إصلاحات “أمر طبِّق”!
في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، قرّر الرئيس زروال إصلاح المنظومة التربوية، لاسيما بعد أن أكثرت حولها الأقلية الفرنكو تغريبية اللغط ووصفتها بـ”المنكوبة” واتهمتها بتخريج “الارهابيين” و”الظلاميين” و”البعثيين”… وأنشأ زروال “المجلس الأعلى للتربية” وأسند إليه مهمّة الإصلاح.
ولتحقيق هذا الغرض، حرص المجلس على الانطلاق من القاعدة التربوية؛ فهي أساسُ الإصلاح، ولا يمكن أن يتحقق دون مشاركتها بشكل أو بآخر، فعقد عشرات الندوات الولائية والجهوية للاستماع إلى المعلمين والأساتذة والمفتشين وحتى أولياء التلاميذ، ومعرفة تصوّرهم لعملية الإصلاح ووجهات نظرهم واقتراحاتهم.. وبعدها نظم المجلس ندوة وطنية لإصلاح المنظومة التربوية بنادي الصنوبر، ووضع تصوّرا شاملا للعملية وكيفية تحقيقها في الأطوار الثلاثة للتعليم، وبدأ يفكّر حتى في إصلاح التعليم الجامعي. وكان تصوّرُ المجلس الأعلى للتربية كفيلا بإصلاح المدرسة فعلاً، لو لم يستقل الرئيس زروال ويقرر الرئيس بوتفليقة تجاهل تقرير المجلس وإسناد المهمّة إلى لجنة بن زاغو التي وضعت “إصلاحا” فوقيا متعاليا، تعرفون جميعاً إلى أين أوصل المدرسة ومستويات تلاميذنا بعد 13 سنة من التطبيق القسري.
واليوم تأتي بن غبريط وتعلن فجأة أن “الجيل الثاني للإصلاحات التربوية” قد وُضع، وسيُشرَع في تطبيقه في سبتمبر المقبل، وهذا من دون أن تستشير القاعدة التربوية، أو تعقد لها ندواتٍ ولائية وجهوية ووطنية، ومن دون طرح “جيلها” أصلاً للنقاش والإثراء، وحينما احتجّت مختلفُ فعاليات المجتمع على ذلك ونددت بإشراك خبراء فرنسيين في العملية في سرّية وتكتم شديدين، بكت وسبقتنا واشتكت وقالت إنها تعرّضت لـ”الحقرة”؟!
هذا “الجيل الثاني من الإصلاحات” التربوية لا يعني الوزيرة فقط ولا أبناءَها ولا حتى أبناء الأقلية الفرنكفونية بالبلد، إذا كانوا أصلاً يدرّسون أطفالهم بالجزائر، بل يهمّ الملايين من الأطفال الجزائريين، وسيطبّقه مئاتُ الآلاف من المعلمين والأساتذة والمفتشين… فكيف تكتفي الوزيرة بإسناده إلى لجنة تتكوّن من 130 عضو مجهول الهوية وعددٍ من الخبراء الفرنسيين وتقصي الأسرة التربوية ومختلفَ فعاليات المجتمع منه، ثم تطمع بعد ذلك في تأييدها ودعمها؟ هل تعتقد أن ذهنية “أمر طبّق” تصلح لإنجاح “إصلاحاتها”؟
ترى: متى تمّ وضع “الجيل الثاني من الإصلاحات التربوية”؟ وكيف؟ وما هو مضمونه؟ ولماذا التزمت الوزارة السِّرية التامة في إعداده عوض اعتماد الشفافية والوضوح منذ البداية؟ ألا يعني هذا أن هناك أشياء تُطبخ بما لا يشتهي المجتمع وتريد الوزارة إبقاءَها بعيدة عن الأعين إلى أن تنضج وتطبّقها عليه قسراً كما حدث مع “إسلاخات” بن زاغو قبل 13 سنة؟
أسئلة كثيرة تُطرح بهذا الصدد، وكلها تؤكد أن “الجيل الثاني من الإصلاحات” قد وُضع في مخابر مشبوهة بشكلٍ فوقيٍ استعلائي إقصائي، مع أن المسألة مصيرية وتهمّ أجيال المستقبل بأكملها، ولذلك من حقّ الجزائريين رفض هذه “الإصلاحات” الغامضة التي تتعلق بمصير أبنائهم بعد أن “حقرتهم” الوزيرة بالإعلان عنها فجأة قصد فرض الأمر الواقع عليهم، وهم يأملون أن يتدخّل الوزير الأول سلال مجدداً ويجمّد تنفيذ هذه “الإصلاحات” المُريبة، ويأمر بإطلاق نقاش واسع حولها أوّلاً قصد الحصول على توافق مجتمعي حولها، كما تدخّل في أوت الماضي وألغى “اقتراح” الوزيرة بالتدريس بالعامية ابتداءً من سبتمبر 2015.