته وينتصر فيها؟

‭ ‬الكل‮ ‬يحارب الكل‮.. ‬ولا أحد‮ ‬يدري‮ ‬لحساب من‮ ‬يحارب،‮ ‬حتى أمريكا لا أعتقد أنها تعرف لحساب من تحارب وتشعل الحروب في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬فهي‮ ‬تحارب الأسد وتحالفه،‮ ‬بالضبط مثل تركيا تحالف سكان عين العرب وتحارب الأكراد‮.‬

‭ ‬وفي‮ ‬ليبيا تبدو الأمور أكثر اختلاطاً‮ ‬وأقرب خطرا على الجزائر،‮ ‬وتسعى الديبلوماسية الجزائرية لأن تقوم بدور رجل الحماية المدنية حتى لا‮ ‬يمتد الحريق،‮ ‬وهو دور في‮ ‬غاية الصعوبة حتى‮ ‬يكاد‮ ‬يشعر المرء أن ديبلوماسيتنا على ما اشتهرت به من حكمة وصبر تعيش في‮ ‬ورطة،‮ ‬فمن قال إن هؤلاء الذين‮ ‬يتحاربون في‮ ‬ليبيا باسم الإسلام وباسم الثورة هم حقا ثوريون وحقا مسلمون لهم شرعة وشريعة‮ ‬يحتكمون إليها ويؤمنون بالرجوع إليها؟ ما الذي‮ ‬يمنع أن تتكرر للمرة الألف حكاية التحكيم بين معاوية وعلي؛ حين انتصر الدهاء السياسي‮ ‬على الالتزام العقائدي،‮ ‬ومنذ ذلك الوقت تحولت عقيدتنا إلى ورق‮. ‬بل أين السياسي‮ ‬وأين العقائدي‮ ‬في‮ ‬ليبيا؟ لا أحد‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يحدد‭..‬‮ ‬تماماً‮ ‬كما هو الحال في‮ ‬مالي‮ ‬وفي‮ ‬العراق وفي‮ ‬سوريا لا أحد له شريعة فلا المالكي‮ ‬شيعي‮ ‬ولا ديموقراطي‮ ‬ولا الأسد بعثي‮ ‬أو علوي،‮ ‬الكل منشق عن الكل،‮ ‬وكل منشق على ذاته،‮ ‬وكل‮ ‬يحارب نفسه بنفسه‮. ‬فها نحن نعيش في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬حذرنا منها قبل عقود الصادق النيهوم إسلام ضد الإسلام،‮ ‬ونصارى ضد النصارى،‮ ‬ودولة ضد الشعب،‮ ‬وشعب ضد الدولة وأحزاب ضد الأحزاب؟‮ ‬‭ ‬الكل شرب من نهر الجنون؟‮ ‬

فمن هو المجنون الذي‮ ‬ينقذ الشاربين أو‮ ‬يجفف النهر؟

في‮ ‬التاريخ حكايتان‮: ‬الأولى من اليونان حين طالب أحد المجانين باسترجاع رودس من الفرس بينما منع حكام أثينا ذكر رودس بعد أن فشلوا في‮ ‬استردادها مائة عام،‮ ‬وألقى المجنون خطبة نصّبه على إثرها شعب أثينا حاكماً،‮ ‬واسترجع رودس فعلا ولا تزال‮ ‬يونانية حتى اليوم فصار اسمه صولون حكيم أثينا‮ ..‬إنها شريعة الوطن وشرعته‮.‬

‭ ‬والثانية في‮ ‬الإسلام‮: ‬حين رفض الرسول الكريم التنازل عن عقيدته حتى لو وضعوا الشمس في‮ ‬يمينه والقمر في‮ ‬يساره،‮ ‬فعمت شرعته بلاد الشمس والقمر‮.. ‬إنها شريعة الإسلام وشرعته‮.‬

‭ ‬أرجوكم أن تدلوني‮ ‬على سياسي‮ ‬أو معمم أو صاحب قبعة أو دولة أو جماعة من هؤلاء الذين‮ ‬يقتلون الناس باسم الدين أو باسم محاربة الإرهاب أو باسم الوطنية أو باسم المصلحة الاقتصادية من له شرعة وطن أو شرعة دين‮… ‬كلهم وطن ضد وطن،‮ ‬وكلهم من ورق وإسلام ضد الإسلام‮. ‬رحمك الله‮ ‬يا الصادق النيهوم‮.‬

مقالات ذات صلة