الرأي

ابن باديس.. ثورة إستراتيجية مسبقة

بقلم: لونيس بن جبل الجزائري
  • 594
  • 0

كانت الجزائر عبر العصور محط أطماع ومخططات لطالما استهدفت بنيتها، وبنية شعبها العاشق للحرية والسلام، شعب مناضل باسل في الذود عن كرامته وأرض وطنه. وجهت حملات عديدة منذ القدم تحاول النيل منه ومن أرضه الطيبة، فشهد تاريخه أقوى وأعنف محاولات الاستيلاء، ولعل من أبرزها حملة الإستدمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، إبان الحكم العثماني على الجزائر، والتي كان من بين أهم أسبابها، أن موقع الجزائر الإستراتيجي عالميا أسال لعاب الفرنسيس مستغلين تقهقر الدولة العثمانية، ومهدوا الآمال لتكون الجزائر فرنسية تضخ الثروات لتنعش دولة قامت على السطو والاستيلاء وبنت وجودها على فكر إستدماري سالب.

دخل الفرنسيس أرض الجزائر سنة 1830 ومارسوا فيها كل مخططات التفكيك الاجتماعي والديني واستهدفوا بمشاريعهم الحاقدة عناصر الهوية الوطنية وركائزها، ليجعلوا من استدمارهم خالدا ويطبعون استحواذهم الأبدي على الجزائر ليبيدوا شعبها ويمسحونه، لكن الدم الجزائري الأصيل ذلك الدم الوطني الخالص، عبقه من الإسلام والعروبة، تحرك ليقاوم ويدافع عن أرضه وعن شعبه وعرضه، فكانت ثورات شعبية طاحنة بالرغم من نقص الإمكانات في ذلك الوقت، فكانت ثورات مسلحة توازيها ثورة فكرية، ولعل الثانية كانت منشأ الأولى بطريقة أو بأخرى، إذ ظهرت الحركات الإصلاحية التي كانت على وعي دقيق بما يحاك ضد الكيان الجزائري من مكائد ودسائس، وبدأت تعمل في الاتجاه المعاكس لما كانت برامج فرنسا تتجه نحوه.

وفي هذا الصدد، يقر كثير من الرحالة الأجانب في كتبهم أن الشعب الجزائري قبل الإستدمار الفرنسي كان جله متعلما يتقن القراءة والكتابة، وهذا ما يؤكد ذلك المكر الذي استهدف تفتيت لحمة المجتمع وضرب تماسك ثوابته، ولهذا عمل رجال الإصلاح على تقوية تلك الركائز وتدعيمها، وذلك وعيا منهم بخطورة ما تمارسه فرنسا ضد مقومات شعبهم، ومع تنوع اتجاهات أعلام الإصلاح وتعدد مشاربهم إلى أنهم التقوا في نقطة العمل الداعم والمحافظ على الهوية الوطنية، والحركة الإصلاحية في الجزائر تأسست على قاعدة قوية وهي قاعدة أن إصلاح حال الأمة يجب أن يبدأ بإصلاح الإنسان، والحركة الإصلاحية ظهرت حسب مالك بن نبي رحمة الله عليه تقريبا سنة 1925م.

ويرجع الفضل في ظهور الحركة إلى أفكار العديد من الإصلاحيين وعلى رأسهم رجل الإصلاح الفذ في الجزائر وخارجها الإمام عبد الحميد ابن باديس (1889- 1940) رجمه الله مارس الرجل نشاطه الإصلاحي عبر مختلف المنصات المتاحة آنذاك فكان متمرسا في اعتلاء المنابر والتأثير على الناس وخطابهم بمنهج الصادق الواعي الراغب في تغيير الأحوال وتبديل الواقع المرير، وبالرغم من كل الخناقات التي فرضت عليه من قبل المستدمر الفرنسي الراغب بالوطن والعباد شرا، حيث يرى الإمام ابن باديس أن الجانب التربوي الأخلاقي هو عامل حاسم في صناعة النهضة وإدارتها بما يواكب مجمل الأحداث الجارية في البيئة المحيطة، والتي تمثل معترك رهان أخذ هؤلاء الرجال على عاتقهم مهمة الدفاع عن مقومات الجزائر، فالعمل الجواري لابن باديس كان غاية في الإستراتيجية والتكاملية في منهجه القويم، المنهج الذي جعل مقومات الهوية تصدح في عدد هائل من أبناء الشعب الجزائري، هذا الفكر، حسب الدكتور عامر رخيلة، الذي زرعه ابن باديس والمتمحور حول حماية الركائز الأساسية للهوية الوطنية والدينية، كان المغذي الأكبر للثورة التحريرية المجيدة التي أتت لاحقا فجرا على الجزائر وشعبها الأبي، ففكر ابن باديس وعمله البناء هيكل القاعدة الصلبة لقيام العمل الثوري المسلح نوفمبر 1954، وأكبر دليل على ذلك أن أغلبية أعضاء مجموعة 22، تتلمذوا داخل جمعية العلماء المسلمين؛ الصرح العتيد والإنجاز الحضاري الذي كان ابن باديس على رأسه يوم تأسيسه 05 ماي 1931 بالعاصمة بنادي الترقي والذي انتخب ابن باديس رئيسا له وهو غائب عن الاجتماع، وهذا ما يؤكد حظوة الرجل عند جمهور علماء عصره ومشايخه، ولابد أن حنكة الرجل وقوته الفكرية هما السبب الذي جعله صاحب إجماع وسط جمع من العلماء من مختلف المشارب والمدارس.

مارس ابن باديس عملا ممنهجا صد وواجه حملات فرنسا الطامسة لمعالم الجزائريين الفكرية والأخلاقية والدينية، فسير عمله بطريقة الصد الموازي لمشاريعهم، إذ كلما استهدفت فرنسا جانبا من الجوانب فعّل الإمام مشروعا آخر يطلقه كمواجهة وصد، فأحسن تحليل الوضع وببراعة تامة كان يرسم المتطلبات والاحتياجات.

إستراتيجية الإمام منهج تربوي هادف إلى التحصين والوقاية والتكوين، ومعرفة هذه الإستراتيجية وتحليلها كاملة ليس بالأمر الهين ذلك أن الرجل رقم صعب في مجال الفكر الحضاري البنائي، لذلك سنذكر بعض النقاط التي تبين عمق إستراتيجيته وثورته الفكرية الإستباقية ضد المستدمر الفرنسي الغاشم فيما يلي:

– وطنية ابن باديس قوية إذ كان يؤمن إيمانا راسخا بأن الجزائر للجزائريين وليست للفرنسيين، وفـــرنسا كانـــت تعلـــم أن الرجــــل يشكل خطرا على مشـــروعها البائـــس، إذ نجــد التقرير الفرنسي حجةً دامغــــة تزيد عمق وطنية ابن باديس وثقلــه في ميــــلاد الثورة التحريرية المبــــــاركة ودوره العظيــم في صنع رجال الجزائر الذين انتزعــــوا الاستقلال لهذا الشعب الأبي، صـدر هذا التقرير بتاريخ: 24 جانفي 1958، تحــــت رقم: 1.070RCC/MR. A والذي ورد فيه أن ابن باديس من دعاة التمرد ومن دعاة الوطنية الجزائرية، ويبين التقرير أن للإمام بالغ الأثر في الحركة الإصلاحية، وهذا التقرير كان مكملا لتقرير آخر حول الإمام ونشاطه، وهذا يدل أن فرنسا تعاني من نشاطه وكانت تسلط عليه استعلاماتها وتضييقها.

– تجلت الإستراتيجية القوية لابن باديس في أحد أكبر الجوانب تأثيرا على الذات وعلى الأجيال وهو الجانب الديني، إذ عمل على تقوية الوازع الديني لدى أفراد المجتمع الجزائري نظرا لإيمانه العميق أن الدين ركيزة أساسية في حياة الشعب الجزائري وفي معركته ضد فرنسا، نشط الرجل في هذا المجال القيم وقدم إثراءات عديدة في مجال تفسير القرآن والحديث الشريف، وافتتاحه لدار الحديث بتلمسان 27 سبتمبر 1937 رفقة رفيق دربه محمد البشير الإبراهيمي خير دليل وتجسيدا لرؤيته البعيدة في مجال العمل على الجانب الديني وتقويته لدى أفراد الشعب الجزائري، نشط دروسا وحلقات بداية من الجامع الأخضر إلى المسجد الكبير، فبذل جهودا جبارة في تلقين أمور الدين للشعب والحرص على تحصين هذا الجانب ووقايته.

النقطة الإستراتيجية في عمل الشيخ على الجانب الديني كان كونه يعلم جيدا أن الدين الإسلامي غذاء الشعب الحقيقي والمعبر عن الحقيقة المطلقة، لأنه يكرس أفكار التحرر والتمسك بالأصالة والقطبية الدينية والإسلام مربوط بتقديسه للحرية والجهاد ضد المغتصب المستدمر، كما أسس مدارس دينية وجمعيات كان يهدف إلى تحقيق تغطية شاملة عبر قطر التراب الوطني، ومع تحقيق هذه التغطية بالإضافة إلى تدعيم الوازع الديني المشترك بين الأفراد وبالنظر إلى أن ديننا الحنيف هو كل متكامل من الجوانب الضامنة للرقي والحصانة، عمل الشيخ على حمايته في ذوات أبناء شعبه، وهكذا قاوم فكر ابن باديس كل تلك الحملات المسعورة التي تستهدف تفكيك لحمة الشعب وإذابة وطمس هويته.

– المجال الثاني للعمل الإستراتيجي الجبار، أولى ابن باديس اهتماما كبيرا للجانب التربوي التعليمي التكويني، وأشرك المرأة والفتاة في ذلك لأنه كان يدري أهميتها العظيمة في المجتمع وضرورة تعليمها لأنها لبنة أساسية، في هذا الصدد حرر طلبا أرسله إلى حفيدة الأمير عبد القادر السيدة بديعة مؤسِّسة مدرسة للبنات بدمشق، يطلب منها استقبال مجموعة من البنات الجزائريات ليكملن دراستهن في المدرسة، وهكذا حمل الرجل على عاتقه مسؤوليات عديدة في سبيل النهوض بالتعليم وتكوين أفذاذ يواجهون الأخطار التي تعترض وطنهم وهويتهم، فانتهج منهاجا تعليميا يعتمد على تعزيز اللغة العربية كرد فعل عكسي على كل ما يذهب في اتجاه الفرنسة، فكان في مناهجه التربوية يعتمد على العلم، وخير دليل على رؤيته البعيدة والعميقة في مجال التعليم هو تأسيسه رفقة جماعة من رفاقه مكتبا للتعليم الابتدائي، في مسجد بومعزة وشهد لاحقا هذا المكتب عدة تطورات أبرزها أنه أصبح جمعية التربية والتعليم الإسلامية، وكان ابن باديس هو من حرر قانونها الأساسي، وتركيز عمل الرجل على مجال التعليم بالمبادئ الإسلامية لهو صورة واضحة عن ثورة فكرية معاكسة لما كانت فرنسا تحيكه وتخطط له، بمنهجه وبيانه وقوة كلمه حارب الخرافات والبدع وكل شبهات الضلالة والغي والطرقية، ربى جيلا غرس فيه قيم الأصالة الحقيقية، وهذا ما مثل بعدا استراتيجيا تأكد لاحقا أنه كان فعلا تكوينا لجيل سيخرج المعتدي من أرض الوطن، والتصريح الذي حمله التقرير الذي أشرنا إليه سابقا خير دليل على هذا، إذ يقر التقرير أن عمل ابن باديس غير منفصل عن ثورة نوفمبر.

*أولى ابن باديس اهتماما كبيرا للجانب التربوي التعليمي التكويني، وأشرك المرأة والفتاة في ذلك لأنه كان يدري أهميتها العظيمة في المجتمع وضرورة تعليمها لأنها لبنة أساسية، في هذا الصدد حرر طلبا أرسله إلى حفيدة الأمير عبد القادر السيدة بديعة مؤسِّسة مدرسة للبنات بدمشق، يطلب منها استقبال مجموعة من البنات الجزائريات ليكملن دراستهن في المدرسة، وهكذا حمل الرجل على عاتقه مسؤوليات عديدة في سبيل النهوض بالتعليم وتكوين أفذاذ يواجهون الأخطار التي تعترض وطنهم وهويتهم.

– كان للرجل فكر سياسي وإعلامي قيم، وبهذا البعد خدم قضيته ومارس نشاطه بالرغم من كل الموانع التي عانى منها من تسلط رقابي ومتابعات وملاحقات مارستها ضده فرنسا وإدارتها وكذا أتباعها الذين جندتهم للنيل من همته وعزيمته وأكبر دليل على ذلك تعرضه لمحاولة قتل نجا منها بأعجوبة وكــان ذلك بتاريخ: 24ديسمبر 1926، والأكيد أن نشاط ابن باديس كان هاجسا مرعبا لفرنسا لولا هذا ما كانت تسطر ضده مخططات للنيل منه والحد من نشاطاته، ولولا مكانته التي تعلمها فرنسا جيدا وتأثيره لكانت استعملت ضده طرقا تحييدية أخرى، فسياسيا صالت كلماته وأفكاره عبر العديد من المحافل والأحداث، وتأسست سياسته الفريدة من نوعها على تخصيص المجتمع الجزائري، إذ جاءت الأفكار متناسقة مع واقع الجزائر والجزائريين فكان المصدر الرئيسي لتكوين سياسته هي الجزائر وخصوصياتها كما قال الدكتور عبد الرزاق قسوم، وعرف عن الإمام سياسته النزيهة القوية والموجهة في تركيزها على لبنة الشباب والمرأة لما لهما من فعالية في النهضة بالمجتمع الجزائري وصيانة هويته، فحسبه الشباب المتعلم والمرأة الواعية طريقان لضمان المجتمع الجزائري، ومارس الشيخ دوره السياسي بكل وضوح معبر عن الرأي السديد ومخالفا لكل المغالطات التي كانت تبث السموم في جسد الفكر الجزائري وقال “لا يا سادة نحن نتكلم باسم قسم عظيم من الأمة بل ندّعي أننا نتكلم باسم أغلبية الأمة، فنقول لكم ولكل من يريد أن يسمعنا ولكل من يجب عليه أن يسمعنا.. إنكم من هذه الناحية لا تمثلوننا، ولا تتكلمون باسمنا، ولا تعبرون عن شعورنا وإحساسنا”.

وهنا كان يمارس ابن باديس دور الصد ضد فرنسا وأفكارها التدميرية ودور الصد ضد كل زارع للأفكار المنحرفة والضالة من أفراد أعانوا فرنسا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا دور سيبقى التاريخ له به شاهد، فدور الإمام ابن باديس السياسي تجلى بوضوح في منهج عمله وتبليغ أفكاره التي جاءت كإنقاذ للهوية الوطنية، وتجلى كذلك في منهجيته التي يرد بها على كل خطابات الساسة والنواب ويبدي رأيه فيها بكل وضوح وشفافية لصالح الوطن والمواطن الجزائري صاحب الأرض، ومع هذا العمل السياسي الذي قام به داخليا وحتى خارجيا، كان لابد أن يكون له طريق إعلامي يزيد من فعالية رسالته ومدى وصولها ونطاق تأثيرها، وهذا ما عمل عليه الرجل، والدليل على ذلك هو أنه كلما منعت فرنسا صحيفة أسسها إلا وعوّضها بأخرى، والشيخ ابن باديس عمل بنظرية الاتصال على مرحلتين، وذلك قبل أن يعرفها العالم، فحوّل تلامذته إلى قادة للرأي وبعدها مارسوا توصيل الأفكار للشعب بلا ملل ولا كلل، ولم ينهزم قلمه ولا لسانه يوما في سبيل إعلاء راية الهوية الوطنية والإصلاح في وطنه، هو حقا المربي الذي أنتج ثورة نوفمبر المجيدة، وعمله بهذا المنهج الاتصالي جعل منه يبني اتصالا شبكيا قويا وفعالا، وهنا تظهر إستراتيجيته الإعلامية القوية والنافذة.

تقرير فرنسي صـدر بتاريخ: 24 جانفي 1958، تحــــت رقم: 1.070RCC/MR. A ورد فيه أن ابن باديس من دعاة التمرد ومن دعاة الوطنية الجزائرية، ويبين التقرير أن للإمام بالغ الأثر في الحركة الإصلاحية، وهذا التقرير كان مكملا لتقرير آخر حول الإمام ونشاطه، وهذا يدل أن فرنسا تعاني من نشاطه وكانت تسلط عليه استعلاماتها وتضييقها.

ابن باديس الثائر بطريقة إستراتيجية والمواجه لأشرس حملات تمييع الهوية للشعب الجزائري، وكانت هذه الحملة من أقوى الحملات في تاريخ البشرية التي استهدفت إذابة كيان الشعوب داخل أوطانها، كان المجاهد مخاطرا ومراهنا ضد همجية المستدمر، بفكره الواعي لكل ما يدور من مؤامرات مستعدا لصد كل المحاولات، ناضل وبارز وقاوم وحارب، إنها حقا ثورة فكرية مسبقة أعلنها الرجل في وجه فرنسا المحتلة، فكانت المهد لرجال ترعرعوا عارفين بحقيقة وطنهم ومؤمنين بملكهم لوطنهم فرفعوا السلاح وكان فجر الجزائر شريفا ساطعا بدماء مليون ونصف مليون شهيد، فضرب شعب الجزائر مثلا للبشرية جمعاء في عشق الحرية والوطن، وما نكتبه هذه اللحظة لهو نزر قليل لا ولن نستطيع به إيفاء الرجل حقه، وسنستمر في الإشادة به وبأعماله وتحليل آثاره القيمة وتبليغ أجيالنا رسالة أمانة وعرفان لهذا الفذ البطل، رحمك الله يا سيدي ابن باديس وطيب ثراك.

للموضوع مراجع

مقالات ذات صلة