الرأي

إفلاس الغربيين أم إفلاسنا؟

كثيرة هي مظاهر الوجود التي لا يدرك كنهها العقل البشري مهما أولاها من وقت وجهد، ويظل حياته كلها يتأمل في أسرارها ولا يظفر منها إلا على اليسير. لذلك تحتاج الإنسانية إلى دليل، يشبه دليل استخدام الآلات، فيه الإرشادات اللازمة لكيفية التعامل مع الأجهزة ومحاذير الاستخدام. ولا يتعمق الدليل في أكثر من ذلك، لأن أسرار الإنتاج تحتاج إلى علوم ودربة ومصانع خاصة لا شأن لأكثر الناس بها، وعلى ذلك القياس. فلا جرم إذن، أن تكون هنالك سلطة في الكون تتولى بيان ما فيه من ظواهر ونواميس، لينتظم التعامل بينها ويدرأ الفساد.

ولا معنى -حقيقة- لنيل شيء من تلك الأسرار من قصص الخيال والروايات، التي يلجأ إليها بعض الناس ليأتي منها بقبس أو يجد فيها هدى. الحياة، الموت، الحرية، الاختلاف، القوة، السياسة، الدولة، الحضارة، الجسد، الشهوة، الجنس، المال، الربا، المدينة، البيئة، التربية، الفن… تقريبا الأشياء كلها في هذه الحياة إذا لم يعلم الإنسان القواعد الصحيحة في التعامل معها تفسد عليه الحياة فتتسع الخروق على الراقعين.

الدبلوماسيون في الدول الكبرى يتميزون بالذكاء السياسي المطعَّم بكثير من الثقافة العامة. كنت أبحث عن معلم تاريخي بيني وبين نفسي أستند إليه في تحديد بداية منطقية للشرور التي طفقت تترى على عالمنا الإسلامي ولم تتوقف حتى اليوم، إلى أن وجدت وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” يتحدث عن شرور أوروبا المتدفقة على العالم منذ أكثر من خمسمائة عام، فقلت كيف حددها الرجل بهذا العمر وما مرجعه الذي لم يذكره في ذلك؟ حتى تذكرت سقوط الأندلس سنة 1492م، ومحاولات الإسبان تتبع المسلمين حتى في شمال إفريقية، وقد انقضى فعلا على ذلك التاريخ خمسمائة عام ونيف. وهو تحديدٌ حَسن لمن يربد تتبع مسار الصراع التاريخي بين الشرق والغرب.

التصويت الساحق من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام على مشروع تقدمت به دولة “التوغو” لتصحيح الخارطة الجغرافية للعالم التي فرضها الأوروبيون على غيرهم طيلة خمسة قرون، يبين للإنسانية حجم التوغل الاستعماري في ميادين كان ينبغي عن تنأى عن تأثيراته الجاهلية لأنها ميادين علمية خالصة، كما يبين لزوم المراجعة الجذرية لتاريخ الاستكشافات الجغرافية للأوروبيين الذين غزوا العالم من ورائها وطمسوا المعرفة التي كانت رائدة قبلهم، بل وغلّطوا الأجيال عن قصد لمنعها من الوصول إلى الحقائق التي لا تخدم أطماعهم الاستغلالية والتي تجاوزت كل الحدود.

كما يوضح هذا الاعتماد من الأمم المتحدة مقدار البون بين الغالبية العظمى لدول العالم الراغبة في العدالة والحقيقة والمثقلة بتركة الاستعمار الذي يمنعها من ذلك، بما فيها المنظمات الدولية التي تدَّعي الحيادية والموضوعية كمنظمة اليونيسكو، وبين بعض الدول المارقة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تؤدّي دور الوصي المغرض على أخطاء التاريخ، والتي ستتولى الحقائق العلمية تصحيحها طال الزمن أو قصُر.

الألمان مساكين حقا، يتعاور على حكمهم من يريد أن يخدمهم من جهة ويدمرهم من جهة أخرى. الحكومة الحالية تجلب العمال الأجانب ليقوموا على اقتصادها الذي شاخ ثم تزجُّ بشعبها في حرب تكاد تكون وجودية مع الروس. وحزب البديل يدفع عن بلده “المتطفلين” على خيراتها وهم من يساهم في اقتصادها، ويمد يده للتعاون مع روسيا. أرى الجميع غارقا في بلواه، كمن يعيش في غابة تجلب له السكينة والإزعاج في آن واحد، من دون أن يفكِّر ساكنوها في إعادة تموضعهم على أرض أخرى أهنأ عيشا. إن الألمان والروس   -بل العالم كله- بحاجة إلى منهج حياة جديد، منهج يقوم على مفهوم خيّر، أن الإنسانية أمّة واحدة، ولا بد لها من رؤية تعاونية تتعدى المنفعة الاقتصادية، إلى مجالات الحياة كافة. ولكن أين ستجد البشرية هذه السعادة الحقيقية؟

هذه أيديولوجية متطرفة تقتات على العنصرية وعلى التجربة التاريخية للنازية ولو كانت مُهلِكة. أي أنها جاهلية لا تتأقلم مع مفهوم الحضارة، التي تعلي من قيم التمازج الثقافي والتعايش بين بني البشر لفائدة الإنسانية جمعاء، مهما كانت أصولها وثقافاتها. ولا أعلم حضارة قامت على العنصرية إلا واستعبدت الآخرين حتى جاءها الخراب، الفراعنة وبنو إسرائيل وخلاصهم على يد سيدنا موسى عليه السلام خير مثال على ذلك. علما بأن من يدّعي نسبا بموسى اليوم -أي الصهاينة في فلسطين- يخالفون تعاليم موسى ويخوضون حرب إبادة ضد شعوب المنطقة، فما الفرق إذن بين اليمينيين الألمان وبين “بن غفير وسيموتريش ونتن- ياهو” أحفاد القردة والخنازير؟!

قسمة المجتمع بين أرباب الأعمال الأثرياء والطبقة العاملة وضبط إيقاع العلاقة بينهما على هذا الأساس من الأمور المجحفة بالإنسانية، لأنها تأتَّت من الثقافتين الرأسمالية والاشتراكية اللتين لا تزالان تسيطران على البشرية حتى يومنا هذا. إنه من الأحسن ألا تكون هذه القسمة هي المتحكمة في العلاقة بين البشر، لأن العلاقة الأخوية بين الناس والتعاون في ما بينهم من تعاليم الإسلام، الذي دعا الناس لعبادة الله وحده والكف عن التفاضل بينهم إلا بالعلم والعمل الصالح.

غفلات المسلمين

هذا تفكيرٌ طفولي صاحبه نرجسي مفصوم عن الواقع. ربما تغيير تسمية مضيق هرمز باسم “ترامب” على منصته الالكترونية “تروث سوشيال” يعطي هذا الرئيس شعورا رائعا بالنصر، الذي لن يتحقق أبدا على أرض الواقع بهذا الجواد، أو هي لعنة سن الثمانين، أو تغريدة وداع لسكرة الرئاسة قبل انتخابات التجديد النصفية، ومن يدري أيضا؟ لعلها أمنيات عيد ميلاد لن يتكرر العام المقبل… دعونا نتابع الفيلم الهوليودي، فقد أوشك على نهايته.

هذا هو دينهم، ونحن نرى كيف أنهم يقتلون البشر ويدمرون الحجر ويبيدون الشجر. بل إنهم يتسترون على القتلة الحقيقيين ويدعمونهم بالذخائر والسلاح لإفناء الحياة. هذا إذا لم يكونوا هم القتلة الحقيقيون. والحمد لله أن كل شيء مسجل اليوم والعالم بأسره أدرك حقيقة هذه الحضارة المزيفة. أما دينُنا السمح الرحيم، فلا يوجد مكان على وجه الغبراء إلا ووصل إليه، بل لا يزال دينُنا أكثر الأديان انتشارا على الإطلاق، لأننا نشرنا الحضارة في كل بقعة ارتفع فيها الأذان، ونشروا هم الدمار والخراب في كل مكان.

ولا يزال السياسيون في بلداننا المسلمة يفتقدون إلى مفهوم “الأمة” كرؤية إستراتيجية مستدامة مدى الحياة، هي رؤية خيِّرة ومضمونة النتائج وقليلة الضرر، هذا إن وُجد فيها ضررٌ أصلا. ورغم أن لديهم تراثا سياسيا نعمت به الإنسانية قرونا مديدة استند في السياسة والحكم إلى قوله تعالى: “وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون”، إلا أنهم يراهنون على قوى حديثة النشأة غير خيّرة، وتختزن متناقضات جمة تعجِّل بخرابها علاوة على ذلك كله.

أن يكتشف هؤلاء الساسة ضعف معولهم على الولايات المتحدة متأخرين خير من التمادي فيه، والإصرار على القول إن تحالفهم معها أمر لازم ولا مفرّ منه يؤخر يقظتهم كذلك. والتعويل على الإمكانات الخاصة بدول صغيرة متشظية لا يحل مشكلاتها أمام أخطار وجودية أيضا، بل سيُبقي دار لقمان على حالها، حتى يأتي الفناء عليها.

كنت أبحث عن معلم تاريخي أستند إليه في تحديد بداية منطقية للشرور التي طفقت تترى على عالمنا الإسلامي ولم تتوقف حتى اليوم، إلى أن وجدت وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” يتحدث عن شرور أوروبا المتدفقة على العالم منذ أكثر من خمسمائة عام، فقلت كيف حددها الرجل بهذا العمر وما مرجعه الذي لم يذكره في ذلك؟ حتى تذكرت سقوط الأندلس سنة 1492م، ومحاولات الإسبان تتبع المسلمين حتى في شمال إفريقية، وقد انقضى فعلا على ذلك التاريخ خمسمائة عام ونيف. وهو تحديدٌ حَسن لمن يربد تتبع مسار الصراع التاريخي بين الشرق والغرب.

مقالات ذات صلة