إمبراطورية للماليين في “وادي النقارة” بتلمسان
إمبراطورية خاصة بهم، أنشأوها على ضفاف وادي بوسط مدينة مغنية، قليلون هم من يعرفون أن هذه الفئة من الرعايا تقطن هناك، حتى إن سكان تلمسان المدينة لا يعرفونها، هم الماليون البوركينابيون، الطوغوليون، والنيجريون وغيرهم من ذوي البشرة السمراء، الفارين من البطالة والحروب والتوترات بدولهم، استقروا بالعشرات على الحدود الجزائرية المغربية، وبالتحديد في وادي بمغنية، قبل تحيّـن الفرصة لدخول المغرب، ومن ثم تزوير وثائق والحرقة إلى إسبانيا.
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا عندما خرجت أنا وزميلي المصور لإنجاز الروبورتاج، وكان من الضروري أن نستقل سيارة أجرة على الأقل، للتمكن من السير والتنقل بحرية، دقائق معدودة وتتوقف أمامنا سيارة أجرة بها شاب يبدو أنه كان يسعى لربح وفير في ساعات معدودة، ترصدنا فور طلبنا منه نقلنا إلى مدينة مغنية، وبدا أننا لا نعرف المكان جيدا، وكان الاتفاق على 1800 دينار تكلفة الذهاب والإياب، غير أن الأمور انتهت عكس ذلك، بعد أن ارتفعت البورصة بسبب الخوف الذي تملك السائق، والطريق التي لم تكن في مستوى سيارة السائق، الذي سعى وبكل الطرق لاسترداد أموال قد يحتاجها في تصليح السيارة، في حال تعطلت بسبب المطبات التي واجهناها في الطريق..
انطلقنا نحو مدينة مغنية، وكلي أمل في أن يكون الموضوع الذي أسعى لكتابته في مستوى ما روت لي صديقة عنه، وكما كان متوقعا، وصلنا إلى مدينة مغنية، وبالتحديد إلى مستشفى المدينة قبل أن نسلك طريقا ضيقا تملأه الأحراش، وشرعنا في استفسار المواطنين عن الوادي الذي أصبح اسمه بقدرة قادر وبمساهمة من سائق الطاكسي “وادي النقارة” أو “واد الكحلين”، على حد تعبير السائق الذي ساهم في طرح الأسئلة على المواطنين، قبل أن يتراجع ويقرر العودة بعد أن أخبره بعض ممن تحدث إليهم بأن المكان خطير، وبأنه لا يمكنه أن يدخل المنطقة، لأنه لن يخرج حيا، خصوصا وأن فتاة برفقته، أصررت على الدخول، وطلبت منه مواصلة السير إلى أن نصل إلى المكان المتفق عليه، فرفض ونزل من السيارة، وطلب مني السير على قدمي، قبل أن يركب من جديد، يسير قليلا، وهناك ظهر شخص ذو بشرة سمراء يرتدي ملابس رياضية.. شاب أسمر طويل ببدلة زرقاء داكنة، مسرع في خطواته، ناديته من بعيد للاحتياط، وسألته إن كان بإمكاني الحديث إليه، بعد أن قدمت نفسي، فكان لطيفا وهز رأسه كدليل على الموافقة على الاستجواب، نزلت من السيارة والسائق يعلق يمينا وشمالا، لم أعر له اهتماما لأن الأمر لم يكن بيدي، ولا خيار لدي سوى تحمله… اقتربت من الشاب الذي ألقى علي السلام تلطيفا للأجواء، قبل أن يقول بأنه مسلم جاء إلى تلمسان، والهدف هو الهروب نحو الضفة الأخرى مرورا بالمغرب، “ألاصان تراوري” ذو 42 سنة، يقول إنه في تلمسان منذ العام 2011، دخل عبر الحدود الجزائرية مرورا بأدرار، قبل أن يصل إلى تلمسان، حاول الدخول إلى المغرب مرارا وتكرارا، غير أنه لم ينجح، وكانت المرة الأخيرة التي حاول فيها التسرب إلى الأراضي المغربية منذ أقل من شهرين، قبل أن يوسعه حرس الحدود المغربي ضربا، ويحرقوا كل الوثائق التي كانت بحوزته، ويعيدوه إلى الحدود الجزائرية، ما جعله يعود إلى الوادي أين يشتغل حاليا بستانيا في مدينة مغنية، يقول “ألاصان” إن المقابل هو ألف دينار، ويعيش رفقة حوالي 30 ماليا، رمت بهم الأوضاع المتردية إلى الدول المجاورة واختارت الأغلبية الجزائر كونها تتوفر على العمل كما أنها الأقرب إلى دول الضفة الأخرى.. مسكنهم بيوت صنعوها من القصب والتراب والبلاستيك، يعيشون مع بعض، لا مجال لآخر ذي بشرة بيضاء الاقتراب من المكان، لأن مصيره سيكون الاعتداء عليه، وسلبه كل ما يملك، هو كلام ردده الكثيرون ممن تحدثنا إليهم، حديث جعل السائق يعجل في العودة قبل أن أقرر التخلي عنه، ومنحه المال الذي اتفقنا عليه، لتظهر أسطوانة أخرى، هو أن الفاتورة ارتفعت، ومن الضروري أن أدفع أكثر، لأنه سلك طريقا غير معبد.. “ألاصان” يقول إنه يرغب في العودة، لكن مشكل الحرب يحول دون ذلك، حاول اللعب على المشاعر، واستمالتي لأكون رؤوفة به، وما كان مني سوى مجاراته، قبل أن يضيف بأنه يجب على الحكومة الانتقالية استدراك الوضع، والجمع بين الإخوة الفرقاء، فأنصار الدين والأزواد والماليون كلهم إخوة، يضيف محدثنا، الذي بدا مطلعا على الوضع السياسي هناك، يقول إنه ينحدر من منطقة صنبا، وعمل في أدرار عند مواطن جزائري اسمه عبد الرحمان، لكن الثمن كان أكلا وشربا ومبيتا، يعني أنه وكما نقول بالعامية “خماس”، ليس وحدة وليس عبد الرحمان الوحيد الذي يدفع هكذا، بل هم كثر حتى في تلمسان، فـ”الحراڤة” وهروبا من المتابعة الأمنية والمضايقات يختارون العمل بدون مقابل، المهم البقاء وضمان عدم الترحيل إلى حين تأتي فرصة “الحرڤة”، حسبما رواه لنا أحد فلاحي المنطقة “الخماسون كثر لأنه لا يوجد البديل”.
الوادي أصبح إفريقية لذوي البشرة السمراء
تركت “ألاصان” الذي كان على موعد مع العمل وعدت إلى السيارة أستجدي السائق ليقلني إلى الوادي غير أنه رفض قطعا، قبل أن يتقدم بضعة مترات ويتوقف، وهناك سرت رفقة المصور على قدمينا إلى أن التقينا بإفريقيين آخرين بديا أصغر سنا، الأول “تراوري مامادو” ذو 22 سنة، دخل الجزائر قبل اندلاع الأزمة المالية وبالتحديد شهر أوت 2011، يقول إنه جاء إلى الجزائر من أجل الحصول على المال والعودة من جديد لمواصلة دراسته على حد قوله، فهو لا يفكر إطلاقا في “الحرڤة”، وسيعود في جانفي إلى مالي، بدا مرتاحا في الحديث إلينا قبل أن يتلقى اتصالا يطلب منه الإسراع في الذهاب، قال إنه أحد الفلاحين في المنطقة يطلب منه العمل لديه والمقابل ألف دينار، أما مرافقه “مامادو كوناري” فمشى ووقف بعيدا عنا- هو لا يتقن الفرنسية ولا العربية، ولغته المالية- يسير مع رفيقه ليترجم له، عمرة 20 سنة، حسب ما أفاد به فهو هرب بسبب الحرب، كونه من مواطني غاو التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية، يقول باللغة المالية التي تكفل صديقه بترجمتها لنا إن عائلته في خطر، هذا ما قاله قبل أن يغادر ويطلب من صديقه الإسراع في الذهاب قبل أن يأتي الدرك لتوقيفهم، هي ممارسات يومية ففي كل مرة يتم توقيف عدد منهم، وترحيلهم إلى الملاجئ التي أنشأتها السلطات في أدرار وبالتحديد بمنطقتي تيمياوين وتينزاواتين.. غادر “مامادو” و”تراوري” ولحق بهما صالح الذي بقي ينظر من بعيد ويده في جيبه وكأنه يخفي شيئا فهو جديد في المنطقة والحرب هي التي حملته على دخول الجزائر عبر برج باجي مختار، ثم رقان ومن ثمة إلى تلمسان عبر عديد المناطق التي كانت مأوى لهم لأيام.. آخرون، كان المكان يعج بهم، ولكنهم رفضوا حتى رد السلام بدوا أكثر عنفا وتجاهلوني وكأنني غير موجودة، فما كان مني سوى الانصراف بلطف دون أن أحدث أي إزعاج..
يقول شيخ التقينا به إن عائلات بأكملها تقطن في الوادي، وحقيقة فالبيوت أو الأكواخ المشيدة تحوي العشرات، والأغلبية يشتغلون غير بعيد عن المكان “خماسين” من أجل العودة في أمان دون أن يلتقوا رجال الأمن، ولكن ما خفي كان أعظم فبحسب ما نقلناه عن المكان فهو مرتع لكل الممارسات وما يفعله الأفارقة مشكوف، فأغلب عصابات التزوير والتهريب إفريقية، لا أحد يدخل المكان والكل يتجاهله خوفا من الاعتداءات خصوصا من النيجريين الذين قال الكثير بشأنهم إنهم عدوانيون.. المغامرة لم تنته عند الوادي وشعرت بأنني سأنجز روبورتاجا عن السائق الذي أكثر من التعليقات وضاعف المبلغ وما كان علي سوى الدفع بعد أكثر من ثلاث ساعات من التقصي والبحث في حقيقة هذه المنطقة التي تحولت إلى ملجإ مفتوح لكل الجنسيات..