الرأي

إمبراطورية‬‮”‬موريتي‮”‬

الشروق أونلاين
  • 8475
  • 16

عندما يعلم شاب جزائري يسكن في الصفيح ومهدد بالموت بحرّ الصيف أو بقرّ الشتاء أن الدولة ستنجز بأموال النفط وباستثمار إماراتي ومتابعة أمريكية أبراجا من إثنين وعشرين طابقا عبارة عن شقق فاخرة لا يقل ثمن الواحدة منها عن ستة مليارات رفقة فيلات لن يقل سعر الواحدة منها عن المئتي مليار قرب إمارة “موريتي” يقطنها الأثرياء والمسئولون الكبار حتى يقوا أنفسهم “شر” الاختلاط ببقية الناس، فإنه سيُدرك أن الفجوة الشاسعة بين القاعدة والقمة قد دخلت مرحلة اللا إلتقاء واتجهت في خطين متوازيين لن يلتقيا أبدا.

وإذا كنا لم نهضم ازدواجية الجنسية لدى بعض المسئولين وتنقلهم بجوازات سفر فرنسية داخل بلادنا ليُشعرونا باختلافهم عنا، فإن الصدمة الأكبر أنهم الآن يعيشون في بلد آخر وفي قلب الجزائر، ويُحرّمون على بقية الشعب دخول محمياتهم كما حرموهم من شواطئ “موريتي” التي استقلت من فرنسا فوقعت في استعمارهم، ليُضيّع الشعب الجزائري الآن قطعتين من أرضه التي حررها منذ نصف قرن، إحداهما في حاسي مسعود والثانية في هاته الإمارة التي تقرر الآن توسيعها وتطويرها وتحويلها إلى إمبراطورية بكل ما تعنيه الكلمة من جبروت وأبهة.

الطبقية موجودة في كل دول العالم وهي قدر المجتمعات، ولكنها تأخذ أبشع صورها في الجزائر، حيث يُهيمن الأميون والذين اغتصبوا المناصب والعقارات على هذه الإمارة، بينما يفرّ أصحاب الشهادات العلمية العليا إلى الخارج لينجوا من احتقار و”حڤرة” أهل هذه الإمارة لهم.

لقد فشلت الجزائر سياسيا، فاختارت منذ الاستقلال سياسة الحزب الواحد والنظام الواحد الذي لا تداول فيه للسلطة ولا ديموقراطية، وعندما ارتأت التعددية نسفت الحزب الواحد بإحاطته بفطريات سياسية فقدمت للعالم نموذجا سياسيا حيّر العالم في تشريعيات ماي السابقة، وفشلت الجزائر اقتصاديا فاختارت نظاما استهلاكيا لا صلة له لا بالاشتراكية ولا بالرأسمالية، فقدمت للعالم نموذجا اقتصاديا “يشرب” حد الثمالة من آبار النفط ولا ينجز سوى الأزمات، وتفشل الآن اجتماعيات عندما تختار التفريق بين المواطنين، وتحاول أن تقوي الطبقة “المخملية” ليس‭ ‬بالعلم‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وإنما‭ ‬بمنحها‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الأبهة‭ ‬الفارغة‭.‬

في كاليفورنيا بعد أن حقق معهد التكنولوجيا تطورا خرافيا وحصل علماءه على أكثر من مئة جائزة نوبل في مختلف العلوم أنجزوا محمية لا يعيش فيها سوى العباقرة وعلماء الذرة والكيمياء والطب مزدحمة بالمخابر ومراكز البحوث لا يقربها الجاهلون، وفي أنجلترا حوّلوا المنطقة المحيطة بجامعة أوكسفورد إلى محمية لا يعيش فيها سوى الطلبة المتفوقين، وفي ماليزيا أنشأوا مدينة علمية هي الأفخر والأجمل في غومباك لا تطأها سوى أقدام العلماء، وباشر صاحب نوبل المصري أحمد زويل إنجاز مدينة علمية مصرية يفك بها عُقدة مصر مع العلم والتكنولوجيا تكون‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬عامة‭ ‬الناس،‭ ‬وفي‭ ‬الجزائر‭ ‬نواصل‭ ‬لإنجاز‭ ‬محمية‭ ‬موريتي‭ ‬وما‭ ‬شابهها،‭ ‬حيث‭ ‬الشواطئ‭ ‬الخاصة‭ ‬جدا‭ ‬والمساكن‭ ‬الخاصة‭ ‬جدا‭ ‬ودور‭ ‬اللهو‭ ‬الخاصة‭ ‬جدا،‭ ‬وهناك‭ ‬تشم‭ ‬رائحة‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.. ‬إلا‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا؟

مقالات ذات صلة