الرأي

إلى رحمة الله أيها الحكيم

حبيب راشدين
  • 7324
  • 10

انقلب إلى كرامة ربه وعفوه، المغفور له الرئيس المجاهد أحمد بن بلة، وأجاب داعي ربه، ولحق بالسبيل التي لا احتراز منها، ولا مجاز عنها، واختار الله له النقلة من دار البوار إلى دار القرار، فما أعظمه مفقودا، وأكرمه ملحودا، وقد علمنا يقينا أن الله قد سوى بين البرية، في ورود حوض المنية، لينظر كل أحد إلى نفسه، ويعلم أنه مستثمر ما أنبت من غرسه.

وإن هذا الرجل العظيم قد أنبت في حياته المديدة أكثر من غرس طيب، ليس بين جيله وأقرانه من المجاهدين المقاومين، الذين ندين لهم، بعد الباري عز وجل، بنعمة الحرية والاستقلال، بل غرس في قلوب الملايين من الشباب الجزائري، وكثير من الشباب العربي والمسلم، غرس روح المقاومة والجهاد والاصطبار عليهما، حتى أن أكثر من رأيتهم يبكونه بدموع صادقة لا رياء فيها، كان من جيل شاب، لم يصرفه انشغال البلد عن تاريخها عن التعرف على رجالاتها المخلصين، والوفاء لهم بما هم أهل له من التقدير والاحترام .

وقد لزمنا لأجل ذلك رفع اليدين إلى الله: واحدة تستمطر الرحمة للرئيس المجاهد، وأخرى تستنزل الصبر لأهله ولأبناء هذا البلد، الذي أحياه الله بمثل هؤلاء الرجال، العظام في حياتهم ومماتهم، نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بغفرانه، ويمهد له في أعلى جنانه .

في دشرة نائية بريف مسيردة بغرب البلاد “تعرفت” على هذا الرجل العظيم وأنا ابن الخامسة، استرق السمع من جلسات شيوخ الدشرة، يرددون اسم بن بلة، ومصالي الحاج، وثالث اعتقدت وقتها أنه واحد من الثلاثة، كانوا يسمونه البي بيا”، كان ذلك بداية الخمسينيات من القرن الماضي قبل اندلاع ثورة التحرير، ثم رافقني هذا الاسم طوال سبع سنوات قضيناها في مخيمات الهجرة، تنسلخ أيامها على إيقاع هجمات جيش التحرير على خط موريس العازل بيننا وبين أرض الوطن، ثم اقترن الاسم بالصورة، وقد قصتها الوالدة بعناية من نشرية لجبهة التحرير، ثم أضيف الصوت للصورة في جلسة استماع جماعية حول مذياع عتيق ينقل أول خطاب للرئيس الأول للجزائر المستقلة، وقد انتظرت السبعينيات من القرن الماضي لأرى وثائقيا أشاهد فيه الرجل الذي احتل كل ذلك الفضاء في مخيلة الصبي الريفي، ثم الفتى، ثم الطالب الجامعي، الذي مكنته ثورة التحرير، وتضحية مليون   ونصف  مليون شهيد، وإخلاص رجال من طينة الراحل بن بلة، من أن ينتقل من دشرة أولاد بن يحياالمنسية بريف مسيردة، إلى عاصمة دولة المستعمر القديم، لينال حقه من العلم والمعرفة.

وتشاء الصدف أن أحظى بشرف لقائه ومجالسته أكثر من مرة، كانت الأولى في منزل منفاه بسويسرة في شهر مارس من سنة 1990، في وقت كان البلد يعيش فيه فترة انتقالية مضطربة لكنها واعدة، وكان الرئيس الراحل يبحث عن أكثر من وجهة نظر يستعين بها على تحديد موقفه من خيار العودة والمشاركة في الحياة السياسية، فدعاني لزيارته كما دعا الكثير من المثقفين والإعلاميين، ومن كان يرجو عندهم رأي.

ليس منكرا أن أعترف أني كنت تحت وطأة هيبة اللقاء مع رجل بقامة الراحل بن بلة، ليس لأنه كان رئيسا، وزعيما عالميا، وأحد أبرز أقطاب حركة عدم الانحياز، “شقيق” عبد الناصر، ورفيق كاسترو، شي غفارا، نيكروما، تيتو وكثير من عظماء منتصف القرن الماضي، فقد سمحت لي مهنة الصحافة بتجاوز هذا النوع من الرهبة والانبهار برجالات الدولة، لكن الهيبة كانت ساكنة في ذهن الصبي الريفي المتعلق بالرجل الأسطورة، والذي كان والده المغفور له يسر له بافتخار كيف التحق بحزب الشعب على يد بن بلة، وقد أنفق صباه يرسم بعناء تاريخ بلده بأسماء عبد القادر ومصالي الحاج وبن بلة، وإذا بأحد الثلاثة يقف بقامته الفارهة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، وفتح ذراعيه ليضم الصبي الريفي، قبل أن يلتفت الكهل إلى ما كان يشع عن ذلك الرجل من هيبة ووقار، زانهما تواضع صادق غير متكلف، هو الكاشف لمعدن الرجال العظماء.

كان اللقاء الأول على شرفة أحد المقاهي قبل أن ينتقل بي إلى منزله، وهو لا يتوقف عن السؤال عن أحوال البلد، وكيف يتجاوب المواطنون مع أجواء المسار الديمقراطي، وعن أجواء الحريات في الصحافة والنشاط الجمعوي، وكنت أجيب بما حضر، وبكثير من الحذر، وقد التقطت من أسئلته الدقيقة أن الرجل على إلمام بكل صغيرة وكبيرة، وقد صدق حدسي عندما فوجئت به وهو يفتح أمامي قاعدة بيانات على حاسوبه المنزلي، وقد جمع فيها رصدا دقيقا وشاملا لأحوال البلد، أشك أن يكون نظير لها عند رئاسة الجمهورية وقتها.

لم يكن الرئيس الراحل على إطلاع واسع وموثق بأحوال البلاد وحسب، بل كانت له ملكة فطرية في التحليل والاستشراف، والانتقال بك من الجزء إلى الكل، يحملك دون عناء على قراءة أحوال البلد ضمن صورة أكبر وأوسع لفضائها المغاربي والإفريقي والعربي، ويبسط أمامك دون إخلال طبيعة الصراعات الدولية المعقدة.

قد لزمنا رفع اليدين إلى الله
: واحدة تستمطر الرحمة للرئيس المجاهد، وأخرى تستنزل الصبر لأهله ولأبناء هذا البلد، الذي أحياه الله بمثل هؤلاء الرجال، العظام في حياتهم ومماتهم

ومع أن اللقاء لن يكن إعلاميا، فقد قادني الفضول الصحفي إلى مفاتحته في بعض محطات حياته العامة، وكان لا بد أن يطرق الحديث محطة أحداث 19 جوان، وما تلاها من تغييب للرجل في عزلة تامة لقرابة 15 سنة، وعن علاقاته بالراحل هواري بومدين، ليجيبني والابتسامة لا تغادر وجهه: ” لك أن تعلم يا بني أن ما حصل لم يكن له صلة بخلافات بين قادة دولة، أو ينسب إلى تقاتل على السلطة، لأن استهدافي كان مبرمجا ضمن استهداف أوسع كان يتربص بعبد الناصر ونكروما، وكاسترو، ومعظم زعامات حركة عدم الانحياز، لأن القوى الغربية المتربصة، لم تكن لتسمح بنشوء قوة تكسر احتكار القطبين لإدارة العلاقات الدولية، وكان ذلك هو مشروعنا الذي كنا نحضر له بالدعوة لقمة دول عدم الانحياز بالجزائر عشية أحداث 19 جوان”.

عبثا حاولت جره للحديث عن علاقاته مع المرحوم هواري بومدين، في ثلاثة لقاءات كانت لي معه بعد عودته للجزائر، فكان الجواب دائما، بعد الدعاء بالرحمة للراحل بومدين: “يا بني إن ديننا الحنيف أمرنا ألا نذكر موتانا إلا بالخير” غير أن هذا الرجل المتسامح الذي لا يتردد في التماس الأعذار لخصومه ومن آذاه، سرعان ما يتحول إلى مقاتل شرس، حين يمتد الحديث إلى المستعمر وإلى قوى الاستكبار الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة، ليسترسل في إحصاء مفصل لجرائم هذا الوحش، بدءا بجريمة إبادة الهنود الحمر، مرورا بنهبه للقارة الإفريقية، واستنزافه لثروتها البشرية على امتداد ثلاثة قرون بنظام تجارة الرقيق.

لقد كان للراحل بن بلة فضول معرفي لا حدود له، واستجاعة للقراءة والمطالعة في جميع الفنون، قلما تصادفك عند رجل كان وقتها في منتصف العقد الثامن: أدب وسياسة وفنون، فقه وفلسفة وتاريخ، اقتصاد وفروع شتى من العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، وكنت أعتقد أن ما يشاع عنه من غلبة لغة موليير على لسانه ربما يكون قد حال بينه وبين الثقافة العربية الإسلامية، فإذا به يحدثني عن الأندلس ونخبتها العالمة وكأنه محاضر متخصص في ثقافة الأندلس، لا يخفي إعجابا بلا حدود بعقلانية ابن رشد وموسوعية ابن حزم، وعبقرية ابن خلدون، يحدثك حديث الخبير حول التقنيات الزراعية التي طورتها حضارة الأندلس، ويفسر لك الرقم الذهبي الذي اعتمده معماري قصر الحمراء، وينتقل بك إلى أمهات الصراعات الفكرية بين الأشاعرة والمعتزلة في المشرق العباسي، ولا يتردد في الانتساب فكريا للإمامين المصلحين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ويريدك أن تنظر إلى الأمير عبد القادر كرجل دولة وهو يبني دولة متنقلة في زمالته بين معركة وأخرى. قادني إلى دهليز الفيلا الواسع ليطوف بي بين آلاف الكتب، ينتقل بين الرفوف، وكأنه قد حفظ فهرستها عن ظهر قلب.

ربما يكون القارئ الحذق المطلع قد انتبه إلى أن جمل الاستهلال هي مقتطفات مختارة من كتاب “سحر البلاعة وسر البلاغة” للثعالبي، آثرت الاستهلال بها بعد أن تذكرت كيف أن الراحل بن بلة كان أول من عرفني بهذا الإمام الفذ وفقيه اللغة، وفتح شهيتي للعودة إلى تراثنا العربي الثري الباهر، فقد ذهبت رفقة الصبي الريفي المنبهر بالزعيم الوطني، وإعجاب الكهل برجل الدولة والمجاهد المقاوم، فخرج الصبي الريفي وقد أكرم بلقاء زعيمه وبطله، أما الكهل فقد خرج وهو لا يدري أي نوع من الرجال يودع: المجاهد المقاوم الذي انتقل من مقاتلة المستعمر الغاصب لبلده، إلى الانخراط في مقاومة متصلة لقوى الاستعمار الجديد؟ أم رئيس الدولة وقد كتب له أن يكون أول رئيس للجزائر المستقلة؟ أم رجل الدولة المثقف العصامي المنفتح على ثقافة الآخر، المعتز بثقافة حضارته العربية الإسلامية؟ غير أني لم أتردد كثيرا حين سألني وهو يودعني: “يلح علي بعض الرفاق في العودة والمشاركة في ما يشهده البلد من حراك سياسي، فهل عندك رأي حول أنسب الطرق لترتيب هذه العودة؟” فقلت له من غير تردد: ” سيدي الرئيس أتمنى لو تطلب من رفاقك ومحبيك أن يرتبوا لك سلسلة من اللقاءات والمحاضرات عبر جامعات البلاد، للتواصل مع جيل الاستقلال، لأن البلد بحاجة إلى رجل الدولة المثقف الذي تشرفت اليوم بالاستماع إليه، وليس إلى رئيس حزب قد تشمت به السياسة”.

لم يتردد في الانتساب فكريا للإمامين المصلحين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو، ويريدك أن تنظر إلى الأمير عبد القادر كرجل دولة وهو يبني دولة متنقلة في زمالته بين معركة وأخرى

كثير من المثقفين والإعلاميين الجزائريين التقوا بالرئيس الراحل، ووقفوا مثلي على تلك الأبعاد المتعددة في شخصية الرئيس الراحل، وشغفه بالمطالعة وانفتاحه على الثقافة العالمية في مختلف الفنون، وحبه واستكثاره من الأصيل في الموروث الثقافي العربي الإسلامي، فضلا عن أنشطته المتعددة في حقل الدفاع عن حقوق الشعوب والأقليات المضطهدة، وتحديدا دعمه لشعب الهنود الحمر في الولايات المتحدة، ونضاله المتواصل لصالح الأقلية من الأفرو- أمريكيين، ونشاطه مع المجتمع المدني الدولي في مقاومة مظاهر الافتراس في منظومة العولمة، وانخراطه في نضالها الفكري، ولعلهم مثلي أساءهم تجاهل بلده لهذا الرصيد النضالي العالمي، لرجل صنع لنفسه مقاما محمودا على المستوى العالمي، وأساءهم أكثر ما تعرض له الرئيس الراحل بعد عودته من المنفى، من مشهد سياسي وإعلامي لم يقدر للرجل مقامه، كما أساءت إليه السلطة وقتها، فلم تر فيه سوى الزعيم السياسي الذي قد يشكل لها تهديدا.

لأجل ذلك يجد أحباء الرئيس الراحل، ومعهم غالبية الشعب الجزائري، بعض العزاء في ما بذله الرئيس بوتفليقة من تكريم مميز للرئيس المجاهد، الذي لم يبخل بدوره عن دعم خيار المصالحة الوطنية. وأذكر أني كنت قد سألت الرئيس الراحل عشية رئاسيات 1999 عن دوافع دعمه لترشح الرئيس بوتفليقة، فذكر لي أسبابا ثلاثة: كان أولها اعتقاده أن بوتفليقة كان أقل المرشحين سوءا، قالها وهو يبتسم، والثاني: أنه لمس عند بوتفليقة نية صادقة في حمل البلد الجريح على المصالحة الوطنية، والثالث: ثقته في حكمة وخبرة بوتفليقة في تفكيك العلب السوداء داخل قيادة مؤسسة الجيش، دون إلحاق الضرر بالمؤسسة التي كان يرى بشأنها، أنه من الواجب مساعدتها على الخروج المتدرج السلس والآمن من واجهة السلطة، وتوجيهها لبناء وقيادة منظومة محترفة تحمي سلامة البلد وسيادته وأمنه القومي.

ذلكم هو رجل الدولة الكبير وحكيم إفريقيا الذي فقدناه، والمجاهد المقاوم الذي ووري الثرى أمس إلى جوار عظماء هذا البلد المقاوم: عبد القادر ومن لحق به من شهداء ثورة التحرير، مضى والمحاسن تبكيه، ومناقب تعزي فيه، وقد علمنا ما علمنا من عدل الله، وأيقنا أنه يحيى ما دامت الحياة أنفع وأروح، ويميت إذا كان الممات أصلح.

اللهَ نسأل أن يكرم مرجعه، ويرحمه رحمته للأبرار، ويحط عنه ثقل الأوزار. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة