-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إصلاح إصلاحات المنظومة التربوية والتمادي في الخطأ!

الشروق أونلاين
  • 1725
  • 7
إصلاح إصلاحات المنظومة التربوية والتمادي في الخطأ!

بداية، يجب التذكير بالأهمية القصوى للمنظومة التربوية في حياتنا كدولة ومجتمع، وكمؤسّسات وأفراد، وما الحبر الكثير الذي سال وسيبقى يسيل من أجلها إلا برهان دامغ على ذلك، كما ينبغي التذكير بأن المسار التاريخي لإصلاح القطاع التربوي وإعادة إصلاحه تحت مسميات مختلفة (جيل1- جيل2)، على غرار الإصلاحات وإعادة الإصلاحات التي حصلت في قطاعات أخرى، مسار طويل وعريض إلى حد لا يمكن معه الغوص في أعماقه بمقال متواضع كهذا.

وبغضّ النظر عن آراء الخبراء، الإيجابية أو السلبية، التي يقدّمونها، بحسن أو بسوء نيّة، بشأن هذه المنظومة منذ إصلاحاتها الأولى (المدرسة الأساسية) التي وقعت في السبعينيات، مرورا بإصلاحاتها الثانية التي حصلت في 2003 إلى الآن، خاصة وأنها من صنع الإنسان وتصرّف البشر الذي قد يخطئ فيها وقد يصيب، فالكمال لله وحده جل في علاه، ذلك أنه ليس من العيب أن نخطئ في هذه الإصلاحات، وإنما العيب كل العيب أن نستمر في هذا الخطأ ونتعنّت في تسويقه ونتمادى في الترويج له رغم الاعتراض الشديد عليه من طرف أغلبية مكوّنات المجتمع الجزائري (أحزاب، نقابات، جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، شخصيات وطنية، ذوي الشأن وأهل الاختصاص من داخل قطاع التربية ومن خارجه)، بل ورغم تأثيراته السلبية ومخاطره المدمرة على استقرار وأمن البلاد.

وممّا لا ريب فيه أن الإصلاحات المطروحة تؤكّد مرة أخرى التمادي في الخطأ والإصرار عليه “زيادة الحجم الساعي والمعامل النسبي لمادة اللغة الفرنسية على حساب مواد العلوم الإسلامية، اللغة العربية وآدابها، اللغة الانجليزية واللغة الأمازيغية، كثافة البرامج، إهمال دور كل من الأستاذ والتلميذ، تحويل مدارسنا وأطفالنا إلى حقول وفئران تجارب وأشياء أخرى” لذلك فهي مرفوضة، خاصة، للأسباب والمبررات التالية:

1- أنها جاءت، في عمومها، مخالفة لمتطلبات المواد1، 2، 3، 4، 6، 7، 9، 10، 12، 18، 27، 38، 44، 45، 52، 65، 68، 72، 74، 75، 76، 77، 90 و212 وغيرها من الدستور، لاسيما في الجوانب المتعلقة باللغتين العربية والأمازيغية، بالدين الإسلامي، بالمواطنة، بالتربية الأخلاقية، بالتاريخ والتراث الوطني، بالمشاركة المدنية…

مثلا المادة 2 تقضي بأن الإسلام دين الدّولة. والمادة 3 تنص على أن اللّغة العربيّة هي اللّغة الوطنيّة والرّسميّة، وعلى أن تظل العربيّة اللّغة الرسميّة للدّولة. والمادة 212 تقضي بأنه “لا يمكن أيّ تعديل دستوريّ أن يمسّ:…الإسلام باعتباره دين الدّولة والعربيّة باعتبارها اللّغة الوطنيّة والرّسميّة…”.

بينما أتت هذه “الإصلاحات” لتنتقص سواء من قيمة التربية الإسلامية بتخفيض معاملها، أو تعلي من شأن الفرنسية على حساب اللّغة العربيّة واللغات الحية الأخرى “الانجليزية تحديدا”!.

2- أنها لم تأت لتطوير أداء المنظومة التربوية بكل أطوارها، في كنف الوفاء لسياسة التعريب وضمان تكافؤ الفرص التي تشكّل خياراتٍ ثابتة لأمّتنا. وفي ظل أهداف ستجد انعكاساتها من خلال تطوير مستوى التأطير البيداغوجي، والحدّ من التسرب المدرسي ونِسب إعادة السنوات ورفع معدلات النجاح في الامتحانات… إلى آخره، مما نص عليه البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية (2014-2019، ص 10) بل أتت لتهميش المواطنة، التربية الأخلاقية، التاريخ والتراث الوطني، المشاركة المدنية، من جهة، ومن ناحية أخرى لتقوية الفرنسية على حساب اللغات الأخرى لاسيما العربية والإنجليزية.

3- أنها لم تُسنّ لتحسين ظروف تمدرس التلاميذ في كل مناطق البلاد وتطوير المنشآت الأساسية للاستقبال والإطعام والنقل والصحة المدرسية، وتحديث التجهيزات التعليمية والمعلوماتية على مستوى المؤسسات المدرسية، وتعزيز الترتيبات المتخذة من أجل تطوير نوعية أداء المنظومة التربوية، وتنفيذ النصوص التطبيقية للقوانين الأساسية الخاصة بالموظفين وتحسين ظروف عمل ومعيشة الأساتذة، وتعزيز الحوار مع كل الشركاء الاجتماعيين، وتطوير برنامج للدراسات المتخصِّصة ما بعد التدرج لفائدة أسلاك المؤطرين البيداغوجيين، وإعادة إقرار التحضير لمسابقة التبريز، وتنفيذ البرنامج العشري للتكوين المتوَّج بالشهادات من أجل التأهيل العلمي لـ214000 مدرِّس قيد التشغيل في الطورين الابتدائي والمتوسط. فضلا عن عدم إشارتها، لا من قريب ولا من بعيد، إلى إنشاء الهيئات المدعمة لإصلاح المنظومة التربوية كتنصيب وتفعيل كل من المجلس والمرصد الوطنيين للتربية والتكوين في ظل رؤية قطاعية مشتركة، وتعزيز البحث العلمي بالاتصال مع كل مؤسسات البحث… إلى آخره مما نص عليه مخطط عمل الحكومة للوزير الأول (ماي 2014، ص 29-30).

4 أنها ألغت مرسوما وطنيا “جزائريا محضا” هو المرسوم رقم 187-66 المؤرخ في 21 يونيو سنة 1966المتضمّن إحداث لجنة وطنية للتربية والعلوم والثقافة وعوّضته بمرسوم أجنبي “فرنسي” هو المرسوم التنفيذي رقم 67-16 المؤرخ في 16 فبراير سنة 2016 المتضمن إعادة تنظيم هذه اللجنة حيث تتولى هذه الأخيرة، على الخصوص:

ضمان التمثيل والحضور الدائم للجزائر لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” بالتعاون والتنسيق الوثيق مع مصالح وزارة الشؤون الخارجية.

– إنشاء خزان خبر ذي مستوى عال والممارسة، على المستوى الوطني، لدور الإعلام والاستشارة والتقييم المرتبط بمجالات صلاحيات اليونسكو…

ولما نعرف ماهية “اليونسكو” وأين يقع مقرها ومن هم المسؤولون أو المشرفون الحاليون عليها؟ لا نستغرب كل ما جاءت به هذه “الإصلاحات” بعد ذلك لاسيما من حيث استقدام 11 خبيرا من فرنسا فقط لتحضير “الإصلاحات” المذكورة في جيلها الثاني، ويتعلق الأمر بعدم اكتفاء تلاميذنا بتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، بل وتمثلهم للقيم الحضارية التي تنتمي إليها اللغة الفرنسية..

5- أن هذه “الإصلاحات” ضربت عرض الحائط بأساسيات ميثاق الأخلاق التربوية التي جاءت بها والتي لم يجفّ حبرها بعد، بل وخرقت حتى المبادئ الدستورية والقانونية التي تجعل من الإضراب حقا دستوريا، لاسيما فيما يخص تفريق الأساتذة المتعاقدين المضربين بالقوة والقمع ليلا!.

وبناءً على ما سبق، وبالنظر إلى شرعية مطالب فواعل المنظومة التربوية المتمثلة في الحصول على مناصب عمل دائمة تحفظ لهم العيش بكرامة وتمكنهم من تلقين تلامذتهم أسس ومبادئ المواطنة الحقة، والتربية الأخلاقية الصافية، والتاريخ والتراث الوطني الصادق، والمشاركة المدنية السليمة، وتدريسهم اللغات الحية “الإنجليزية خاصة” إلى جانب اللغتين الوطنيتين في مدرسة جزائرية أصيلة غير فرنسية، مدرسة تكوِّن الناشئة على حب الوطن والتفاني من أجله، وعلى بذل الجهد ومواصلته، وقراءة التاريخ الوطني والاعتزاز به، وحب العمل وإتقانه لدوره الكبير في تشييد الأمم وبناء الحضارات مع نبذ الكسل والشر والغلو والعنف والتطرف والإجرام والفساد ومحاربته، وفعل الخيرات والدعوة إلى سبلها واحترام أحكام الدستور والقوانين والعمل بها خصوصا فيما يتعلق بواجبات وحقوق الإنسان الفردية والجماعية وبكل مظاهر الدولة المدنية “دولة القانون”. وهنا نقول، تبا لـ”إصلاحات” المطبات والإكراهات والشرور التي صرنا نتخبّط فيها الآن “غشّ وتدليس في الامتحانات وقبله فوضى عارمة، فلتان كلي، إضرابات، تجمّعات ومسيرات، عنف بل إجرام… إلخ”، ولتذهب إلى الجحيم أيّ إصلاحات أخرى من شأنها أن تمسّ بأبعاد ومقوّمات ومبادئ وأسس ولغة ودين وتاريخ وثقافة وتراث ووحدة المجتمع الجزائري على النحو السالف ذكره.

 وفي الأخير نتمنى أن تكون هناك آذان صاغية تأخذ بهذه الملاحظات والانتقادات محمل الجدّ وتتدارك ما يمكن تداركه، هذا إن أردنا فعلا الإصلاح الحقيقي لمنظومتنا التربوية لا القفز بها نحو المجهول، كل هذا وذاك في إطار قول الله عز وجل “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • واحد الشيخ

    مقارنة بسيطة توضح لنا الامور خير من كل الخطابات المدوية والمجادلات العقيمة. المنظومةالتربيوية التونسيةلم تكن محل صراع ايديولوجي كماحدث في الجزائر. لا تعريب ولا تخريب, لا هي في خدمةالفراكفون او الفرانكوفوب ولا هي منبر للاسلاماويين اواللائكيين بل هي في خدمةتونس والتونسيين. النتيجة: مستوى التونسيين في العربية اعلى بكثير من مستوى الجزائريين وعندما تسمع مذيعات القنوات المسموعةوالمرئية في تونس تلاحظ اتقانهن لغة الضاد بينما زميلاتهن وزملاءهن في الجزائر ينطق اغلبهم همزة الوصل مثلما كانت تفعل زهيةبن عروس

  • واحد الشيخ

    ان الذين يرجعون ازمة التعليم في الجزائر الى تقليص الحجم الساعي للعربيةوالتربيةالاسلامية او تخفيض معامليهما لحساب اللغةالفرنسية انما يحاولون تغطيةالشمس بالغربال ويكذبون على انفسهم بلا حياء. مشكل التعليم والمدرسة -عكس ما يظن المشعوذون الايديولوجيون- لا يمكن فصله عن التردي العام للجزائر و اخفاق النظام السياسي الايديولوجي المتبنى غداةالاستقلال في اخراجنامن التخلف. لا يمكن لبلد ان تكون مدرسته منتجة اذا كانت جامعاته واداراته متعفنة واذا كان تعيين مسؤوليه من القاعدة الى القمةلا يخضع لمعيار الكفاءة

  • واح الشيخ

    اعترف لكم انني لم اقرا المقال حتى نهايته بسبب عدم اتيان كاتبه باي جديد و عدم تعرضه للب المشكل و اكتفائه باجترار السطحيات الشعبوية التي لا علاقة لها بازمة المدرسة الجزائرية العميقة و التي يتفوه بها كل هب ودب - حتى الذين لم يقرؤوا كتابا واحدا في حياتهم. انا لا ادعي انني استطيع ان اغوص في الموضوع واعالجه بالتفصيل في هذه السطور القليلة ولكن خبرتي في التعليم كشفت لي ان كارثة المدرسة الجزائرية هي قبل كل شيء في ضعف مستوى المعلمين و عدم كفاءتهم و تحول التعليم الى مهنة لكل من لا مهنة له (منذ الاستقلال).

  • مواطن

    أظنك عند كتابتك لهذا المقال وعيت أن"شكارة الناير"أو"عقاقير رأس الحانوت"تملأ البطن وتجمد العقل لأن حشد السلبيات مرة واحدة يسد السبل فنفقد الهدف المنشود لأن"باريس لم تعمر في ليلة واحدة"تراكمت الأخطاء بفعل الجهلة من الوزراء ولو كانوا دكاترة أتي بهم في شنطات الحكام المغرورين فجلبوا خبراء الأسياد السابقين الذين يخدمون مآربهم لأننا فقدنا بوصلتنا بإزاحة الوطنيين من المربين من بيننا.لقد وقفنا في وجه المدرسة الأساسية عوض تصويب ما نقص منها ومنعنا تكوين المربين والمعلمين وفضلنا الشهادات الجامعية المزورة.

  • نورالدين

    بعد السلام،
    الاصلاحات التي لاتمس العناصر الأساسية في المنظومة التربوية لاتجدي فعا مهما كان القائم بها ، ان مصلحة الوطن تقتضي أن تمس الاصلاحات :
    1- البرامج والتي تقوم بها الكفاءات الوطنية - المجزأرة- وما أكثرها نوعا وكما .
    2- المناهج والطرق البيداغوجية ( الطرق- الوسائل- المحيط المدرسي القريب ولبعيد)
    3- تحديد المراحل ومدى كل مرحلة والأهداف المطلوب تحقيقها في كل مرحلة
    4- الاطارات ( المعلم والأستاذ، المدير والمراقب العام، المفتش، والاطارات العليا)
    5- النصوص القانونية تنفيذ المسطر من الأهداف

  • بدون اسم

    كلام جميل لكن لمن تقرأ زابورك يا دوود

  • وطني

    تحية تقدير لك على هذا المقال الذي يعطي الصورة الحقيقية و يكشف الغطاء عما يدعى بإصلاحات الجيل الثاني ،التي هي في الواقع تكريس للرداءة التي ما فتئ يعيشها قطاع التعليم و الهدف منها خدمة مشروع تمكين اللغة الفرنسية على اللغة العربية ،و إرادة طمس قيم الأمة و هويتها ليس إلا .