ابنة بوليفة للشروق: تومي عرضت على والدي مناصب رفيعة لكنه رفضها
اختارت “نغم” ابنة الفنان والموسيقار الراحل محمد بوليفة جريدة “الشروق” للكشف عن بعض التفاصيل والجوانب التي لا يعرفها جمهوره حتى بعد الرحيل الموجع، حيث كان الرجل الذي فضل أن يهب حياته للفن وخدمة بلده، أن يظل بعيدا عن الأضواء وضجيج الشهرة التي ينشدها الكثيرون، من شدة بساطته وتميز شخصيته إلى أن رحل الى مثواه الأخير قبل ثلاثة أشهر بعد معاناة مع مرض عضال.
بوليفة حفظ القرآن وسنّه لا يتجاوز 12سنة
تتحدث نغم البنت الكبرى لمحمد بوليفة عن طفولة والدها قائلة: “لم تكن طفولة والدي كغيره من الفنانين، فقد حفظ القرآن وعمره لم يتجاوز الثانية عشر بمسقط رأسه وادي سوف، وكان يمارس حبه للموسيقى خفية عن والده الذي لم يتقبل فكرة ولوعه بالموسيقى ورغبته في تعلمها”، إلا أن ذلك لم يكن عائقا أمام حبه للفن فكان يصنع القيثارة خفية عن والده ويعزف عليها”.
وبعد استكماله للمرحلة الثانوية بوادي سوف تضيف نغم، “سافر محمد بوليفة بعدها الى العاصمة، حيث التحق بمعهد الفنون الدرامية للتنشيط الثقافي، والى جانب موهبته في الموسيقى كان يتمتع بموهبة كبيرة في الرسم لدرجة أن احدى الاستاذات بالمعهد اقترحت عليه ان تأخذه لدراسة الرسم في ايطاليا، وتحصل بعدها محمد بوليفة – حسب ابنته – على منحة لدراسة الموسيقى في العراق، ونظرا لتفوقه تم تقليص مدة دراسته بالمعهد من ست إلى أربع سنوات”.
وتمكن بوليفة أن يخلق مكانة خاصة لنفسه وسط العراقيين، حيث ومن شدة إعجاب هؤلاء بموهبته وتقديرهم لفنه، أطلقوا اسمه على إحدى القاعات هناك، وذكر والدي – رحمه الله – انه كان يدرس بالمعهد في نفس الفترة التي كان يدرس به الفنان مارسيل خليفة، وقد كان معجبا بقدراته الفنية وسبق له وأن تحدث عن ذلك في العديد من المرات في الحصص التلفزيونية وحتى في تصريحاته الصحفية عند زيارته الى الجزائر.
.
.. هذه قصة أغنية “إلا هنا ألّي نعيش”
تحوّل الفنان المثقف بعد سنوات من ولوجه عالم الموسيقى الى موسيقار من الطراز الاول وبدأت الطلبات تتهاطل عليه من أجل الإقامة والاستقرار في عدد من البلدان العربية والعمل فيها، وأشارت نغم قائلة “أذكر أنه تلقى عرضا مغريا من المملكة العربية السعودية، إلا أنه رفض ذلك وفضل أن يبقى وفيا لتراب الوطن وغنى عندها اغنيته الشهيرة “إلا هنا لي نعيش”، التي لقيت نجاحا كبيرا في العالم العربي وكان يحدثني دائما ويقول لي “هذه الاغنية مطلوبة بكثرة في الحفلات التي أحييها خارج الوطن”، وفي الوقت الذي فضل فيه العديد من الفنانين الجزائريين الهروب من شبح الإرهاب الذي كان يطارد الجزائريين في العشرية السوداء، “أبى بوليفة إلا أن يبقى وفيا لتراب هذا الوطن الذي كان يعشقه”.
.
صباح فخري انبهر لموهبة محمد بوليفة
حدث وأن زار الموسيقار الراحل محمد بوليفة رفقة اتحاد الطلبة العراقيين للمشاركة في أحد المهرجانات وهو الحدث الذي شهد حضور العديد من الفنانين السوريين على رأسهم الفنان صباح فخري… هذا الأخير حدثه قائلا :”هذا الرجل المعجزة يملك طاقات خارقة وهو رجل سيمثل العرب”، علما أن بوليفة كان مطلوبا بشكل دائم لإحياء الحفلات الرسمية للأعياد الوطنية التي كان تحضرها السلطات العراقية والسفراء وعامة العراقيين، من شدة تقديرهم لموهبته وأدائه.
.
معظم أصدقائه من النخبة
تحدثت نغم عن والدها قائلة: “رغم أن والدي كان فنانا إلا أن كل أصدقائه ورفاقه كانوا من الكتاب والمثقفين وكان يجالسهم بشكل كبير سواء كان ذلك في المناسبات الثقافية أو خارج ذلك، ومقابل ذلك كان أصدقاؤه من الفنانين يعدّون على رؤوس الاصابع، كما ان لقاءاته بهم كانت جد قليلة”، وأذكر ان الدكتور أمين الزاوي وهو من أعز اصدقائه وصفه بالموسوعة الفنية الثقافية وقال “انه يجعلك من خلال فنه تبحر في مختلف الطبوع الشرقية العميقة والطبوع البربرية المتوسطية العميقة” كما أنه الفنان الوحيد الذي يملك علاقات مع الأدباء دون الموسيقيين”.
.
والدي رفض مناصب رفيعة لأنه كان يحب فنه
أكدت نغم، أن وزيرة الثقافة خليدة تومي، عرضت على والدها تولي مناصب رفيعة في الوزارة، لكنه رفض وفضل البقاء في منصبه كمدير للمعهد الجهوي للتكوين الموسيقي وفضل ان يبقى “بوليفة الفنان” لأنه كان يعشق الفن.
وذكرت نغم، أن والدها كان يحظى بمكانة هامة لدى السلطات المعنية وكانت توجه له الدعوات لحضور كل الفعاليات الرسمية وحتى خلال الزيارات التي تجريها الشخصيات والوفود الرسمية إلى بلادنا، كان يحضر دائما كمثقف، ويكفي انه من لحن غالبية الاعمال الكبيرة التي تحتفي بالثورة التحريرية: “يكفي أن والدي تجاوز مستوى تلحين الاغاني الى تلحين الأعمال الكبرى، على غرار الملاحم والأوبرات والاستعراضات الموسيقية التي تنتجها الجزائر ويكفي أنه كان يلقب “بملك الأوبرات”.
وذكرت في سياق متصل، أن الاستعراضي اللبناني العالمي عبد الحليم كركلا استشار والدي قبل أن يشرع في العمل، مشيرة الى انه لم يبد أي انزعاج من اسناد مهمة إخراج العمل لعبد الحليم كركلا لأنه كان واثقا من قدراته “وعلاوة على ذلك فقد شارك والدي في وضع تصور الملحمة كما لحن بعض مقاطعها”.
وتضيف نغم “والدي كان له الفضل في صناعة الأغنية السياسية، لكنه رحل دون ان يؤدي العديد من المشاريع”، وأشارت الابنة الكبرى للفنان الراحل التي تعمل كصحفية في مؤسسة التلفزيون الجزائري، أن الفضل يعود لوالدها في ظهور الاغنية السياسية في الجزائر، فقد غنى لشاعر الثورة الفلسطينية الراحل محمود درويش وسميح القاسم، كما تغنى بالثورة الفلسطينية وقضايا الأمة العربية من خلال أعماله.
وقالت نغم أن والدها كان يُحضّر لعدد من الأعمال الفنية في حقل الاغنية والتلحين، لكن الموت كان أسرع، فاختطفه دون أن يؤديها، بالإضافة الى مشروع “الديو” الذي كان سيجمعه مع عدد من نجوم الساحة العربية والمغربية على رأسهم الفنانة المغربية لطيفة رأفت وفنانين آخرين لكن الموت باغته دون أن يستكمل هذه الاعمال، وترى النور.
.
وردة الجزائرية أهدت والدي عودا
وذكرت نغم أن والدها كانت تربطه علاقة وطيدة مع أميرة الطرب العربي الراحلة وردة الجزائرية، زادت متانتها عندما لحن لها أغنية “بلادي أحبك” التي أنشدتها بمناسبة عيد الثورة في أول نوفمبر من سنة 1995 لشاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، حيث تنقل إلى مصر من أجل التحضير للعمل، أين اهدته عودا.
.
تحديْت الصدمة وأنجزت عملا في مستوى مسيرة والدي رغم الحزن
تقول نغم بتحسر “تعلمت أنا وإخوتي من والدي الكثير، فقد كان فنانا حتى في “أبوته”، “تعلمنا منه التواضع، التسامح، حب المعرفة وحب الوطن وكل القيم الجميلة”، وتابعت نغم قائلة “كانت الصدمة كبيرة عند وفاته لكنني أغرقت نفسي في العمل حتى أتجاوز تلك الظروف، وقلت في نفسي يجب أن أنجز عملا بمستواه ومستوى مسيرته الفنية الحافلة، فقمت وأنا تحت الصدمة وأنجزت “بورتريه” لوالدي تناولت فيه كل مراحل حياته من طفولته إلى وفاته وضمته شهادات من فنانين ومثقفين، وأثار العمل ردود أفعال إيجابية على الصعيدين الوطني والعربي، وقبل ذلك أنجزت عملا عنه بث قبل ساعة ونصف تقريبا من خروج أنفاسه الأخيرة في برنامج صباح الخير للتلفزيون الجزائري، حيث نقلناه بعدها الى المستشفى “ورحل تاركا وراءه فراغا كبيرا..”.