-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إنجازات وإخفاقات في‮ ‬مواجهة النكبة

صالح عوض
  • 2338
  • 0
إنجازات وإخفاقات في‮ ‬مواجهة النكبة

لقد واجهنا النكبة بصدق ومروءة عالية،‮ ‬ولم نستسلم لنتائجها‮.. ‬وقدمت الأمة تضحيات كبيرة وشهداء أعزاء،‮ ‬ولا زالت قوافل الشهداء والتضحيات تتواصل‮.. ‬وقدمت الأمة من قوتها وأمنها واستقرارها بلا تردد من أجل فلسطين،‮ ‬وكان الأحرار في‮ ‬الأمة ولا زالوا‮ ‬يتقدمون للواجب كلما سنحت لهم الفرصة‮..‬

وهنا لا‮ ‬يمكن اغفال ما‮  ‬أنجزناه في‮ ‬مواجهة النكبة المتمثلة بعناوينها الرئيسية‮: ‬الكيان الصهيوني‮ ‬والتجزئة والتبعية‮.. ‬فرغم كل ما‮ ‬يمكن رصده من انتصارات حققها عدونا بتفوقه التكنولوجي‮ ‬وإدارته الخبيثة لمعركة تمت في‮ ‬ظل اختلال التوازن بينا وبينه الى درجة مهولة ومن خلال تحالفاته‮.. ‬رغم ذلك كله،‮ ‬إلا أننا أنجزنا على صعيد العناوين جميعها تقدما مناسبا بما هو محدد في‮ ‬الزمان المتاح،‮ ‬حيث لايمكن معالجة أمراض تراكمت عبر قرون طويلة خلال عقود قليلة من الزمن‮.‬

فعلى صعيد الصراع ضد الكيان الصهيوني،‮ ‬استطعنا نسف الدعاية الصهيونية الغربية القائمة على فرضية‮ “‬شعب بلا أرض لأرض بلاشعب‮”‬،‮ ‬وأثبت المناضلون الفلسطينيون باستبسال ومن خلال قوافل الشهداء والعمل السياسي‮ ‬والثقافي‮ ‬والإعلامي،‮ ‬أن لفلسطين شعب حيوي‮ ‬وعبقري‮ ‬وجدير بالحياة،‮ ‬وأن هذا الشعب تجند في‮ ‬فصائل العمل الوطني‮ ‬ليقدم التضحيات الجسام،‮ ‬مؤكدا على وجوده وحقه في‮ ‬بناء كيان سياسي‮ ‬له،‮ ‬وهكذا بالفعل أصبح عنوان فلسطين مطروحا على طاولة كل المتحاورين حول الشأن الاقليمي‮.. ‬

لقد استطاع الكفاح الفلسطيني‮ ‬عبر محطات حاسمة من العمل المسلح والانتفاضات الرائعة،‮ ‬أن‮ ‬يكون الرقم الصعب الذي‮ ‬لايمكن تجاوزه،‮ ‬بل لعله استطاع أن‮ ‬يجر المنطقة كلها لصراع مفتوح مع الكيان الصهيوني‮ ‬على أكثر من مستوى،‮ ‬وأن‮ ‬يكون لها القدوة والقاطرة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬نقل الوعي‮ ‬العام بطبيعة الصراع مع المشاريع الاستعمارية الى طبقات الشعوب المتنوعة‮..‬

وعلى المستوى الرسمي‮ ‬تمكنت الجيوش العربية في‮ ‬مراحل المواجهة أن تثبت اقتدار الجندي‮ ‬العربي‮ ‬لالحاق الهزيمة بالعسكرية الصهيونية،‮ ‬وفي‮ ‬تلك المناخات شعر العرب بامكانية العمل الموحد وبجدوى القوة في‮ ‬مواجهة العدو،‮ ‬فلقد كانت حرب‮ ‬1973‮ ‬فرصة ثمينة لاعطاء نموذج عن آثار توحد الهمة والفعل العربيين‮.‬

ولا‮ ‬يمكن إغفال أثر الانتصارين الكبيرين اللذين تم تحقيقهما في‮ ‬القرن الفائت قرن النكبة،‮ ‬حيث سجل الانتصار الجزائري‮ ‬أكثر من كونه اسنادا معنويا‮.. ‬فلقد أصبح بلد عربي‮ ‬كبير بحجم الجزائر جزءا أصيلا في‮ ‬المعركة ضد الكيان الصهيوني،‮ ‬كما أن مثال الثورة الجزائرية قدم قيمة معنوية ونموذجية مهمة للنضال الفلسطيني‮ ‬على اعتبار التشابه بين الحالتين في‮ ‬مواجهة احتلال استيطاني‮ ‬احلالي‮.. ‬لقد كان انتصار الجزائر أحد أهم انجازات الأمة في‮ ‬القرن العشرين الذي‮ ‬يسير في‮ ‬عكس اتجاه النكبة‮.‬

أما الإنتصار الآخر،‮ ‬فلقد كان انتصار الثورة الاسلامية في‮ ‬إيران،‮ ‬بتحطيم إحدى القلاع الامبريالية في‮ ‬المنطقة وإزاحة نظام الشاه الحليف الطبيعي‮ ‬للكيان الصهيوني،‮ ‬وما كان‮ ‬يمثله من ابتزاز للمنطقة وارباك لها‮.. ‬كان تحرير ايران من هيمنة الأمريكان والصهاينة إنجازا كبيرا لصالح نهضة الأمة وفي‮ ‬الاتجاه المعاكس للنكبة‮.. ‬كما أن الثورة استطاعت أن تحرر الاسلام من أن‮ ‬يكون مطية بيد الامريكان والاستعماريين في‮ ‬مشاريعهم في‮ ‬المنطقة والعالم‮.. ‬وانتهى بها الأمر أن تكون حليفة المقاومة في‮ ‬لبنان وفلسطين،‮ ‬وان تنتزع حقها بالنووي‮ ‬مقدمة بذلك فرصة اضافية لامكانات النهضة في‮ ‬الأمة‮.‬

كما كان للمقاومة اللبنانية دور اضافي‮ ‬في‮ ‬تسجيل النقاط في‮ ‬التصدي‮ ‬للنكبة،‮ ‬واستطاعت المقاومة أن تلحق الأذى الكبير بسمعة الجيش الاسرائيلي‮ ‬وبالأمن الاسرائيلي،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬كشف الخلل الاستراتيجي‮ ‬في‮ ‬البنيان الصهيوني‮ ‬العسكري‮ ‬والاجتماعي‮.‬

هذا بالاضافة إلى مشاريع عربية هنا وهناك حاولت الاقتراب من النهضة ومواجهة اسباب النكبة كما حصل في‮ ‬التجربة الناصرية في‮ ‬اتجاه الوحدة مع سوريا وليبيا والسودان واتجاهها نحو التصنيع والاصلاح الزراعي‮ ‬ومحو الأمية وتعميم التطبيب‮..‬

لعل هذه عناوين انجازاتنا في‮ ‬مواجهة النكبة،‮ ‬إلا أننا أخفقنا اخفاقات‮ ‬غير مفهومة،‮ ‬لايمكن تفسيرها الا على اعتبار واحد،‮ ‬انها انطلقت من فساد الوعي‮ ‬وخيبة الحسابات،‮ ‬حيث توجه العرب إلى مصالحات واتفاقيات ومبادرات تسوية مع الكيان الصهيوني‮ ‬منحته شرعية وجود واغتصاب على أرض فلسطين‮.. ‬بدأت باتفاقيات كامب ديفد وانتهت بالمبادرة العربية التي‮ ‬أجمع الحكام العرب فيها على الاعتراف لاسرائيل بشرعية الوجود على‮ ‬80‮ ‬بالمئة من أرض فلسطين والتهاون في‮ ‬حق العودة‮.. ‬وعلى الصعيد الميداني‮ ‬سقطنا في‮ ‬كمائن كثيرة أخطرها الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية التي‮ ‬انتهت بتقويض الدولة العراقية وانتشار الحروب الداخلية في‮ ‬بلداننا،‮ ‬فلقد فشلنا في‮ ‬إدارة دولنا بعيدا عن الحكم الديكتاتوري‮ ‬سواء كان عسكريا او عائليا‮.. ‬وقبل ذلك وبعده وخلاله كانت النكسات تتابعنا جراء سوء التخطيط وسوء الادارة وانعدام الرؤية،‮ ‬كما تم لنا في‮ ‬الاحتراب الأردني‮ ‬الفلسطيني‮ ‬والفلسطيني‮ ‬السوري‮ ‬والنزاع في‮ ‬لبنان والصراع بين الدول العربية في‮ ‬المغرب العربي‮ ‬والمشرق العربي‮.. ‬انتهاء لما نعيشه اليوم من تجييش جنوني‮ ‬في‮ ‬المنطقة لتدمير دول ونسف مكونات واشعال الحروب في‮ ‬كل قطر من اقطارنا‮.‬

لقد اخفقنا في‮ ‬إدارة بلداننا وأخفقنا في‮ ‬إدارة العلاقات فيما بيننا،‮ ‬وأخفقنا في‮ ‬إمكانية إيجاد علاقات مع العالم مبنية على الوعي‮ ‬بمصالحنا ومصالحه،‮ ‬واخفقنا في‮ ‬النهضة والتصنيع وانتهينا الى مستهلكين ومستوردين أي‮ ‬إلى تكريس التبعية وانتهينا إلى الاعتراف باسرائيل مجانا بلا أي‮ ‬إنجاز على الأرض‮..‬

أجل‭..‬‮ ‬إن عناصر المشهد واضحة لابد من استحضارها جميعا ونحن نرصد قرن من نكبتنا بفلسطين،‮ ‬لأنها الصورة الواقعية‭..‬‮ ‬فعلينا أن نسجل بكل اعتزاز صفحات العز في‮ ‬تاريخنا،‮ ‬وأن نسرع لمعالجة الخلل باستئصال دواعيه لكي‮ ‬نكون جديرين بموقع شاهد في‮ ‬مرحلة التحولات الاستراتيجية الكبرى التي‮ ‬يصار إليها في‮ ‬المنطقة والعالم‮.‬

من الجدير بالتنويه إليه أن انتصاراتنا وإنجازاتنا تحققت بناء على صدقنا وسلامة توجهنا،‮ ‬لكنها لغياب الاستراتيجية لم تستطع الصمود،‮ ‬لكي‮ ‬نبني‮ ‬عليها وأن اخفاقاتنا كانت نتيجة‮ ‬غياب الرؤية والتيه والضلال حيث‮ ‬غاب المنهج والوضوح في‮ ‬التسيير والادارة والوعي‮ ‬بمهماتنا في‮ ‬عالم‮ ‬يحيط بنا بتكالب‮.‬

لازالت المعركة مستمرة على كل الجبهات وان تقدمنا على واحدة‮ ‬يستدعي‮ ‬تقدما على الاخرى‮.. ‬والأمة لازالت بعافيتها ويقينا في‮ ‬فلسطين والوحدة والاستقلال ومن الام المعاناة والقهر سيتولد جيل في‮ ‬مستوى التحديات‮ ‬يمتلك الرؤية والمشروع واليقين والحزم‮.. ‬تولانا الله برحمته‭.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!