إلى بني أمِّية في الفلوجة؟!
بداية ينبغي التأكيد بشكل ليس فيه أيّ لبس على حق الدولة العراقية في استعادة الفلوجة وتحريرها من قبضة “داعش”؛ فبقاء هذه المدينة خارج إرادة الدولة وفي قبضة تنظيمٍ خارجٍ عن القانون، هو وضعٌ شاذ يجب أن ينتهي.
لكن مهمّة تحرير الفلوجة ينبغي أن تبقى محصورة في الجيش العراقي الذي يتكوّن من مختلف أطياف الشعب من سُنّة وأكراد وشيعة ولو كانت الغلبة فيه للمكوِّن الشيعي، وفي “الحشد العشائري”، وهي عشائر سُنِّية من الأنبار يستعين بها الجيشُ العراقي هذه الأيام في اقتحام الفلوجة، في حين ينبغي أن يُستبعَد تماما “الحشدُ الشعبي” من عملية الاقتحام.
هذا “الحشد” الشيعي لا يتورّع عن حمل شعاراتٍ طائفية بغيضة تكرس الاصطفافات المذهبية الخطيرة بالعراق والعالم الإسلامي ويغذّي الانقسام والأحقاد والعداوات والفتن بين المسلمين؛ فحينما يصف أحدُ قادة هذه الميليشيات عناصره بأنهم “أنصارُ الحسين” ويزعم أن “معركة الفلوجة ستُكتب في اللوح المحفوظ وستُفرِح المهدي المنتظر؟!” وأنه “لا يعرف أهميتَها إلا الله ورسوله وأهلُ البيت؟!” وتخطّ ميليشياتٌ أخرى شعار “إلى بني أمية” على صواريخها المصوّبة نحو الفلوجة، فإنه يتبيّن لنا بوضوح أن هذه الميليشيات لم تأتِ لتحرير الفلوجة من “داعش” وإعادتها إلى سيادة الدولة، بل فقط لخوض حربٍ امتدادية لواقعة كربلاء انتقاما للحسين رضي الله عنه من “بني أمية” الذين لا يزالون يعيشون في القرن الواحد والعشرين، وفي مدينة الفلوجة العراقية ونحن لا نعلم!
لقد ارتكبت ميليشيات “الحشد الشعبي” الشيعية الموالية لإيران، في تكريت والأنبار والمقدادية… مذابحَ كثيرة وجرائم تطهير طائفية وأعمال نهبٍ وحرق للممتلكات وتفجيرٍ للمساجد… وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية التي سكت عنها العالم، ولذلك ينبغي استبعادُها تماما من عملية اقتحام الفلوجة، وإسناد المَهمّة فقط إلى الجيش العراقي والشرطة الاتحادية و”الحشد العشائري” السُّني، فإذا حرَّرت هذه القوات المشترَكة الفلوجة، فستكتفي بالقضاء على وجود “داعش” بالمدينة وإعادتها إلى سلطة الدولة العراقية، ولن تنفِّذ أعمالاً انتقامية ضد السكان.
معركة الفلوجة ستكون طويلة وقد تدوم بضعة أشهر قبل حسمها، وسيواجه خلالها الجيشُ العراقي و”الحشد العشائري” أخطارا وصعوباتٍ جمّة في اقتحام المدينة بأكملها وتطهيرها من عناصر “داعش”، لكن كل ذلك لا ينبغي أن يدفع الحكومة إلى الاستنجاد بالميليشيات الشيعية التي تتربّص بالفلوجة خارج أسوارها، فأن تُحرَّرَ المدينة بعد عام أو أكثر دون مشاركة هذه الميليشيات الطائفية أفضل من أن تُحرَّر بعد أسابيع أو أيام على يدها.
لقد اتخذت الحكومة العراقية القرارَ الصحيح بالاستعانة بـ”الحشد العشائري” السُّني في عملية تحرير الفلوجة، ونأمل أن تثبت عليه إلى غاية نهاية المعركة مهما طالت، وعليها أن تدرك جيدا أن الاستعانة بالميليشيات الشيعية مجدّدا يعني المزيد من الخطوات نحو انقسام البلد طائفيا وعِرقيا، والسقوط في براثن المخططات الأمريكية والدولية الجارية هذه الأيام لـ”فدْرَلة” المنطقة انطلاقا من العراق وسوريا.