إصلاحات بوتفليقة أظهرت نتائج عكسية.. والعقاب يلاحق الصغار دون الكبار
عاب مختصون في القانون، عدم تمكن الجزائر من تحقيق خطوات فعلية في مجال استقلالية القضاء، عكس ما ينص عليه الدستور. وانتقدوا تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء الذي يترأسه القاضي الأول للبلاد ووزير العدل نائبا له. وأخذت مداخلة مصطفى بوشاشي شكل الخطاب السياسي، واستغل آخرون الفرصة للتنديد بما حدث في القرارة بغرداية وأثاروا أيضا ملف المفقودين.
وما ميز اليوم البرلماني الذي نظمته كتلة جبهة القوى الاشتراكية بالمجلس الشعبي الوطني، حضور رئيس المجلس الشعبي الوطني العربي ولد خليفة الذي أدلى بمداخلة تحدث فيها عن أهمية حقوق الإنسان، موجها تحية خاصة إلى رئيس الحزب حسين آيت أحمد، متمنيا له الصحة وطول العمر، وتم تفسير هذا الحضور من قبل متتبعين بكونه يندرج ضمن سياسة التقارب التي يسعى الأفلان إلى إرسائها مع غريمه الأفافاس، بدعوى تخلف ولد خليفة عن حضور أيام برلمانية نظمتها كتل أخرى، من بينها المجموعة النيابية للأرندي حليف الحزب العتيد في السلطة.
واستعرضت الرئيسة السابقة لمجلس الدولة فريدة أبركان بعض النقائص التي تراها من بين أسباب عدم تحقق استقلالية القضاء، وتأتي في مقدمتها تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء الذي يتم تعيين معظم أعضائه من قبل الرئيس، معتبرة بأن استقلالية القضاء هي من استقلالية القاضي، وعابت على كيفية أداء القضاء الإداري الذي يكمن دوره في ضمان حقوق المواطنين تجاه الإدارة، وأثارت التضييق على نشاط الأحزاب السياسية، وكذا على اعتماد الجمعيات الدينية غير الإسلامية، وكذا على حرية التعبير.
وقال العميد السابق لكلية الحقوق مجيد بن شيخ بأن العدالة هي مؤشر قوي لطبيعة النظام السياسي، وليست مجرد مؤسسة لتطبيق الإجراءات القضائية، وعاب أيضا على تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، وقال بأن قوام العدل هو الفصل بين السلطات الذي يضمنه الدستور، وأن ذلك لا يتحقق إلا بنضال مستمر من قبل الأحزاب والتنظيمات النقابية، واعتبر بأن وجود دوائر لها سلطة دون أن ينص عليها الدستور، وذكر على سبيل المثال جهاز الاستعلامات، من بين أسباب استحالة تجسيد استقلالية العدالة، بالنظر إلى عدم إمكانية إخضاع تلك الدوائر برأيه للرقابة ومحاسبتها.
وعاد الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة تيزي وزو الأستاذ محمد أمقران أولبشير، إلى تركيبة جهاز العدالة في الجزائر، وقال بأن نصفه يتشكل من أعضاء النيابة العامة التابعين مبشرة إلى وزارة العدل، في حين إن نفوذ الوزير لا يتحقق إلا عن طريق النواب العامين، متسائلا عن كيفية حماية حقوق القضاة، مذكرا بأن المشرع ضمن استقرار القاضي وعدم الإفراط في نقله من منطقة إلى أخرى، غير أن الاستثناء عم وتحول إلى قاعدة، في ظل عدم توفر أدنى الضمانات بالنسبة إلى المناصب النوعية، قائلا بأن المجلس الأعلى للقضاء هو من يتولى القيام بدور الضامن الأساسي لحقوق القضاة وحمايتهم من ضغط الوزارة، غير أن الواقع عكس ذلك على حد تعبيره.
ويعتقد المتحدث بأن القانون الأساسي للقضاة الذي تم تعديله سنة 2004 أصبح يلزم القاضي بحماية المصلحة العليا للمجتمع، في حين إن القرار الوزاري الصادر سنة 2005 نزع الرمز المعروف لجهاز العدالة وهو الميزان، وعوضه بالراية الوطنية، وهذا يعني وفق الأستاذ أولبشير بأن القاضي أصبح ملزما بحماية النظام القائم، في حين استغل متدخلون المناسبة لإثارة ما سموه بالتجاوزات التي صاحبت أحداث القرارة بغرداية، فضلا عن قضية المفقودين التي تتبناها جبهة القوى الاشتراكية، وكذا ضرورة توسيع الجهات التي بإمكانها إخطار المجلس الدستوري. وألقى النائب عن الأفافاس مصطفى بوشاشي ما يشبه المحاضرة السياسية، قائلا بأن الجزائر لديها أحسن الدساتير في العالم: “لأننا أمة تفتخر بالنصوص وليس بالحقوق”، معتقدا بوجود تراجع واضح من ناحية السلطة القضائية بعد سنة 89، وأن الإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس أظهرت نتائج عكسية، وقال بأن إغراق القاضي بالقضايا هدفه منعه من القيام بمحاكمة عادلة، فضلا عن الانتقائية في معالجة ملفات الفساد الكبرى، إذ تتم متابعة الصغار دون الكبار.